أهلا بك في مدينة أحلامي !





ريتا عودة- شاعرة وقاصّة ومترجمة من مواليد النـّاصرة 29-9-1960 * حاصلة على شهادة اللقب الأول في اللغة الانجليزية والأدب المقارن. * تقوم بتدريس اللغة الانجليزية في المدرسة الثانوية البلدية في الناصرة. * حصلت على المرتبة الأولى في مسابقة لكتابة قصيدة الهايكو على مستوى العالم. * حصلت على المرتبة الأولى في مسابقة "الهيجا" على مستوى العالم. * تملك موقعا على الشبكة الإلكترونية: http://ritaodeh.blogspot.com * تمت ترجمة نصوصها إلى العديد من اللغات عبر شبكة الإنترنيت. صدر لها : ثورة على الصّمت-1994 1994 - وزارة الثقافة والمعارف- الناصرة *مرايا الوهم 1998- المدرسة الثانوية البلدية –الناصرة *يوميات غجرية عاشقة 2001 – دار الحضارة – القاهرة * ومن لا يعرف ريتا 2003- دار الحضارة – القاهرة *قبل الإختناق بدمعة 2004 - دار الحضارة – القاهرة *سأحاولكِ مرّة أخرى بيت الشعر الفلسطيني - رام الله- 2008 *أنا جنونك-مجموعة قصصيّة بيت الشعر الفلسطيني - رام الله- 2009 مجموعات الكترونيّة: بنفسجُ الغربـــَة 2008-رواية قصيرة طوبى للغرباء-رواية قصيرة-2007 سيمفونية العودة 2010-رواية




أريدُ أن أحيَا

أريد أن أحيا:
أن أستيقظَ مع الفراشاتْ لأهيم على وجهي في الحقول،
ساعاتٍ وساعاتْ
أن أشاركَ المزارعين
في زرع بذور الأمنياتْ

أريد أن أحيا:
أن أصغي لصوت قطرات المطر
وهي تُعمِّدُ العشبَ والشجرْ
أن أفاوضَ الطيورَ على أجنحتها،
والناياتِ على نغماتها.


أريد أن أحلّقَ أعلى من النسور
أريد أن أغني أفضلَ منَ العَنادل وشتَّى أنواع الطيورْ

أريد أن أنتهرَ جرادِ الظلام
وكأنبياء العهدِ القديم
أدعو للوئامِ بين الأنام

أريدُ أنْ أفعلَ أشياءَ كثيرة عديدَة،
ولكنَّ صوت طلقاتٍ ناريَّة بعيدَة
يشوِّه كلَّ أحلامي



‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقد- سعاد جبر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقد- سعاد جبر. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 23 يوليو 2009

ثنائية "موسيقى النص، تيار الوعي" في النص الأدبي




ثنائية "موسيقى النص، تيار الوعي" في النص الأدبي
سعاد جبر

تنوعت الأشكال الأدبية، في نتاجها على الصفحات، في إرهاصات بلوغ المنجز الإبداعي في الطرح، وتواترت الكتابات الأدبية في تناول أبعاد موسيقى النص في البعد الشعري وأزمات أشكاله الأدبية في عوالم الحداثة في النص الشعري ومترتبات الجدليات النقدية الدائرة في ذلك السياق، وليس حديثي هنا في هذه الأبعاد وإشكاليات تلك الأزمات القديمة الجديدة، إنما هو في عوالم الموسيقى الداخلية في النص وأغواره العميقة في وجدان النص الأدبي في كافة اشكالة الأدبية، لاعتبارات عمومية ذلك السياق في النقد والدراسة، فهو ابعد من أن ينحصر في آفاق حيثيات شعرية بحتة وأجواء الجدليات النقدية الدائرة في ذلك الاتجاه الشعري الأحادي في التناول الأدبي كما هو دائر في الكتابات التراثية والكتابات النقدية الحديثة في ذلك المنحى الأدبي المستعر في كهفية عوالم الشعر الدفينة ولغة سجالها الممتدة إلى عوالم اللانهايات، فآن الأوان لأن تتسع أفاقة في التناول في كافة لغات الأجناس الأدبية لاعتبارات انه شأن هوية الحرف وتراقصاته المنسابة في كل جينات تخلقه في الذاكرة الأدبية في استلهمات التراث وإيحاءات الحداثة، لأنه شأن هوية في الحرف وعنوان إحساس متدفق على النص في كافة أطيافه الأدبية، وهو بعد عذب منساب تتحكم فيه منظومة مؤثرات تحمل معها علاقات تبادلية من شبكة الإيقاعات الداخلية وثمارها اليانعة في لغة شيفراتها السيكولوجية المنبعثة انساماً رائقة في النص ورسالة بوح خاصة في لغة الاتصال الرمزية المبرمحة من تراقصات الحرف في حدة سيمفويناتها الصوتية الصادحة وصفحات امواجه الهادرة في لغة الدلالة وتشكلات مركب الأخيلة الشفافة العذبة المتلاحمة مع بريق الإحساس المتدفق ويتبادلان في إطار تيار وعي الذات وتشكلات درره الدفينة في عوالم اللاشعور الدفينة في معادلة تدفق تلك الموسيقى الداخلية في أوج تماوجاتها على النص الأدبي في بنيوية تركيبة مترابطة - على نسق معادلة روبرت شولز في البنوية- تؤججها العفوية الفطرية في السبك العذب المنساب من أعماق تداخلات اللاشعور المنسابة بشيفرات فسيفسائية على النص واؤكد هنا على العفوية والفطرية المطلقة في تراقصات تلك المعادلة البنيوية في النص والتي تتحكم في مولدات تلك الموسيقى الداخلية المنبعثة من لغة الاتصال الرمزية المتآلفة فيما بينها في لغة أصوات الحروف وتداعيات تيار الوعي المنعكس عليها في لغة شيفرات اللاشعور المتولدة فيه وتماوجات الأخيلة الشفافة المنعكسة على بعد "الأنا، الأن، هناك" فترتسم بتلك الأبجديات التوليدية لحنها العذب الجياش على الصفحات. في أبعاد بنيوية متكاملة دون أن تنحصر في نبرات الصوت في لغة الجرس الموسيقي ومترتبات الوزن في الإيقاع كما هو متواتر في كتابات التراث الأدبي، إذ أن التناول البنيوي الكلي لمترتبات الإيقاع الداخلي في النص الذي يشكل سيفونيات موسيقاه الداخلية تلعب دورا كبيرا في توليدها بجمال في ظل تنفسات الحرف وتغريده في حنجرة الكلمات. بين لغة الرفض المكبوته ولغة النشوة الهائجة، اولغة الصعود المتسامي ولغة السقوط المتهاوية، او في تماوجات الروح بين هذا وذاك وكل تلك المتضادات تعبر في ثنائياتها عن لغة إيقاع داخلي واحدة في أجواء عوالم اللاشعور الدفينة، إذ أن (الرفض، القبول) او (الصعود، السقوط) كلاهما في هممات لغة الموسيقى الداخلية له نبرات تعبيرية واحدة وأن كان حدة جرسها يتفاوت بين الصعود والهبوط، ففي نص "أشعل قنديلاً وامضي" للمبدعة ...، يبرز للمتذوق برهافة مقاطع النص حدة جرس موسيقى النص وهي تتهاوى الما وعذابات، فتؤججها روح التحدي المتسامية في النص، لتنقلها من آتون الفناء إلى تساميات لغة الوجود، التي ما زالت تتناثر مقاطع نبراتها في النص في إرهاصات ميلاد الرحم من جديد، المختلطة بكدر احتمالات الفناء لامحالة.


ألقي القنديلَ في زاوية كهف الصّمت الفاضح.
أخرج إلى النور.
تتهدّجُ أنفاسي.
أتجهمُ.
أتنهدُّ.
تطاردني رائحة عفونة قذرَة.
تبللني رطوبة وحل لزج مثير للاشمئزاز.
تُراني
بدأتُ...........
اغرقُ............
؟!……………..( 1 )





وفي ظلال نص

"ساحاولك مرة اخرى"

لــ ريتا عودة يبرز للقارئ المتذوق ذلك الجنون المستعر ولغة التحدي العامرة، ويستشعر بجمالية عذبة هممات موسيقى النص في تقطعاتها الحادة وهي تعبر المسافات في لغة العشق والإصرار عبر تراكمات اللاشعور في لغة الوجود عبر مساحات الأنا الأنثوية الممتدة في اللانهايات في النص إذ تقطع مسافات الذاكرة والوجود معا في لغة اشراقات الذات القريبة البعيدة.


قد آنَ الأوانُ
أنْ ...
أحـــَاولـــَـكَ
مرّةً أخـــرَى
لأحاورَ فيـــــكَ
شهريـــاري
وقيســِي
وابنَ كنعــــــَان ِ
من الليلة ِ الألـــف
للحكايــــة
وحتــــّى
مــَطــْلــَع َ الآااااه
في أتون ِ حــِرْمـــَانــــِكَ
وحــِرمـــــَانـــــــِي ( 2 )


ومما سبق يتبين اثر ترتب إيقاعات الحروف مع لغة اللاشعور واشرعتها المبحرة في لغة التصوير الفني في توليد الموسيقى الداخلية في النص وترتب نمنماتها في اصداء إيقاعات داخلية تدور رحاها في نبرات الكلمات والمقاطع وحدة الأنعطافات في النص الأدبي.
في ظل بناء تركيبي محكم كيفما كانت الأجناس الأدبية في البث والسرد وكيفما حلقت شيفرات اللاشعور في صعودها المتسامي وكيفما تهاوت في كهفية السقوط في أثير لغة الفناء والوجود معاً.




سعاد جبر
2004-09-11

رؤية نقدية لقصة "الفستان الأحمر" للأديبة ريتا عودة






الفستان الأحمر
قصة قصيرة
ريتا عودة-الناصرة


استوقفتني إحْدَى جَاراتِنَا عَلَى بابِ الْمَنْزلِ وَهِيَ تَتَساءَلُ:"إلَى أيْنَ!"
حَدَقْتُ فِي الأفْق ِ الْبَعيدِ وَهَمَسْتُ:"لا أعْلَم!"..وَأخَذْتُ أبْتَعِدُ وَصَدَى صَوْتهَا يُلاحِقُنِي بــِإصْرَار: "فَتَاة غَريبة!"
بَدَأتُ أعْبُرُ الشَّارعَ الْفَاصِلِ كَحَدِّ السَّيْفِ بَيْنَ الحَيّ العَرَبِي الْمُهْمَل ِعَبْرَ سَنَوَاتِ الْجَفَافِ وَبَيْنَ الْحيّ الآخَر الْمَزْروع بالْجَنَةِ. خُطُوَاتِي مُتَثاقِلَة كَسْلَى. صَرَخَ أحَدُ السّائِقِين الّذي كَادَ يَدْهَسنِي بشَاحِنَتِهِ الْضَّخْمَة:
" عَمْيــاء! الضَّوءُ أحْمَر!!"
لَمْ تُثِرْ صَرْخَتُهُ انْفِعَالِي، لكنَّ قميصَهُ الَّذي دَلَّ عَلَى كَوْنِهِ جُنْديَّا أثَارَ فُضُولِي، فَبَدَأَتْ تَتَرَاقَصُ فِي ذَاكِرَتِي صُوَرُ أجْسَادٍ مَبْتُورَة وَبُيُوتٍ مُهَدَّمَّة.. دُمُوعٌ.. هَلَعٌ.. دَمٌّ..صُوَرٌ تُطَالِعُنَا بِهَا النَّشَرَاتُ الإخْبَاريَّة كُلّ يَوْم بل كُلّ ثانِية حَتّى أنّها صَارَتْ جُزْءًا أساسيَّا مِنْ كُلّ نَشْرَة.
مَرَّتْ بِي شَاحِنَة مُزْدَحِمَة بالرجَال فَتَمَلَكَني هَاجِسُ عَدِّهِم. بَدَأتُ بالعَدِّ كَطفلة تَعَلَمَتْ لِتَوِّها الأرقِام الحِسَابيّة: جُنْدي..جُنْديَانِ.. ثَلاثَةُ جُنُودٍ.. أربعَة..خَمْسَة..
تَلَقَفَ أنْفِي رَائِحَةُ طَعَام مَا فَكَرْتُ باقْتِحَامِ المَكَانِ لكنّي أحْجَمْتُ حينَ تَذَكَرّتُ أنَّ مَلابِسِي الْعاديَّة لا تتنَاسَبُ وَالملابِس الْفَاخِرَة على أجساد ِهؤلاء فواصَلْتُ سَيْري، وَبَدَأتُ بقِراءَةِ الإعْلانَاتِ الْمَصْلُوبَة عَلَى أعْمِدَةِ الْكَهْرَبَاءِ:" حَافِظُوا عَلَى نَظَافَةِ الْمَدينَة. بَلَديَّة حَيفَا".
ابتسمتُ ابتسامَة ً شَاحِبَة وَتَمَنَيْتُ لَوْ ألْتَقِي ثَانِيَة بذلكَ الجندي الّذي صَرَخَ في وجهي أنَّ الضَّوءَ أحْمَرلأسْألَهُ إنْ كَانَتْ الْمَدينَة حَقًّا نَظيفَة.
تنَازَلْتُ عَنْ الْفِكْرَة سريعًا وَبَدَأتُ بالتَنْقيبِ عَنْ شَيء مـَا بِإمْكَانِهِ إشْغالِي نِصْفَ السَّاعَة الْمُتَبَقِيَّة عَلَى ابتداء مُنَاوبَتِي الْمَسَائِيَّة في مَعْمَل الْنَسِيج.

جَذَبَ انْتِبَاهِي لَوْنٌ أحْمَرٌ لِفُسْتَانٍ مَا عَلَى دُمْيَّة.
رغْمَ الْمَسَافَة بَيْنَنَا .. انهمكت ِ الْمَرْأة ُ بوَضْع ِ الثَّوبِ عَلَى جَسَدِ الْدُمْيَّة. رَكَضْتُ نَحْوَها، فَقَدْ جَعَلَ اللَّوْنُ الأحْمَرُ دَمِّي يَجْري بشَرَاسَة فِي عُرُوقِي. إنَّهُ أحْمَرٌ، لكنّه غَريبٌ. غَريبٌ جِدًّا. أرْبَكَ أفْكَاري. دَوَّخَنِي.حَدَقْتُ بهِ وَتُهْتُ. كَمْ أحْسدُ تِلْكَ الدُّمْيَّة الصَّامِتَة الّتي تَفْتَقِدُ مَشَاعِرَنَـَا الإنْسَانِيَّة إلاّ أنّهَا " تَتَمَتَع " بِمَا يَنْقُصُنْا نَحْنُ! تَمَنَيْتُ لَوْ أتمكن مِنْ وَضْع ِ الثَّوْبِ الأحْمَر عَلَى "جَسَدي أنـَا" بَدَلَ هذه الثِّيَاب البالٍيَّة الّتي فَقَدَتْ رونقها مُنْذُ زَمَن!!
دُونَمـَا تَفْكير، كأنّي أستَفيق مِنْ حُلُم ٍ، دَفَعْتُ جَسَدي دَاخِلَ الْغُرْفَة وَطَلَبْتُ مِنَ الْعَامِلَة أنْ تُنَاولَني ذلك الثَّوب الأحمر لأرتَديهِ على جَسّدي. تَفَحَصَّتْ هِيَ ثِيابِي بِنَظْرَة ٍ خَاطِفَة ثُمَّ أعْلَنَتْ بِبُرُود ٍ وَبِلَهْجَة عَرَبِيَّة ثَقيلَة:" دَه غَالـِي!!!"
شَعَرْتُ أنَّ جُدْرَانَ الْغُرْفَة تَدُورُ مِنْ حَوْلِي فَسَألْتُهَا بـِلَهْفَة:"كَمْ..!".
هَمَسَتْ ببرود:"ألف.."
ألف...!!!
دَوَّى هذا الرَّقْمُ داخِلَ رَأسِي فَصَارَ رَأسِي كَخَلِيَّة نَحْل ٍمُضْطَربَة. يَجِب أن أشتَري هذا الثَّوب. يَجِبْ وَلَوْ مَرَّة أنْ أحصل على شئ أتَمَنَاه! سأدفع لَهَا مَا يُعَادِلُ نِصْفَ راتِبي ، بَلْ أكْثّر!. لَيْتَنِي ما كنتُ عَامِلَة في مَصْنَع!! لو كنتُ مُتَعَلِمَة كَغَيْري مِنَ الْفَتَيَات لتَقَاضَيْتُ مَبْلَغًا لِتَسْديد ِ احْتِيَاجَاتِي أنـَا وَأهْلي وأخْوَتِي الثمانيَّة الّذينَ يَنْتَظِرُونَ رَاتِبي كُلَّ شَهْر بفَارغ ِ الأمَلْ..! حَسَنًا. سأطْلب من " يوسِي" أنْ يُرَتّب لِي ساعات عمل ليليّة لتحسين راتبي في الأشهر القادمة.
فَتَحْتُ الحَقيبَة وَتَنَاوَلْتُ الْمَبْلَغَ، ثُمَّ بَسَطْتُ ذراعي وعلى راحةِ يَدي ألفُ شَاقِل.
ابتَسَمَتْ المَرْأة بإعياء وَلَمْ تَتَنَاوَلْ الْمَبْلَغَ. ابْتِسَامَتَهَا الصَّفراء شّلَّتْ حَواسي. بَعْثَرَتْ هُدوئِي.
قَالَتْ:"ألف دولار"..
وَاسْتَدَارَتْ لِتُحَييّ امرأة تَلّفُ جَسَدَهَا بالفِرَاءِ دَخَلَتْ الغُرْفَة تِلْكَ اللّحْظَة كَمَا تَدْخُلُ السَّمَكَةُ الْبَحْرَ.
حَمْلَقْتُ فِي كُلّ مَا حَوْلِي..
تَرَاخَتْ شَفَتَيَّ...
خَرَجْتُ مِنَ الْغُرْفَة بِخُطُوات ٍ مُخَدَّرَّة.
وَلا أدري لمَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَة بِالذات... تَمَلَكَتْنـِي رَغْبَةٌ جامحة فِي أنْ: "أبــــْصِـــقْ..!! "

1982





مقدمه


الأدب بمنظوري الشخصي هو ترجمة للذات الإنسانية. أعدها كقاموس لهذه الذات. بها يُترجم أفراح.. أتراح.. آمال.. آلام ..مكنونات و مكونات هذه الذات.
يُكتب الادب للعامة حاملا و مترجما لهمومهم و امالهم و غاياتهم و تطلعاتهم، ويحاول الاديب ايصال فكرته اليهم والذي هو بالاصل فكرهم هم. و منتهى غايته هو كتابة نص و مادة انسانية تصل بقوة و صدق الى العامة، و تجد صداها بقوة النص من الناحية الجمالية و الصيغة المتقنة لدى الادباء الاخرين الذين قد يمتازون عن بعض العامة هو حساسيتهم لتذوق النص من الناحية الجمالية.
لذلك على الصعيد الشخصي احب و اذوب في قراءة الآداب العربية من شعر و رواية و قصة اكثر بكثير من قراءتي للاداب العالمية، فأنا أجد ان الترجمة تقتل روح النص، اشعر بانها توصل فكرته و تقتل روحه.
اعتذر اطلت في الكلام و لم أبدا بالرائعة ..الفستان الاحمر...
و التي سوف اسمح لنفسي بتناولها من عدة جهات حسب رؤيتي المتواضعة لها.







تناول الناحية الانسانية في القصة


فتاتنا فتاة فلسطينية بسيطة ذات تعليم متوسط، إلا ان هذا لا يشكل عائقا بالنسبة لها في متابعة اخبار وطنها، كيف لا هي تعيش هذه الطروف إلا ان متابعتها للاخبار اصبحت روتينية بحكم المحيط الذي تحياه و هذا جلي وواضح من خلال إشارة الكاتبة : "النَّشَرَاتُ الإخْبَاريــــَّة كُلّ يَوْم..كُلّ ثانِيــــَّة.. حَتّى أنّهــا صَارَتْ جُزْءًا أساسيَّا مِنْ كُلّ نَشْرَة." إلا انها ايضا برغم المتابعة مرهقة من الداخل تبحث عن شيء و هذا جلي أيضا بتحديقها بالافق البعيد. ارهاقها يجعلها غير مبالية بنفسها فهي لم تعبأ حين كادت الشاحنة ان تدهسها. الا ان هذه الروح المثقلة استيقظت حين علمت بانه جندي فتذكرت مالم تنسى و هي الاشلاء التي تشاهدها يوميا و الدم الاحمر الذي يتطاير هنا و هناك.
هي من الحي الفقير لذلك حين استنشقت رائحة طعامهم همت بالدخول لولا تذكرت ملابسها التي لا تليق بسكان ذلك الحي. و الذي يسكنه المحتل و الذي يفصله عن حيها فقط شارع!!! شارع بين الارض القاحلة و الارض المزروعة بالجنة نفسها!!
لي تعقيب واحد هنا بانني لم افهم المراد الحقيقي من موضوع السير و قراءة "حافظوا على نظافة المدينة.بلدية حيفا"
السبب هنا هو ربما كوني ربما خارج البلاد و لا اعرف حقيقة الساكنين لانها ان كانت للمحتل فهي بالتاكيد نظيفة لانك ذكرت بانها مزروعة بالجنة و ان كانت لاصحاب الارض فهي ارض قاحلة و لا يمكن للمحتل ان يطلب منهم المحافظة عليها و هم من يسعون لدمارها. تمنيت هنا لو أن الكاتبة قد أوضحت طبيعة الوضع الجغرافي.
حين يصل بالانسان ان يحسد دمية!! فهذا يعني انه يحيى على قارعة المكان و الزمان و انهما شبه متنكران له. و المسكينة تمنت ان تكون مكان دمية لكي يكون هذا الثوب على جسدها هي.
يوجد هنا سؤال ضمني و هو لماذا هي وانا لا ؟! و كأن بها تقول "هي دمية لم تحيا مثلي لم تعاني مثلي لا تفهم هذا الفستان كما انا وليست متلهفة اليه".
هنا أشد يدي على يد الكاتبة و اقول لها :
يا رائعة جعلتني امقت هذا اللون حين كان في البداية احد اسباب موت بطلتك أمام اشارة المرور و بعدها مقته لانه لون دم شعبي المراق....
و لكنك جعلتني بلحظة فقط اتوق لهذا اللون و اتمنى فستانا بلونه. نقلتني بخفة و بمهاره من كره لون حد المقت الى محبته حد الدهشة و التمني!!!
و ان تجد البطلة نفسها داخل المحل وتطلب من العاملة ان تناولها الفستان حتى بدون السؤال عن سعره ,هذا عنى لي الاصرار و الرفض بان تكون الدمية افضل منها، و لكنها بدات تستيقظ من حلمها حين علمت بانه غال،"ده غالي".....
لكنه هو الامل الذي يدفعنا دوما ان نكمل المسير في طريق بدت صعوبته. و الذي دفعها ان تسال "بكم" و هو نفسه الرفض و الامل الذي دفعها ان تتناول ما يعادل اكثر من نصف راتبها ثمن له...
لي تعقيب هنا على نقطة كم تمنيت عدم وجودها و هي الحسرة على عدم اكمال التعليم. فهنا شعرت بان عدم التعليم هو سبب العوز او بالاحرى قلة اليد، كنت اتمناها ان تترسخ في ذهن القارئ و المتلقي بان المحتل هو من يسرق الحلم من جميع الطبقات المتعلم و غيره. لانه في الحقيقة هكذا، فكم من المتعلمين و حملة الشهادات قابعين في بيوتهم ... بدون اقل فرصة عمل!!!
كم هي حنونة بطلتنا من اجل ان لا تمنع اخوتها من املهم برابتها بعد شرائها الفستان سوف تسعى للعمل ساعات اضافية!!
و لكن يا للحزن حين تمتد يدها للاف شيكل فاذا بالفستان الف دولار... و يا للقوة الناتجة من الضعف حين تكون ردة الفعل هي الرغبة بالبصق بدلا عن البكاء......








ب) مفردات ...

و الان اسمح لنفسي ان آتي على ذكر مفردات ذكرتها القاصة الرائعة ريتا عودة في نصها كانت بحق كالمقصلة و الخنجر في الخاصرة، خاصرة اي متذوق و شاعر بهموم هذا الوطن. 1.حَدَقْتُ فِي الأفْق ِ الْبَعيدِ: من يحدق في الافق؟ من يحدق في اللامكان سوى الباحث عن شي للتغيير؟
2. أعْبُرُ الشَّارعَ الْفَاصِلِ كَحَدِّ السَّيْفِبَيْنَ الحَيّ العَرَبِي الْمُهْمَل ِ عَبْرَ سَنَوَاتِ الْجَفَافِ وَبَيْنَ الْحيّ الآخَر الْمَزْروع بالْجَنَةِ نَفْسهَا: جعلتني اشعر بانني على حافة شارع ما قبله ارض خراب و ما بعده جنة!! حد فاصل، كما في حكايات الاطفال التي كنا نسمعها. و هو الشارع نفسه الذي يمنع المطر عن الحي الفقير وهو نفسه زارع الجنة في الحي الاخر.
3. فَقَدْ جَعَلَ اللَّوْنُ الأحْمَرُ دَمِّي يَجْري بشَرَاسَة فِي عُرُوقِي. إنَّهُ أحْمَرٌ.. ولكنّه غَريبٌ.. غَريبٌ جِدًّا. أرْبَكَ أفْكَاري.. دَوَّخَنِِي.. حَدَقْتُ بــِهِ وَتُهْتُ: يا لروعة الوصف الذي جعلني ابحث عن اي شيء امامي احمر لكي اتاكد منه.... لابحث عن شعور مثل البطلة....
4. مِنَ الْعَامِلَة أنْ تُنـَاولَني ذلك الثَّوب الأحمر لأرتَديهِ على جَسّدي: هنا مناولة يعني يقين الحصول. هنا كانت قاصمة لظهر القارئ حين ينتقل اليقين الى مجرد حلم بعيد. يا للالم الذي يشعر به... فهي لم تسال عن سعره بل ارادته لكي ترتديه!!!
5. فَصَارَ رَأسِي كَخَلِيَّة نَحْل ٍ: تشبيه جميل
6. ( يَجِبْ وَلَوْ مَرَّة أنْ أشْتَري شَيئًا أتَمَنَاه!). اتستميحك عذرا فانها هنا عاجزة عن التعليق. لا لشيء سوى اننا نشتري ما نشتهي و غيرنا يتمناه مرة......
7. مَبْلَغًا لِتَسْديد ِ احْتِيَاجَاتِي أنـــــَا وَأهْلــــــِي وأخْوَتــــــِي الثمانيَّة الّذينَ يَنْتَظِرُونَ رَاتــــِبــــــِي كُلَّ شَهْر بــــِفَارغ ِ الأمَلْ. لكنْ ..! : فارغ الامل كم كانت صعبة, لان فارغ الصبر يعني ان انال مرادي عند نهاية الشهر اما فارغ الامل ان اصبر و انا غير متاكدة من تحقيقه....
8. الحَقيبَة وَتَنَاوَلْتُ الْمَبْلَغَ.. ثُمَّ بَسَطْتُ ذراعي وعلى راحةِ يَدي .. ألفُ شَاقِل.: هل بسط الذراع عنا هنا كان القوة بانها ظنت بانها حصلت على ما تريد. ام لان فكرة شراء ما تريد ولو لمرة واحدة هو الذي سيطر عليها بدلا من اخوتها الثمانية؟!
9. وَلا أدري لِماذا ...فـــِي تِلْكَ اللَّحْظَـــة بــِالذات... تَمَلَكَتْنــــِي رَغْبــــَةٌ حــــَادَة فـــــِي أنْ : أبــــْصِـــقْ!! رغبة البصق هنا قوية و تحمل رسالة... رسالة الرفض و القرف لا الضعف الذي يولد الدمعة بل هنا البصق رفض و قوة




بسمة فتحي
2002


قراءة نقدية لقصة "الأحلام الصغيرة" للأديبة ريتا عودة

الأحلام الصغيرة




الفكرة والحدث :
كثير من البشر يعتقدون أن عائلتهم جزء من أجزاء حياتهم حتى تتحول هذه الجزئيةلأن تصبح مثل أشياء المنزل وحاجياته كالزوج في هذه القصة التي اكتفى بوجودإنسانة اسمها زوجة في البيت دونما سؤال منه عن أحوالها وعن رغباتها ومدىسعادتها أو تعاستها وهي تعيش في بيته فاخترعت الزوجة قصة من نسج خيالها لتصلمعه إلى غرضها الحقيقي الذي ما فهمه ولن يفهمه مهما تكلمت عنه . .. فكرة القصة جيدة جدا وهي حادثة كثيرا في مجتمعات كثيرة وصاحب هذه المأساة رجل يملأ رأسه مشاغل العمل التي لا تنتهي أبدا وعلى الزوجة في هذه الحال أن تسلم أمرها لخالقها وتستسلم لوضع حياتها حتى وإن دفعها ذلك إلى أن تنسى أنها إنسانة تحتاج إلى قلب يسمع ومشاعر تحس بها حتى تتحول إلى قطعة أثرية كما يريدها ذاك الزوج . . . ولكن بطلتنا هنا لم تكن ضعيفة الشخصية أو لنقل إنها كانت متمردة على قدرها الذي أراده لها زوجها فلم ترضخ لواقعها المرير وإنما حاربت لتبقى إنسانة فاختلقت القصص ونسجت الأحاديث لتعيد لنفسها كيانها الممزق في هذه الحياة حتى فجرت قنبلة في زمن السكون والهدوء وأطلقت عاصفة لتهز جدران المنزل من هولها ونطقت بما لم تعد تطيق به ذرعا ومن هنا يبدأ الحدث فبعد تفكير طويل أعلنت الحرب وأعدت عدتها فصمدت أمام جبروته ولم يصب مشاعرها الخور أو الخوف حتى تحقق هدفها فصارحته بشيء يهز رجولته ويحطم كبرياءه حتى أصبح كالمجنون يتحرك بخطى لا يعرف إلى أين ستصل به بعد أن أخبرته بحبها لشخص آخر كل ما تحتاجه منه هو العاطفة الصادقة والإحساس بمشاعرها واعتبارها إنسانا له شخصيته وقيمته الجوهرية في الدنيا . . . ازداد الحدث صراعا بصمتها الذي كاد أن يقتله فقلبه كمراجل تغلي وهي كالجدار الذي لا يحرك ساكنا حتى وصلت به إلى الأزمة الحقيقية التي تعيشها لتعلن له وبكل شجاعة أنها ما خنعت لحياتها هذه مهما كانت تحمل له من المشاعر والأحاسيس . . . والحدث جاء من خلال الحوار بين الزوج والزوجة حتى وصلنا إلى الصراع الحقيقي الذي عاشته الزوجة مع هذا الرجل ومن هنا نتلمس إبداع الكابتة بأن رسمت لنا صراعا حقيقيا من خلال حوار يبدأ بشكل يسير ثم يتدرج شيئا فشيئا حتى يصل بنا إلى أزمة القصة كما لا ننسى التشويق الحاصل في حوارها ورغبتنا بعد كل سطر بأن نكمل سلسة القصة إلى نهايتها فالنفوس تتوق إلى معرفة حل الأزمة وإن كانت متوقعة . .


بناء القصة ويتضمن :

العقدة والحل . . .من كلامنا السابق استطعنا أن نصل إلى أزمة القصة ألا وهي : وجود شخص في حياة هذه الزوجة أحبها فبادلته المشاعر الصادقة بسبب إحساسه بها وتقديره لها وهذا كاف لأن يهز الرجل مهما كانت قوته ومهما كان جبروته وقد صورت الكاتبة الأزمة فأبدعت وهي تصف وقع الخبر عليه ؛ فنجدها تقول : \" قفزَ عن السرير كطلقةِ رصاصةٍ تنفلتُ من مسدس.لم يُصَدِّقْ ما قالته.لم يشّك في حبِّها له ولو مرّة!! انطلقَ نحوها كالسهم.أخذ يهزُّها من كتفيها النحيلين لكنّ صوتها ظلّ يكرر بإعياء:\"أ ُحِبُّ رجلا آخَر\". حاولتْ الإفلات من قبضةِ يديْهِ لكنَّه اعتقلَ خطواتــِها:\"مَنْ هُوَ؟!!!! قولي!!!\" \" وقولها : \" أخذَ يَتحَرَكُ داخل الغرفة كَكُرَةٍ مطَّاطِيَّة دونَمَا هَدَفٍ \" \"\"خائنَة..خائنَة..\" ظلَّ يكرر كأنه كُرَةٌ تسقطُ من ارتفاع ٍ شاهِق.اتجه نحو الباب. عاد إلى السرير.. اتجه يمينا..اتجه يسارا.أخفى وجهه بين أحضانِ يديه..وسأل:\" أتحبينه! أم تحتاجينَ نقودًا.!!\"
وهكذا نجد إبداع الكاتبة الحقيقي في وصفها لحال الزوج بعد أن تفجرت القنبلةفي وجهه فكأنه الحائر بل هو التائه الذي ضيع شيئا ثمينا لم يكن يحسب أن له قدرا. وقد أبدعت قبل ذلك بتصوير الصراع النفسي الذي اكتنف مشاعر الزوجة وأسر نفسهاسنة كاملة فقالت عن إحساس الزوجة الخانق : \" اتجهتْ هي نحوَ النافذة تبحثُ عن شُعَاع ِ شَمْسْ.لَمَحَتْ صورةَ زفافِـهـما مصلوبة على الحائط منذُ سنة. شعَرَتْ كأنّ الصورة تستنجد بها لتحررها من سجنها المؤبد. \" فرأت إحساسها مرسوما على خطوط هذه الصورة التي شعرت بأنها تستنجد بها لتفك قيدها وتطلق سبيلها وكأن مشاعرها انتقلت أمامها على ظلال الصورة . . . وتستمر في رسم الصراع حتى بدا الزوج وكأنه يفكر بجدية في ما قالته حتى رأى المقعد المتحرك وكأنه جامد ولكنه ما زال يكابر لم يبرر موقفه ولم يسألها عن صمتها المطبق القديم وإنما عاد ليسألها عن هذا الرجل الذي خانته معه بخيالها بعد أن رأت الاحمرار يكتسح غابات عينيه فخشيت عليه من الانهيار فجاء حل الصراع الذي ما تحمله الرجل في لحظة واحدة أما هي فقد تحملته شهورا طويلة فقالت : أنا لا أحبُّ أحدا. . لكنّ الكآبة تنهشُ دمي ولحمي وكلّ وجودي. أريدك أن تعيد التفكير في حياتنا معا. \" ولكن ما وقع هذه القنبلة الجديدة عليه هل ستفجر براكين غضبه ؟ بل إنها غيرت حتى نظرته للأشياء التي حولها فما كان يراه جامدا أصبح الآن متحركا وكأن الحياة دبت فيه من جديد حتى رأى المقعد يتحرك وختمت قصتها بأروع ما يكون حيث قالت \" تراخى جسده فوق المقعد المتحرك. بدأ المقعد يهتزُّ فجأة* أدْرَكَ* أنَّ المقعد يتحرك.قبل لحظات كان جامدًا كصندوق مغلق. . كتمثالٍ فرعونيّ في متحف. ضحكَ . ضَحِكَ. صارتْ ضحكته زَخَّةُ مطر ٍ مفاجئ في صيفٍ شديدِ الحَرّ. أخذَ يضحكُ و يسْعُلُ.. وبعدَ دقائق هَتَفَ كطفل ٍ يُجَرِبُ أولَى خطواته في المشي \" المقعد المتحرك...أنا....أنا المَقْعَدْ\".\" وكأنه يرى الكرسي مثله تماما فكان وقع خيانتها عليه كوقع السيف على عنقه فأصبح جامدا متحجرا وبعد أن اعترفت بأن ما كان من قولها ما هو إلا اختلاق شعر بروح الحياة تسري في جسده من جديد كالكرسي رآه للوهلة الأولى صامدا جامدا ثم بعد تغير الحال بدأ يتحرك وعاد إلى سابق عهده من جديد.


الشخوص :

عادة ما تنقسم القصة إلى أنواع من حيث الحدث والشخوص وهذه القصة جاء حدثها من خلال حوار الشخصيات بدءا من الحدث اليسير وصولا إلى الصراع وفي هذا النوع من القصص لا نجد رسما للشخوص مطلقا لا من الناحية الداخلية \" النفسية \" ولا حتى الظاهرية \" الشكلية والثقافية \" ولا يعد ذلك عيبا في بناء القصة وإنما هو من متطلبات الحكاية الواردة وإن كنا نستطيع رسم حدود للشخصية من الناحية النفسية خاصة لأن الصراع الذي يكتنف القصة يجعلنا نعرف ما طبيعة نفس الزوج وكذلك الزوجة .


الزوجة :

يبدو أنها تحمل في طياتها نفسا بشرية متوهجة الحساسية مرهفة الشعور ومع ذلك فهي قوية نوعا ما فصبرها على حال كهذه لمدة سنة يعني أنها كانت تتأمل تغيرا في مسيرة حياتها حتى ضاقت ذرعا بحالها فدفعتها نفسيتها القوية إلى تغيير درها الذي حل بها وهذا يؤكد أنها تحمل نفسا أبية ترفض الظلم ولا تقبل بالهامشية .


الزوج :

ربما كان من النوع الأناني الذي يريد كل شيء دون أن يعطي شيئا ولكنه اصطدم بما فعلت الزوجة فكأنه أفاق من غفلة قضى بها السنين الطويلة ولكن لا أدري إن كانت هذه الصدمة ستغير واقعه فعلا وتجعله يطور من نفسه أولا ؟ ! ولكن ما ندركه حقيقة أنه انفعل لقول الزوجة وبما أنه انفعل أو اصطدم فإن ذلك يثبت أن في روحه بقية من الحياة يستطيع من خلالها أن يسعد من حوله .


اللغة :

كم تجتاحني نفسي للحديث عن لغة الكاتبة المبدعة ؛ فكم أتحفتني بجرة قلمها من خلال استخدامها لعبارات غاية في الروعة لا لأنها أتت بهما من هامات الخيال أو ساحات الإبداع ! بل لأنها أتت بها مناسبة لمواقعها فكل لفظة عبرت عن الموقف الحقيقي تعبيرا دقيقا إضافة إلى أسلوبها المشرق الذي غلف عبارتها . . فعبرت عن تحجر مشاعره بالمقعد الجامد وعن إحساسها الأليم بالصورة المصلوبة وبحثها عن شعاع شمس كما عبرت عن صدمته بقولها في بادئ القصة بأنه القط الذي يرقب العصفور والكرة المطاطية والكرة الساقطة من أعلى إلى أسفل وأنه كطلقة الرصاص التي أفلتت من مسدس فضلت طريقها وكالسهم الذي انطلق نحو هدفه وربما استخدامه لطلقة الرصاص والسهم نابع من بيئتها ووطنها الذي تحتاج فيه إلى أسلحة كهذه ولكننا لا نكاد نحصل عليها .


تغريد أبو دياب
نوفمبر 2002



أحلامٌ صغيرة
ريتا عودة


غطى أ ُذُنَيْهِ بكلتا يديْهِ لكنَّ صوتها ظَلَّ يلاحقه كَضَرْبَةِ بَرْقِ: "أ ُحِبُّ رجلا آخر". أخذتْ تراقبُ حركاتِهِ كقطّة تتربَّصُ بعصفور صغير. ثمّ، واصلتْ طَعْنَهُ بكلماتها الحَادّة: "حاول أن تفهم!".
قفزَ عن السرير كطلقةِ رصاصةٍ تنفلتُ من مسدس. لم يُصَدِّقْ ما قالته. لم يشّك في حبِّها له ولو مرّة.! انطلقَ نحوها كالسهم. أخذ يهزُّها من كتفيها النحيلين لكنّ صوتها ظلّ يكرر بإعياء: "أ ُحِبُّ رجلا آخَر". حاولتْ الافلاتَ من قبضتيّ ِ يديْهِ لكنَّه اعتقلَ خطواتِها: "مَنْ هُوَ؟! قولي"
-لا أحد..
* ماذا؟!
- لا أحد..
* لا تكذبي. قولي فورا. مَنْ هُو..َ!؟
شعرتْ بالرهبة. تمتمت: "قلت لكَ لا أحد، لا أحد..".
عاد يهزُّها مِنْ كتفيها. صارَ قطّا مذعورًا وهو يصرخ:"كذابة..كذابة..". أخذَ يَتحَرَكُ داخل الغرفة كَكُرَةٍ مطَّاطِيَّة دونَمَا هَدَف. اتجهتْ نحوَ النافذة تبحثُ عن شُعَاع ِ شَمْسْ. لَمَحَتْ صورةَ زفافِهما مصلوبة على الحائط منذُ سنة. شعَرَتْ كأنّ الصورة تستنجد بها لتحررها من سجنها المؤبد.
عادَ صوتُهُ كالرعد المفاجىء: "خائنة..خائنة...".
كقاض في محكمةٍ بعدَ عناء يوم عمل طو يل همَسَتْ بإعْيَاء:
- إنْ كُنْتُ أنا خائنة فأنْتَ مَنْ دفعَني لذلك!! أنتَ السبَبْ.
* خائنَة.. خائنَة..
ظلَّ يكرر كأنه كُرَةٌ تسقطُ من إرتفاع ٍ شاهِق. اتجه نحو الباب. عاد إلى السرير.. اتجه يمينا..اتجه يسارا. أخفى وجهه بين أحضانِ يديهوسأل:
* أتحبينه! أم تحتاجينَ نقودًا.!
- ما أحتاجه اثمن بكثير من النقود
* ماذا..!؟
- أحْتَاجُ عاطفة صادقة. أحتاج رجلا يحترمني ويفهمني لا رجلا يمتلكني. أنتَ تتعاملُ معي كما تتعامل مع "أشياء" البيت. كأداة لا ككائن بشري. وأنا أحتاجُ رجلا يساندني وأسانده. لا يغيب عنّي ساعات وساعات سعيا وراء المادة. لا أراهُ إلاّ نادرا. لا أحتاج صورة على حائط بل أحتاج رفيق طريق. لا مُعيل بل شريكَ حياة لا سَيِّد بل.....
* كفى..! كفى أوهام..! أمْقُتُ هذه الرومانسيّة الفارغة.
- دائما تقولُ أنّني رومانسية وأنك تكره رومانسيتي. أنا انسانة.. أنا انسانة..(رددت بارهاق وبصوت متقطع).. وهذه م ش ا ع ري ..
**
تراخى جسده. نظر نحوها دون أن يراها. بدا كأنّه يستعرض في خياله أوراق حياته معها. أنّه يمقتْ رومانسيتها لأنها تجعلها في نظره غير واقعيّة، مجرد مراهقة. لكن يبدو أنَّ مشاعره المتجمدة جرحتْ أحاسيسها. إنّه مشغول عنها بشكل متواصل بمشاريعه وحساباته البنكيّة والأوراق الماليّة والزبائن وأحلامه الماديّة التي لا تنضبَ أبدًا والتي تستنفذ كل وقته ومشاعره وتعطيه الرضا الذاتي والاكتفاء حتّى أنّه ينسى أحيانا أنّه مرتبط بعائلة. وهو يشعر نفسه كصندوق مغلق عاطفيّا. يخجل أن يُعَبِّر لها عن مشاعره. أليس الرّجل الذّي يعبر عن مشاعره يعتبره المجتمع ضعيف الشخصيّة!! فكيف يمحو الآن رواسب سنوات!!
وقف قرب المقعد المتحرك. بدا له أنّ المقعدَ جامدٌ في مكانه بشكل مرعب. أَقْلَعَ صوتُهُ عن حنجرته بإعياء وقد عاد يتمتم: "من هو..!!". ناداهُ حنينُ صوتها لكنّه ظلّ يتمتم: من هو من هو... !
اكتسح الجراد بساتينه. لم تقوى على رؤيته ينهار أمامها. أرادت أن تكشف له كلّ أوراقها. هتفتْ كلبؤةٍ تصطادها شبكة:
- لم تُعْطِني ولو مرّة فرصة التحدث معك. إعتدتَ أن تقاطعني بطعنة "خيال مجرد خيال" (راقبتْ بوصلة عينيه وأكملت) فاضطررتُ إلى إيجاد طريقة أجبِرُكَ فيها على الإصغاء إليّ. ليس هنالك رجل آخر لكنّ الكآبة تنهشُ كياني. أسألك أن تعيد التفكير في حياتنا معا.
***
تراخى جسده فوق المقعد المتحرك. بدأ المقعد يهتزُّ. فجاة أدْرَكَ أنَّ المقعد يتحرك. قبل لحظات كان جامدًا كصندوق مغلق. كتمثالٍ فرعونيّ في متحف. ضحكَ. ضَحِكَ. صارتْ ضحكته زَخَّةُ مطر ٍ مُفاجِىء في صيفٍ شديدِ الحَرّ. أخذَ يسْعُلُ وبعدَ دقائق هَتَفَ كطفل يُجَرِبُ أولَى خطواته في المشي : " المقعد المتحرك..! المقعد المتحرك...أنـا ".

1982