أهلا بك في مدينة أحلامي !





ريتا عودة- شاعرة وقاصّة ومترجمة من مواليد النـّاصرة 29-9-1960 * حاصلة على شهادة اللقب الأول في اللغة الانجليزية والأدب المقارن. * تقوم بتدريس اللغة الانجليزية في المدرسة الثانوية البلدية في الناصرة. * حصلت على المرتبة الأولى في مسابقة لكتابة قصيدة الهايكو على مستوى العالم. * حصلت على المرتبة الأولى في مسابقة "الهيجا" على مستوى العالم. * تملك موقعا على الشبكة الإلكترونية: http://ritaodeh.blogspot.com * تمت ترجمة نصوصها إلى العديد من اللغات عبر شبكة الإنترنيت. صدر لها : ثورة على الصّمت-1994 1994 - وزارة الثقافة والمعارف- الناصرة *مرايا الوهم 1998- المدرسة الثانوية البلدية –الناصرة *يوميات غجرية عاشقة 2001 – دار الحضارة – القاهرة * ومن لا يعرف ريتا 2003- دار الحضارة – القاهرة *قبل الإختناق بدمعة 2004 - دار الحضارة – القاهرة *سأحاولكِ مرّة أخرى بيت الشعر الفلسطيني - رام الله- 2008 *أنا جنونك-مجموعة قصصيّة بيت الشعر الفلسطيني - رام الله- 2009 مجموعات الكترونيّة: بنفسجُ الغربـــَة 2008-رواية قصيرة طوبى للغرباء-رواية قصيرة-2007 سيمفونية العودة 2010-رواية




أريدُ أن أحيَا

أريد أن أحيا:
أن أستيقظَ مع الفراشاتْ لأهيم على وجهي في الحقول،
ساعاتٍ وساعاتْ
أن أشاركَ المزارعين
في زرع بذور الأمنياتْ

أريد أن أحيا:
أن أصغي لصوت قطرات المطر
وهي تُعمِّدُ العشبَ والشجرْ
أن أفاوضَ الطيورَ على أجنحتها،
والناياتِ على نغماتها.


أريد أن أحلّقَ أعلى من النسور
أريد أن أغني أفضلَ منَ العَنادل وشتَّى أنواع الطيورْ

أريد أن أنتهرَ جرادِ الظلام
وكأنبياء العهدِ القديم
أدعو للوئامِ بين الأنام

أريدُ أنْ أفعلَ أشياءَ كثيرة عديدَة،
ولكنَّ صوت طلقاتٍ ناريَّة بعيدَة
يشوِّه كلَّ أحلامي



‏إظهار الرسائل ذات التسميات ديوان: أنا جنونك. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ديوان: أنا جنونك. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 23 يوليو 2009

ثنائية "موسيقى النص، تيار الوعي" في النص الأدبي




ثنائية "موسيقى النص، تيار الوعي" في النص الأدبي
سعاد جبر

تنوعت الأشكال الأدبية، في نتاجها على الصفحات، في إرهاصات بلوغ المنجز الإبداعي في الطرح، وتواترت الكتابات الأدبية في تناول أبعاد موسيقى النص في البعد الشعري وأزمات أشكاله الأدبية في عوالم الحداثة في النص الشعري ومترتبات الجدليات النقدية الدائرة في ذلك السياق، وليس حديثي هنا في هذه الأبعاد وإشكاليات تلك الأزمات القديمة الجديدة، إنما هو في عوالم الموسيقى الداخلية في النص وأغواره العميقة في وجدان النص الأدبي في كافة اشكالة الأدبية، لاعتبارات عمومية ذلك السياق في النقد والدراسة، فهو ابعد من أن ينحصر في آفاق حيثيات شعرية بحتة وأجواء الجدليات النقدية الدائرة في ذلك الاتجاه الشعري الأحادي في التناول الأدبي كما هو دائر في الكتابات التراثية والكتابات النقدية الحديثة في ذلك المنحى الأدبي المستعر في كهفية عوالم الشعر الدفينة ولغة سجالها الممتدة إلى عوالم اللانهايات، فآن الأوان لأن تتسع أفاقة في التناول في كافة لغات الأجناس الأدبية لاعتبارات انه شأن هوية الحرف وتراقصاته المنسابة في كل جينات تخلقه في الذاكرة الأدبية في استلهمات التراث وإيحاءات الحداثة، لأنه شأن هوية في الحرف وعنوان إحساس متدفق على النص في كافة أطيافه الأدبية، وهو بعد عذب منساب تتحكم فيه منظومة مؤثرات تحمل معها علاقات تبادلية من شبكة الإيقاعات الداخلية وثمارها اليانعة في لغة شيفراتها السيكولوجية المنبعثة انساماً رائقة في النص ورسالة بوح خاصة في لغة الاتصال الرمزية المبرمحة من تراقصات الحرف في حدة سيمفويناتها الصوتية الصادحة وصفحات امواجه الهادرة في لغة الدلالة وتشكلات مركب الأخيلة الشفافة العذبة المتلاحمة مع بريق الإحساس المتدفق ويتبادلان في إطار تيار وعي الذات وتشكلات درره الدفينة في عوالم اللاشعور الدفينة في معادلة تدفق تلك الموسيقى الداخلية في أوج تماوجاتها على النص الأدبي في بنيوية تركيبة مترابطة - على نسق معادلة روبرت شولز في البنوية- تؤججها العفوية الفطرية في السبك العذب المنساب من أعماق تداخلات اللاشعور المنسابة بشيفرات فسيفسائية على النص واؤكد هنا على العفوية والفطرية المطلقة في تراقصات تلك المعادلة البنيوية في النص والتي تتحكم في مولدات تلك الموسيقى الداخلية المنبعثة من لغة الاتصال الرمزية المتآلفة فيما بينها في لغة أصوات الحروف وتداعيات تيار الوعي المنعكس عليها في لغة شيفرات اللاشعور المتولدة فيه وتماوجات الأخيلة الشفافة المنعكسة على بعد "الأنا، الأن، هناك" فترتسم بتلك الأبجديات التوليدية لحنها العذب الجياش على الصفحات. في أبعاد بنيوية متكاملة دون أن تنحصر في نبرات الصوت في لغة الجرس الموسيقي ومترتبات الوزن في الإيقاع كما هو متواتر في كتابات التراث الأدبي، إذ أن التناول البنيوي الكلي لمترتبات الإيقاع الداخلي في النص الذي يشكل سيفونيات موسيقاه الداخلية تلعب دورا كبيرا في توليدها بجمال في ظل تنفسات الحرف وتغريده في حنجرة الكلمات. بين لغة الرفض المكبوته ولغة النشوة الهائجة، اولغة الصعود المتسامي ولغة السقوط المتهاوية، او في تماوجات الروح بين هذا وذاك وكل تلك المتضادات تعبر في ثنائياتها عن لغة إيقاع داخلي واحدة في أجواء عوالم اللاشعور الدفينة، إذ أن (الرفض، القبول) او (الصعود، السقوط) كلاهما في هممات لغة الموسيقى الداخلية له نبرات تعبيرية واحدة وأن كان حدة جرسها يتفاوت بين الصعود والهبوط، ففي نص "أشعل قنديلاً وامضي" للمبدعة ...، يبرز للمتذوق برهافة مقاطع النص حدة جرس موسيقى النص وهي تتهاوى الما وعذابات، فتؤججها روح التحدي المتسامية في النص، لتنقلها من آتون الفناء إلى تساميات لغة الوجود، التي ما زالت تتناثر مقاطع نبراتها في النص في إرهاصات ميلاد الرحم من جديد، المختلطة بكدر احتمالات الفناء لامحالة.


ألقي القنديلَ في زاوية كهف الصّمت الفاضح.
أخرج إلى النور.
تتهدّجُ أنفاسي.
أتجهمُ.
أتنهدُّ.
تطاردني رائحة عفونة قذرَة.
تبللني رطوبة وحل لزج مثير للاشمئزاز.
تُراني
بدأتُ...........
اغرقُ............
؟!……………..( 1 )





وفي ظلال نص

"ساحاولك مرة اخرى"

لــ ريتا عودة يبرز للقارئ المتذوق ذلك الجنون المستعر ولغة التحدي العامرة، ويستشعر بجمالية عذبة هممات موسيقى النص في تقطعاتها الحادة وهي تعبر المسافات في لغة العشق والإصرار عبر تراكمات اللاشعور في لغة الوجود عبر مساحات الأنا الأنثوية الممتدة في اللانهايات في النص إذ تقطع مسافات الذاكرة والوجود معا في لغة اشراقات الذات القريبة البعيدة.


قد آنَ الأوانُ
أنْ ...
أحـــَاولـــَـكَ
مرّةً أخـــرَى
لأحاورَ فيـــــكَ
شهريـــاري
وقيســِي
وابنَ كنعــــــَان ِ
من الليلة ِ الألـــف
للحكايــــة
وحتــــّى
مــَطــْلــَع َ الآااااه
في أتون ِ حــِرْمـــَانــــِكَ
وحــِرمـــــَانـــــــِي ( 2 )


ومما سبق يتبين اثر ترتب إيقاعات الحروف مع لغة اللاشعور واشرعتها المبحرة في لغة التصوير الفني في توليد الموسيقى الداخلية في النص وترتب نمنماتها في اصداء إيقاعات داخلية تدور رحاها في نبرات الكلمات والمقاطع وحدة الأنعطافات في النص الأدبي.
في ظل بناء تركيبي محكم كيفما كانت الأجناس الأدبية في البث والسرد وكيفما حلقت شيفرات اللاشعور في صعودها المتسامي وكيفما تهاوت في كهفية السقوط في أثير لغة الفناء والوجود معاً.




سعاد جبر
2004-09-11

رؤية نقدية لقصة "الفستان الأحمر" للأديبة ريتا عودة






الفستان الأحمر
قصة قصيرة
ريتا عودة-الناصرة


استوقفتني إحْدَى جَاراتِنَا عَلَى بابِ الْمَنْزلِ وَهِيَ تَتَساءَلُ:"إلَى أيْنَ!"
حَدَقْتُ فِي الأفْق ِ الْبَعيدِ وَهَمَسْتُ:"لا أعْلَم!"..وَأخَذْتُ أبْتَعِدُ وَصَدَى صَوْتهَا يُلاحِقُنِي بــِإصْرَار: "فَتَاة غَريبة!"
بَدَأتُ أعْبُرُ الشَّارعَ الْفَاصِلِ كَحَدِّ السَّيْفِ بَيْنَ الحَيّ العَرَبِي الْمُهْمَل ِعَبْرَ سَنَوَاتِ الْجَفَافِ وَبَيْنَ الْحيّ الآخَر الْمَزْروع بالْجَنَةِ. خُطُوَاتِي مُتَثاقِلَة كَسْلَى. صَرَخَ أحَدُ السّائِقِين الّذي كَادَ يَدْهَسنِي بشَاحِنَتِهِ الْضَّخْمَة:
" عَمْيــاء! الضَّوءُ أحْمَر!!"
لَمْ تُثِرْ صَرْخَتُهُ انْفِعَالِي، لكنَّ قميصَهُ الَّذي دَلَّ عَلَى كَوْنِهِ جُنْديَّا أثَارَ فُضُولِي، فَبَدَأَتْ تَتَرَاقَصُ فِي ذَاكِرَتِي صُوَرُ أجْسَادٍ مَبْتُورَة وَبُيُوتٍ مُهَدَّمَّة.. دُمُوعٌ.. هَلَعٌ.. دَمٌّ..صُوَرٌ تُطَالِعُنَا بِهَا النَّشَرَاتُ الإخْبَاريَّة كُلّ يَوْم بل كُلّ ثانِية حَتّى أنّها صَارَتْ جُزْءًا أساسيَّا مِنْ كُلّ نَشْرَة.
مَرَّتْ بِي شَاحِنَة مُزْدَحِمَة بالرجَال فَتَمَلَكَني هَاجِسُ عَدِّهِم. بَدَأتُ بالعَدِّ كَطفلة تَعَلَمَتْ لِتَوِّها الأرقِام الحِسَابيّة: جُنْدي..جُنْديَانِ.. ثَلاثَةُ جُنُودٍ.. أربعَة..خَمْسَة..
تَلَقَفَ أنْفِي رَائِحَةُ طَعَام مَا فَكَرْتُ باقْتِحَامِ المَكَانِ لكنّي أحْجَمْتُ حينَ تَذَكَرّتُ أنَّ مَلابِسِي الْعاديَّة لا تتنَاسَبُ وَالملابِس الْفَاخِرَة على أجساد ِهؤلاء فواصَلْتُ سَيْري، وَبَدَأتُ بقِراءَةِ الإعْلانَاتِ الْمَصْلُوبَة عَلَى أعْمِدَةِ الْكَهْرَبَاءِ:" حَافِظُوا عَلَى نَظَافَةِ الْمَدينَة. بَلَديَّة حَيفَا".
ابتسمتُ ابتسامَة ً شَاحِبَة وَتَمَنَيْتُ لَوْ ألْتَقِي ثَانِيَة بذلكَ الجندي الّذي صَرَخَ في وجهي أنَّ الضَّوءَ أحْمَرلأسْألَهُ إنْ كَانَتْ الْمَدينَة حَقًّا نَظيفَة.
تنَازَلْتُ عَنْ الْفِكْرَة سريعًا وَبَدَأتُ بالتَنْقيبِ عَنْ شَيء مـَا بِإمْكَانِهِ إشْغالِي نِصْفَ السَّاعَة الْمُتَبَقِيَّة عَلَى ابتداء مُنَاوبَتِي الْمَسَائِيَّة في مَعْمَل الْنَسِيج.

جَذَبَ انْتِبَاهِي لَوْنٌ أحْمَرٌ لِفُسْتَانٍ مَا عَلَى دُمْيَّة.
رغْمَ الْمَسَافَة بَيْنَنَا .. انهمكت ِ الْمَرْأة ُ بوَضْع ِ الثَّوبِ عَلَى جَسَدِ الْدُمْيَّة. رَكَضْتُ نَحْوَها، فَقَدْ جَعَلَ اللَّوْنُ الأحْمَرُ دَمِّي يَجْري بشَرَاسَة فِي عُرُوقِي. إنَّهُ أحْمَرٌ، لكنّه غَريبٌ. غَريبٌ جِدًّا. أرْبَكَ أفْكَاري. دَوَّخَنِي.حَدَقْتُ بهِ وَتُهْتُ. كَمْ أحْسدُ تِلْكَ الدُّمْيَّة الصَّامِتَة الّتي تَفْتَقِدُ مَشَاعِرَنَـَا الإنْسَانِيَّة إلاّ أنّهَا " تَتَمَتَع " بِمَا يَنْقُصُنْا نَحْنُ! تَمَنَيْتُ لَوْ أتمكن مِنْ وَضْع ِ الثَّوْبِ الأحْمَر عَلَى "جَسَدي أنـَا" بَدَلَ هذه الثِّيَاب البالٍيَّة الّتي فَقَدَتْ رونقها مُنْذُ زَمَن!!
دُونَمـَا تَفْكير، كأنّي أستَفيق مِنْ حُلُم ٍ، دَفَعْتُ جَسَدي دَاخِلَ الْغُرْفَة وَطَلَبْتُ مِنَ الْعَامِلَة أنْ تُنَاولَني ذلك الثَّوب الأحمر لأرتَديهِ على جَسّدي. تَفَحَصَّتْ هِيَ ثِيابِي بِنَظْرَة ٍ خَاطِفَة ثُمَّ أعْلَنَتْ بِبُرُود ٍ وَبِلَهْجَة عَرَبِيَّة ثَقيلَة:" دَه غَالـِي!!!"
شَعَرْتُ أنَّ جُدْرَانَ الْغُرْفَة تَدُورُ مِنْ حَوْلِي فَسَألْتُهَا بـِلَهْفَة:"كَمْ..!".
هَمَسَتْ ببرود:"ألف.."
ألف...!!!
دَوَّى هذا الرَّقْمُ داخِلَ رَأسِي فَصَارَ رَأسِي كَخَلِيَّة نَحْل ٍمُضْطَربَة. يَجِب أن أشتَري هذا الثَّوب. يَجِبْ وَلَوْ مَرَّة أنْ أحصل على شئ أتَمَنَاه! سأدفع لَهَا مَا يُعَادِلُ نِصْفَ راتِبي ، بَلْ أكْثّر!. لَيْتَنِي ما كنتُ عَامِلَة في مَصْنَع!! لو كنتُ مُتَعَلِمَة كَغَيْري مِنَ الْفَتَيَات لتَقَاضَيْتُ مَبْلَغًا لِتَسْديد ِ احْتِيَاجَاتِي أنـَا وَأهْلي وأخْوَتِي الثمانيَّة الّذينَ يَنْتَظِرُونَ رَاتِبي كُلَّ شَهْر بفَارغ ِ الأمَلْ..! حَسَنًا. سأطْلب من " يوسِي" أنْ يُرَتّب لِي ساعات عمل ليليّة لتحسين راتبي في الأشهر القادمة.
فَتَحْتُ الحَقيبَة وَتَنَاوَلْتُ الْمَبْلَغَ، ثُمَّ بَسَطْتُ ذراعي وعلى راحةِ يَدي ألفُ شَاقِل.
ابتَسَمَتْ المَرْأة بإعياء وَلَمْ تَتَنَاوَلْ الْمَبْلَغَ. ابْتِسَامَتَهَا الصَّفراء شّلَّتْ حَواسي. بَعْثَرَتْ هُدوئِي.
قَالَتْ:"ألف دولار"..
وَاسْتَدَارَتْ لِتُحَييّ امرأة تَلّفُ جَسَدَهَا بالفِرَاءِ دَخَلَتْ الغُرْفَة تِلْكَ اللّحْظَة كَمَا تَدْخُلُ السَّمَكَةُ الْبَحْرَ.
حَمْلَقْتُ فِي كُلّ مَا حَوْلِي..
تَرَاخَتْ شَفَتَيَّ...
خَرَجْتُ مِنَ الْغُرْفَة بِخُطُوات ٍ مُخَدَّرَّة.
وَلا أدري لمَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَة بِالذات... تَمَلَكَتْنـِي رَغْبَةٌ جامحة فِي أنْ: "أبــــْصِـــقْ..!! "

1982





مقدمه


الأدب بمنظوري الشخصي هو ترجمة للذات الإنسانية. أعدها كقاموس لهذه الذات. بها يُترجم أفراح.. أتراح.. آمال.. آلام ..مكنونات و مكونات هذه الذات.
يُكتب الادب للعامة حاملا و مترجما لهمومهم و امالهم و غاياتهم و تطلعاتهم، ويحاول الاديب ايصال فكرته اليهم والذي هو بالاصل فكرهم هم. و منتهى غايته هو كتابة نص و مادة انسانية تصل بقوة و صدق الى العامة، و تجد صداها بقوة النص من الناحية الجمالية و الصيغة المتقنة لدى الادباء الاخرين الذين قد يمتازون عن بعض العامة هو حساسيتهم لتذوق النص من الناحية الجمالية.
لذلك على الصعيد الشخصي احب و اذوب في قراءة الآداب العربية من شعر و رواية و قصة اكثر بكثير من قراءتي للاداب العالمية، فأنا أجد ان الترجمة تقتل روح النص، اشعر بانها توصل فكرته و تقتل روحه.
اعتذر اطلت في الكلام و لم أبدا بالرائعة ..الفستان الاحمر...
و التي سوف اسمح لنفسي بتناولها من عدة جهات حسب رؤيتي المتواضعة لها.







تناول الناحية الانسانية في القصة


فتاتنا فتاة فلسطينية بسيطة ذات تعليم متوسط، إلا ان هذا لا يشكل عائقا بالنسبة لها في متابعة اخبار وطنها، كيف لا هي تعيش هذه الطروف إلا ان متابعتها للاخبار اصبحت روتينية بحكم المحيط الذي تحياه و هذا جلي وواضح من خلال إشارة الكاتبة : "النَّشَرَاتُ الإخْبَاريــــَّة كُلّ يَوْم..كُلّ ثانِيــــَّة.. حَتّى أنّهــا صَارَتْ جُزْءًا أساسيَّا مِنْ كُلّ نَشْرَة." إلا انها ايضا برغم المتابعة مرهقة من الداخل تبحث عن شيء و هذا جلي أيضا بتحديقها بالافق البعيد. ارهاقها يجعلها غير مبالية بنفسها فهي لم تعبأ حين كادت الشاحنة ان تدهسها. الا ان هذه الروح المثقلة استيقظت حين علمت بانه جندي فتذكرت مالم تنسى و هي الاشلاء التي تشاهدها يوميا و الدم الاحمر الذي يتطاير هنا و هناك.
هي من الحي الفقير لذلك حين استنشقت رائحة طعامهم همت بالدخول لولا تذكرت ملابسها التي لا تليق بسكان ذلك الحي. و الذي يسكنه المحتل و الذي يفصله عن حيها فقط شارع!!! شارع بين الارض القاحلة و الارض المزروعة بالجنة نفسها!!
لي تعقيب واحد هنا بانني لم افهم المراد الحقيقي من موضوع السير و قراءة "حافظوا على نظافة المدينة.بلدية حيفا"
السبب هنا هو ربما كوني ربما خارج البلاد و لا اعرف حقيقة الساكنين لانها ان كانت للمحتل فهي بالتاكيد نظيفة لانك ذكرت بانها مزروعة بالجنة و ان كانت لاصحاب الارض فهي ارض قاحلة و لا يمكن للمحتل ان يطلب منهم المحافظة عليها و هم من يسعون لدمارها. تمنيت هنا لو أن الكاتبة قد أوضحت طبيعة الوضع الجغرافي.
حين يصل بالانسان ان يحسد دمية!! فهذا يعني انه يحيى على قارعة المكان و الزمان و انهما شبه متنكران له. و المسكينة تمنت ان تكون مكان دمية لكي يكون هذا الثوب على جسدها هي.
يوجد هنا سؤال ضمني و هو لماذا هي وانا لا ؟! و كأن بها تقول "هي دمية لم تحيا مثلي لم تعاني مثلي لا تفهم هذا الفستان كما انا وليست متلهفة اليه".
هنا أشد يدي على يد الكاتبة و اقول لها :
يا رائعة جعلتني امقت هذا اللون حين كان في البداية احد اسباب موت بطلتك أمام اشارة المرور و بعدها مقته لانه لون دم شعبي المراق....
و لكنك جعلتني بلحظة فقط اتوق لهذا اللون و اتمنى فستانا بلونه. نقلتني بخفة و بمهاره من كره لون حد المقت الى محبته حد الدهشة و التمني!!!
و ان تجد البطلة نفسها داخل المحل وتطلب من العاملة ان تناولها الفستان حتى بدون السؤال عن سعره ,هذا عنى لي الاصرار و الرفض بان تكون الدمية افضل منها، و لكنها بدات تستيقظ من حلمها حين علمت بانه غال،"ده غالي".....
لكنه هو الامل الذي يدفعنا دوما ان نكمل المسير في طريق بدت صعوبته. و الذي دفعها ان تسال "بكم" و هو نفسه الرفض و الامل الذي دفعها ان تتناول ما يعادل اكثر من نصف راتبها ثمن له...
لي تعقيب هنا على نقطة كم تمنيت عدم وجودها و هي الحسرة على عدم اكمال التعليم. فهنا شعرت بان عدم التعليم هو سبب العوز او بالاحرى قلة اليد، كنت اتمناها ان تترسخ في ذهن القارئ و المتلقي بان المحتل هو من يسرق الحلم من جميع الطبقات المتعلم و غيره. لانه في الحقيقة هكذا، فكم من المتعلمين و حملة الشهادات قابعين في بيوتهم ... بدون اقل فرصة عمل!!!
كم هي حنونة بطلتنا من اجل ان لا تمنع اخوتها من املهم برابتها بعد شرائها الفستان سوف تسعى للعمل ساعات اضافية!!
و لكن يا للحزن حين تمتد يدها للاف شيكل فاذا بالفستان الف دولار... و يا للقوة الناتجة من الضعف حين تكون ردة الفعل هي الرغبة بالبصق بدلا عن البكاء......








ب) مفردات ...

و الان اسمح لنفسي ان آتي على ذكر مفردات ذكرتها القاصة الرائعة ريتا عودة في نصها كانت بحق كالمقصلة و الخنجر في الخاصرة، خاصرة اي متذوق و شاعر بهموم هذا الوطن. 1.حَدَقْتُ فِي الأفْق ِ الْبَعيدِ: من يحدق في الافق؟ من يحدق في اللامكان سوى الباحث عن شي للتغيير؟
2. أعْبُرُ الشَّارعَ الْفَاصِلِ كَحَدِّ السَّيْفِبَيْنَ الحَيّ العَرَبِي الْمُهْمَل ِ عَبْرَ سَنَوَاتِ الْجَفَافِ وَبَيْنَ الْحيّ الآخَر الْمَزْروع بالْجَنَةِ نَفْسهَا: جعلتني اشعر بانني على حافة شارع ما قبله ارض خراب و ما بعده جنة!! حد فاصل، كما في حكايات الاطفال التي كنا نسمعها. و هو الشارع نفسه الذي يمنع المطر عن الحي الفقير وهو نفسه زارع الجنة في الحي الاخر.
3. فَقَدْ جَعَلَ اللَّوْنُ الأحْمَرُ دَمِّي يَجْري بشَرَاسَة فِي عُرُوقِي. إنَّهُ أحْمَرٌ.. ولكنّه غَريبٌ.. غَريبٌ جِدًّا. أرْبَكَ أفْكَاري.. دَوَّخَنِِي.. حَدَقْتُ بــِهِ وَتُهْتُ: يا لروعة الوصف الذي جعلني ابحث عن اي شيء امامي احمر لكي اتاكد منه.... لابحث عن شعور مثل البطلة....
4. مِنَ الْعَامِلَة أنْ تُنـَاولَني ذلك الثَّوب الأحمر لأرتَديهِ على جَسّدي: هنا مناولة يعني يقين الحصول. هنا كانت قاصمة لظهر القارئ حين ينتقل اليقين الى مجرد حلم بعيد. يا للالم الذي يشعر به... فهي لم تسال عن سعره بل ارادته لكي ترتديه!!!
5. فَصَارَ رَأسِي كَخَلِيَّة نَحْل ٍ: تشبيه جميل
6. ( يَجِبْ وَلَوْ مَرَّة أنْ أشْتَري شَيئًا أتَمَنَاه!). اتستميحك عذرا فانها هنا عاجزة عن التعليق. لا لشيء سوى اننا نشتري ما نشتهي و غيرنا يتمناه مرة......
7. مَبْلَغًا لِتَسْديد ِ احْتِيَاجَاتِي أنـــــَا وَأهْلــــــِي وأخْوَتــــــِي الثمانيَّة الّذينَ يَنْتَظِرُونَ رَاتــــِبــــــِي كُلَّ شَهْر بــــِفَارغ ِ الأمَلْ. لكنْ ..! : فارغ الامل كم كانت صعبة, لان فارغ الصبر يعني ان انال مرادي عند نهاية الشهر اما فارغ الامل ان اصبر و انا غير متاكدة من تحقيقه....
8. الحَقيبَة وَتَنَاوَلْتُ الْمَبْلَغَ.. ثُمَّ بَسَطْتُ ذراعي وعلى راحةِ يَدي .. ألفُ شَاقِل.: هل بسط الذراع عنا هنا كان القوة بانها ظنت بانها حصلت على ما تريد. ام لان فكرة شراء ما تريد ولو لمرة واحدة هو الذي سيطر عليها بدلا من اخوتها الثمانية؟!
9. وَلا أدري لِماذا ...فـــِي تِلْكَ اللَّحْظَـــة بــِالذات... تَمَلَكَتْنــــِي رَغْبــــَةٌ حــــَادَة فـــــِي أنْ : أبــــْصِـــقْ!! رغبة البصق هنا قوية و تحمل رسالة... رسالة الرفض و القرف لا الضعف الذي يولد الدمعة بل هنا البصق رفض و قوة




بسمة فتحي
2002


قراءة نقدية لقصة "الأحلام الصغيرة" للأديبة ريتا عودة

الأحلام الصغيرة




الفكرة والحدث :
كثير من البشر يعتقدون أن عائلتهم جزء من أجزاء حياتهم حتى تتحول هذه الجزئيةلأن تصبح مثل أشياء المنزل وحاجياته كالزوج في هذه القصة التي اكتفى بوجودإنسانة اسمها زوجة في البيت دونما سؤال منه عن أحوالها وعن رغباتها ومدىسعادتها أو تعاستها وهي تعيش في بيته فاخترعت الزوجة قصة من نسج خيالها لتصلمعه إلى غرضها الحقيقي الذي ما فهمه ولن يفهمه مهما تكلمت عنه . .. فكرة القصة جيدة جدا وهي حادثة كثيرا في مجتمعات كثيرة وصاحب هذه المأساة رجل يملأ رأسه مشاغل العمل التي لا تنتهي أبدا وعلى الزوجة في هذه الحال أن تسلم أمرها لخالقها وتستسلم لوضع حياتها حتى وإن دفعها ذلك إلى أن تنسى أنها إنسانة تحتاج إلى قلب يسمع ومشاعر تحس بها حتى تتحول إلى قطعة أثرية كما يريدها ذاك الزوج . . . ولكن بطلتنا هنا لم تكن ضعيفة الشخصية أو لنقل إنها كانت متمردة على قدرها الذي أراده لها زوجها فلم ترضخ لواقعها المرير وإنما حاربت لتبقى إنسانة فاختلقت القصص ونسجت الأحاديث لتعيد لنفسها كيانها الممزق في هذه الحياة حتى فجرت قنبلة في زمن السكون والهدوء وأطلقت عاصفة لتهز جدران المنزل من هولها ونطقت بما لم تعد تطيق به ذرعا ومن هنا يبدأ الحدث فبعد تفكير طويل أعلنت الحرب وأعدت عدتها فصمدت أمام جبروته ولم يصب مشاعرها الخور أو الخوف حتى تحقق هدفها فصارحته بشيء يهز رجولته ويحطم كبرياءه حتى أصبح كالمجنون يتحرك بخطى لا يعرف إلى أين ستصل به بعد أن أخبرته بحبها لشخص آخر كل ما تحتاجه منه هو العاطفة الصادقة والإحساس بمشاعرها واعتبارها إنسانا له شخصيته وقيمته الجوهرية في الدنيا . . . ازداد الحدث صراعا بصمتها الذي كاد أن يقتله فقلبه كمراجل تغلي وهي كالجدار الذي لا يحرك ساكنا حتى وصلت به إلى الأزمة الحقيقية التي تعيشها لتعلن له وبكل شجاعة أنها ما خنعت لحياتها هذه مهما كانت تحمل له من المشاعر والأحاسيس . . . والحدث جاء من خلال الحوار بين الزوج والزوجة حتى وصلنا إلى الصراع الحقيقي الذي عاشته الزوجة مع هذا الرجل ومن هنا نتلمس إبداع الكابتة بأن رسمت لنا صراعا حقيقيا من خلال حوار يبدأ بشكل يسير ثم يتدرج شيئا فشيئا حتى يصل بنا إلى أزمة القصة كما لا ننسى التشويق الحاصل في حوارها ورغبتنا بعد كل سطر بأن نكمل سلسة القصة إلى نهايتها فالنفوس تتوق إلى معرفة حل الأزمة وإن كانت متوقعة . .


بناء القصة ويتضمن :

العقدة والحل . . .من كلامنا السابق استطعنا أن نصل إلى أزمة القصة ألا وهي : وجود شخص في حياة هذه الزوجة أحبها فبادلته المشاعر الصادقة بسبب إحساسه بها وتقديره لها وهذا كاف لأن يهز الرجل مهما كانت قوته ومهما كان جبروته وقد صورت الكاتبة الأزمة فأبدعت وهي تصف وقع الخبر عليه ؛ فنجدها تقول : \" قفزَ عن السرير كطلقةِ رصاصةٍ تنفلتُ من مسدس.لم يُصَدِّقْ ما قالته.لم يشّك في حبِّها له ولو مرّة!! انطلقَ نحوها كالسهم.أخذ يهزُّها من كتفيها النحيلين لكنّ صوتها ظلّ يكرر بإعياء:\"أ ُحِبُّ رجلا آخَر\". حاولتْ الإفلات من قبضةِ يديْهِ لكنَّه اعتقلَ خطواتــِها:\"مَنْ هُوَ؟!!!! قولي!!!\" \" وقولها : \" أخذَ يَتحَرَكُ داخل الغرفة كَكُرَةٍ مطَّاطِيَّة دونَمَا هَدَفٍ \" \"\"خائنَة..خائنَة..\" ظلَّ يكرر كأنه كُرَةٌ تسقطُ من ارتفاع ٍ شاهِق.اتجه نحو الباب. عاد إلى السرير.. اتجه يمينا..اتجه يسارا.أخفى وجهه بين أحضانِ يديه..وسأل:\" أتحبينه! أم تحتاجينَ نقودًا.!!\"
وهكذا نجد إبداع الكاتبة الحقيقي في وصفها لحال الزوج بعد أن تفجرت القنبلةفي وجهه فكأنه الحائر بل هو التائه الذي ضيع شيئا ثمينا لم يكن يحسب أن له قدرا. وقد أبدعت قبل ذلك بتصوير الصراع النفسي الذي اكتنف مشاعر الزوجة وأسر نفسهاسنة كاملة فقالت عن إحساس الزوجة الخانق : \" اتجهتْ هي نحوَ النافذة تبحثُ عن شُعَاع ِ شَمْسْ.لَمَحَتْ صورةَ زفافِـهـما مصلوبة على الحائط منذُ سنة. شعَرَتْ كأنّ الصورة تستنجد بها لتحررها من سجنها المؤبد. \" فرأت إحساسها مرسوما على خطوط هذه الصورة التي شعرت بأنها تستنجد بها لتفك قيدها وتطلق سبيلها وكأن مشاعرها انتقلت أمامها على ظلال الصورة . . . وتستمر في رسم الصراع حتى بدا الزوج وكأنه يفكر بجدية في ما قالته حتى رأى المقعد المتحرك وكأنه جامد ولكنه ما زال يكابر لم يبرر موقفه ولم يسألها عن صمتها المطبق القديم وإنما عاد ليسألها عن هذا الرجل الذي خانته معه بخيالها بعد أن رأت الاحمرار يكتسح غابات عينيه فخشيت عليه من الانهيار فجاء حل الصراع الذي ما تحمله الرجل في لحظة واحدة أما هي فقد تحملته شهورا طويلة فقالت : أنا لا أحبُّ أحدا. . لكنّ الكآبة تنهشُ دمي ولحمي وكلّ وجودي. أريدك أن تعيد التفكير في حياتنا معا. \" ولكن ما وقع هذه القنبلة الجديدة عليه هل ستفجر براكين غضبه ؟ بل إنها غيرت حتى نظرته للأشياء التي حولها فما كان يراه جامدا أصبح الآن متحركا وكأن الحياة دبت فيه من جديد حتى رأى المقعد يتحرك وختمت قصتها بأروع ما يكون حيث قالت \" تراخى جسده فوق المقعد المتحرك. بدأ المقعد يهتزُّ فجأة* أدْرَكَ* أنَّ المقعد يتحرك.قبل لحظات كان جامدًا كصندوق مغلق. . كتمثالٍ فرعونيّ في متحف. ضحكَ . ضَحِكَ. صارتْ ضحكته زَخَّةُ مطر ٍ مفاجئ في صيفٍ شديدِ الحَرّ. أخذَ يضحكُ و يسْعُلُ.. وبعدَ دقائق هَتَفَ كطفل ٍ يُجَرِبُ أولَى خطواته في المشي \" المقعد المتحرك...أنا....أنا المَقْعَدْ\".\" وكأنه يرى الكرسي مثله تماما فكان وقع خيانتها عليه كوقع السيف على عنقه فأصبح جامدا متحجرا وبعد أن اعترفت بأن ما كان من قولها ما هو إلا اختلاق شعر بروح الحياة تسري في جسده من جديد كالكرسي رآه للوهلة الأولى صامدا جامدا ثم بعد تغير الحال بدأ يتحرك وعاد إلى سابق عهده من جديد.


الشخوص :

عادة ما تنقسم القصة إلى أنواع من حيث الحدث والشخوص وهذه القصة جاء حدثها من خلال حوار الشخصيات بدءا من الحدث اليسير وصولا إلى الصراع وفي هذا النوع من القصص لا نجد رسما للشخوص مطلقا لا من الناحية الداخلية \" النفسية \" ولا حتى الظاهرية \" الشكلية والثقافية \" ولا يعد ذلك عيبا في بناء القصة وإنما هو من متطلبات الحكاية الواردة وإن كنا نستطيع رسم حدود للشخصية من الناحية النفسية خاصة لأن الصراع الذي يكتنف القصة يجعلنا نعرف ما طبيعة نفس الزوج وكذلك الزوجة .


الزوجة :

يبدو أنها تحمل في طياتها نفسا بشرية متوهجة الحساسية مرهفة الشعور ومع ذلك فهي قوية نوعا ما فصبرها على حال كهذه لمدة سنة يعني أنها كانت تتأمل تغيرا في مسيرة حياتها حتى ضاقت ذرعا بحالها فدفعتها نفسيتها القوية إلى تغيير درها الذي حل بها وهذا يؤكد أنها تحمل نفسا أبية ترفض الظلم ولا تقبل بالهامشية .


الزوج :

ربما كان من النوع الأناني الذي يريد كل شيء دون أن يعطي شيئا ولكنه اصطدم بما فعلت الزوجة فكأنه أفاق من غفلة قضى بها السنين الطويلة ولكن لا أدري إن كانت هذه الصدمة ستغير واقعه فعلا وتجعله يطور من نفسه أولا ؟ ! ولكن ما ندركه حقيقة أنه انفعل لقول الزوجة وبما أنه انفعل أو اصطدم فإن ذلك يثبت أن في روحه بقية من الحياة يستطيع من خلالها أن يسعد من حوله .


اللغة :

كم تجتاحني نفسي للحديث عن لغة الكاتبة المبدعة ؛ فكم أتحفتني بجرة قلمها من خلال استخدامها لعبارات غاية في الروعة لا لأنها أتت بهما من هامات الخيال أو ساحات الإبداع ! بل لأنها أتت بها مناسبة لمواقعها فكل لفظة عبرت عن الموقف الحقيقي تعبيرا دقيقا إضافة إلى أسلوبها المشرق الذي غلف عبارتها . . فعبرت عن تحجر مشاعره بالمقعد الجامد وعن إحساسها الأليم بالصورة المصلوبة وبحثها عن شعاع شمس كما عبرت عن صدمته بقولها في بادئ القصة بأنه القط الذي يرقب العصفور والكرة المطاطية والكرة الساقطة من أعلى إلى أسفل وأنه كطلقة الرصاص التي أفلتت من مسدس فضلت طريقها وكالسهم الذي انطلق نحو هدفه وربما استخدامه لطلقة الرصاص والسهم نابع من بيئتها ووطنها الذي تحتاج فيه إلى أسلحة كهذه ولكننا لا نكاد نحصل عليها .


تغريد أبو دياب
نوفمبر 2002



أحلامٌ صغيرة
ريتا عودة


غطى أ ُذُنَيْهِ بكلتا يديْهِ لكنَّ صوتها ظَلَّ يلاحقه كَضَرْبَةِ بَرْقِ: "أ ُحِبُّ رجلا آخر". أخذتْ تراقبُ حركاتِهِ كقطّة تتربَّصُ بعصفور صغير. ثمّ، واصلتْ طَعْنَهُ بكلماتها الحَادّة: "حاول أن تفهم!".
قفزَ عن السرير كطلقةِ رصاصةٍ تنفلتُ من مسدس. لم يُصَدِّقْ ما قالته. لم يشّك في حبِّها له ولو مرّة.! انطلقَ نحوها كالسهم. أخذ يهزُّها من كتفيها النحيلين لكنّ صوتها ظلّ يكرر بإعياء: "أ ُحِبُّ رجلا آخَر". حاولتْ الافلاتَ من قبضتيّ ِ يديْهِ لكنَّه اعتقلَ خطواتِها: "مَنْ هُوَ؟! قولي"
-لا أحد..
* ماذا؟!
- لا أحد..
* لا تكذبي. قولي فورا. مَنْ هُو..َ!؟
شعرتْ بالرهبة. تمتمت: "قلت لكَ لا أحد، لا أحد..".
عاد يهزُّها مِنْ كتفيها. صارَ قطّا مذعورًا وهو يصرخ:"كذابة..كذابة..". أخذَ يَتحَرَكُ داخل الغرفة كَكُرَةٍ مطَّاطِيَّة دونَمَا هَدَف. اتجهتْ نحوَ النافذة تبحثُ عن شُعَاع ِ شَمْسْ. لَمَحَتْ صورةَ زفافِهما مصلوبة على الحائط منذُ سنة. شعَرَتْ كأنّ الصورة تستنجد بها لتحررها من سجنها المؤبد.
عادَ صوتُهُ كالرعد المفاجىء: "خائنة..خائنة...".
كقاض في محكمةٍ بعدَ عناء يوم عمل طو يل همَسَتْ بإعْيَاء:
- إنْ كُنْتُ أنا خائنة فأنْتَ مَنْ دفعَني لذلك!! أنتَ السبَبْ.
* خائنَة.. خائنَة..
ظلَّ يكرر كأنه كُرَةٌ تسقطُ من إرتفاع ٍ شاهِق. اتجه نحو الباب. عاد إلى السرير.. اتجه يمينا..اتجه يسارا. أخفى وجهه بين أحضانِ يديهوسأل:
* أتحبينه! أم تحتاجينَ نقودًا.!
- ما أحتاجه اثمن بكثير من النقود
* ماذا..!؟
- أحْتَاجُ عاطفة صادقة. أحتاج رجلا يحترمني ويفهمني لا رجلا يمتلكني. أنتَ تتعاملُ معي كما تتعامل مع "أشياء" البيت. كأداة لا ككائن بشري. وأنا أحتاجُ رجلا يساندني وأسانده. لا يغيب عنّي ساعات وساعات سعيا وراء المادة. لا أراهُ إلاّ نادرا. لا أحتاج صورة على حائط بل أحتاج رفيق طريق. لا مُعيل بل شريكَ حياة لا سَيِّد بل.....
* كفى..! كفى أوهام..! أمْقُتُ هذه الرومانسيّة الفارغة.
- دائما تقولُ أنّني رومانسية وأنك تكره رومانسيتي. أنا انسانة.. أنا انسانة..(رددت بارهاق وبصوت متقطع).. وهذه م ش ا ع ري ..
**
تراخى جسده. نظر نحوها دون أن يراها. بدا كأنّه يستعرض في خياله أوراق حياته معها. أنّه يمقتْ رومانسيتها لأنها تجعلها في نظره غير واقعيّة، مجرد مراهقة. لكن يبدو أنَّ مشاعره المتجمدة جرحتْ أحاسيسها. إنّه مشغول عنها بشكل متواصل بمشاريعه وحساباته البنكيّة والأوراق الماليّة والزبائن وأحلامه الماديّة التي لا تنضبَ أبدًا والتي تستنفذ كل وقته ومشاعره وتعطيه الرضا الذاتي والاكتفاء حتّى أنّه ينسى أحيانا أنّه مرتبط بعائلة. وهو يشعر نفسه كصندوق مغلق عاطفيّا. يخجل أن يُعَبِّر لها عن مشاعره. أليس الرّجل الذّي يعبر عن مشاعره يعتبره المجتمع ضعيف الشخصيّة!! فكيف يمحو الآن رواسب سنوات!!
وقف قرب المقعد المتحرك. بدا له أنّ المقعدَ جامدٌ في مكانه بشكل مرعب. أَقْلَعَ صوتُهُ عن حنجرته بإعياء وقد عاد يتمتم: "من هو..!!". ناداهُ حنينُ صوتها لكنّه ظلّ يتمتم: من هو من هو... !
اكتسح الجراد بساتينه. لم تقوى على رؤيته ينهار أمامها. أرادت أن تكشف له كلّ أوراقها. هتفتْ كلبؤةٍ تصطادها شبكة:
- لم تُعْطِني ولو مرّة فرصة التحدث معك. إعتدتَ أن تقاطعني بطعنة "خيال مجرد خيال" (راقبتْ بوصلة عينيه وأكملت) فاضطررتُ إلى إيجاد طريقة أجبِرُكَ فيها على الإصغاء إليّ. ليس هنالك رجل آخر لكنّ الكآبة تنهشُ كياني. أسألك أن تعيد التفكير في حياتنا معا.
***
تراخى جسده فوق المقعد المتحرك. بدأ المقعد يهتزُّ. فجاة أدْرَكَ أنَّ المقعد يتحرك. قبل لحظات كان جامدًا كصندوق مغلق. كتمثالٍ فرعونيّ في متحف. ضحكَ. ضَحِكَ. صارتْ ضحكته زَخَّةُ مطر ٍ مُفاجِىء في صيفٍ شديدِ الحَرّ. أخذَ يسْعُلُ وبعدَ دقائق هَتَفَ كطفل يُجَرِبُ أولَى خطواته في المشي : " المقعد المتحرك..! المقعد المتحرك...أنـا ".

1982

الأربعاء، 22 يوليو 2009

"عالم ريتا عودة الإبداعي" بقلم الأديب عدنان كنفاني


عالم ريتا عودة الإبداعي..نساء مضروبات.. نموذجاً..

لا أخفي في إنني أتابع عن كثب الاطّلاع وقراءة الكثير من النصوص القصصية والشعرية التي تكتبها المرأة.. ولا أقول "الأدب النسائي" لأنني مؤمن بأن الأدب بالعام فضاء تحلق فيه الأقلام والأرواح النسائية والذكورية على ذات القدر، في محاولات جادّة مكمّلة وليست متعارضة..
ومن المؤسف حقاً أن الكثير من النصوص الإبداعية التي تكتبها المرأة "ولا أقول كلّها" لا تخرج عن مرارة الشكوى المرتبطة بشكل أو بآخر بمشاعر حرمان، أكثرها أضغاث أوهام مختلقة مؤسسة على تراكمات موروثة عن عالم ذكوري وعن إحساس مبالغ فيه بالظلم يقودها بالتالي إلى التقوقع وراء سدود وهمية والتفرّد في الحديث الجدلي عن العاطفة والجسد -رغم أهميتهما- دون الدخول في محاولة جادة لتحقيق مساواة مثلى لا تقتصر على العاطفة والجسد بل تذهب أبعد في مشاركة وممارسة حقيقية لدورها الأسمى في كونها حقاً نصف المجتمع بل ونصفه الأهم..
أتساءل.. وهل يقتصر دور المرأة في حركة الحياة على لهاث لا يتوقف وراء سراب ظنون ليست من الواقع في شيء.؟ بل وتنحرف غالباً إلى تطرّف يصوّر المرأة كما نرى ونتابع عبر وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية إلى سلعة تجارية استهلاكية أو وسيلة متعة ليس، إلا وهذا ما لا أرضاه لها فهي بالمحصّلة أمي وزوجتي وأختي وابنتي.. وهي شئنا أم أبينا النصف المكمّل لدائرة الحياة..
ريتا عودة وقد شدّتني كتاباتها، وكنتُ قد تابعت قراءة الكثير من قصائدها ودواوينها الشعرية الصادرة ولا أخفي إعجابي بها فقد أوصلت لي وجعها الذي لا يختلف عن وجعي.. حملته إليّ على أجنحة مسبّبات لم تجلدني -كرجل خصم- ولم تضعني في قفص الاتهام بل اخترقت ذلك الحاجز الوهمي وانخرطت في البحث معي عن الأسباب الحقيقية التي تؤرّقها بذات القدر الذي يؤرّقني، ولم تخرج عن شفافية الأنثى..! أحسست بها يداً حانيةً إلى جانب يدي نحمل سوياً مسؤولية البناء، وبقيتْ في مشاعري تلك الأنثى.. وأنا الرجل.. ضروريان مكمّلان ولسنا على حلبة صراع..
كان لا بد لي أن أدخل عبر هذه المقدمة الطويلة إلى عالم ريتا عودة الإبداعي.. فلسطينية عربية، صامدة في مدينة الناصرة تحت سطوة الاحتلال الهمجي.. أدخلتني دون ضجيج، ودون صراخ، ودون لافتات شعاراتية مكررة إلى عالم كان بالنسبة لي على الأقل مجهولاً، وجعلتني ألمس حتى أدقّ التفاصيل، وأصغر الإشارات التي وإن بدت لنا في مكان غير المكان عادية..
قرأت لها نصوصاً قصصية فعرّفتني على جدار المدرسة المتهاوي الذي رافق رحلة قهرها وهي التي تعيش في عالم صوّروه لنا إعلامياً أنه ذلك العالم المثالي الذي توضّع على عمرنا ليعلّمنا الحضارة..! فنجده عند ريتا عالما مزيّفاً يتقصّد مراقبة الجدار يتهاوى ويتهاوى حتى يسقط.. وهي الإشارة الأكثر وضوحاً وحقيقة في محاولة وافدة مدروسة لتذويب ثقافة متأصلة وتعميم ثقافة مزيّفة..
ثم.. استوقفتني طويلاً قصة قصيرة عنوانها (نساء مضروبات..؟) أليس إشكالياً هذا العنوان..؟
ماذا يعني نساء مضروبات..؟
أعلنتُ جهلي..! لكنني لحظة دخلت النص.. صُعقت..
هن النساء اللاتي يتعرّضن لتعذيب جسدي على أيدي أزواجهن أو ولاة أمورهن.. حسناً ثم..؟ تقول ريتا هناك بيت لهؤلاء النسوة من المفترض أن يكون بيت أمان يحميهنّ ويحقق لهنّ العدالة..
الله.. وهل أجمل من هذا..؟ ونحن في مجتمعاتنا العربية لم نسمع بمؤسسة أو هيئة اهتمّت بمثل هكذا أمور.. وقبل أن يأخذنا الخيال إلى تصوّر مجتمع مثالي مستورد تقول ريتا: هي بيوت حقّ يراد بها باطل.. كيف.؟ تقول ريتا دون صخب وتصوّر لنا تلك الحياة المزرية في تلك البيوت التي تبدو من الخارج حضارية لتكتشف لحظة ولوجها مأساوية الملتجئات إليها مع أطفالهن وزحمتهن وسط خدمات معدومة.. وميزانية معدومة.. ومشرفات أسيرات عجزهن.. وتفرّغ لك فجأة كل صورة كادت تتألق في ذهنك، وتسقطك على واقع مرير لنساء التجأن إلى بيوت المضروبات للحماية ليتحولن ذات فجأة لتعلّم ممارسة أشد وأقسى على المضروبات الجديدات ليكنّ خادمات للمقيمات قبلاً.. هي صورة لسجن من نوع جديد لم يسمع بمثيل له أحد من البشر من قبل، تحت يافطة برّاقة تخفي بين حروف الكلمات الساحرات أنياب ذئاب مسعورة تنهش فينا حتى أطراف الهوية، وتقتلع منّا ومضة الإنسانية على أبشع شكل وأقسى صورة..
ريتا أوصلت إلينا وجعها ووجع تلك الشريحة من البشر دون ضجيج.. واخترقت حاجز السؤل الذي لم يخرج عند الآخرين عن فجاجة السؤال حول حقوق المرأة والمساواة ولم تنس أنوثتها بل حملتها بشفافية الكلمة ورقّة الروح وعذوبة الصور والكلمات وفرضت وجودها الطبيعي إلى جانبي محققة ودون ضجيج أيضاً لا أقول اختراقاً لكنني أقول ومع سبق الإصرار دورها المساوي لدور الرجل مكملّة معه وإلى جانبه دائرة الحياة.. ريتا عودة ننتظر منك المزيد من ومضاتك الإبداعية فكم نحن بحاجة للتعرّف أكثر على طرائق صمودكم داخل الوطن،
ويشرّفني أخيراً أن أقول وبملء الفم.. ريتا عودة لقد طويتِ بنصوصك الرصينة كل السؤالات العقيمة وغير المجدية.. وحققت على أرض الواقع مساواة من نوع فريد أتمنى من أخواتي الكاتبات المبدعات أن يسلكن ذات الدروب التي سلكتِ، يحملن إلينا شذرات شفافيتهن مكمّلات لنا نحن الرجال.. فقد أصبح من الملحّ أن نكون شركاء في مسيرة بناء وليس على حلبة صراع..



الأديب عدنان كنفاني
2002




نساء مضروبات
نساء مضروبات- ق.ق.ج
ريتا عودة



قررتْ أن تبثّ همّهـُنَّ للمديرة , فنهضتْ عن سريرها وهرعت إليها .
على باب المكتب المفتوح على مصراعيه , تعثرتْ بمسمار اصطاد
طرف فستانها الطويل . صرخت بوجع وهي تنتشل الثوب من
براثنه بعدما تمزق طرفه :
" تبــّا للنحس المُزمن !"
(راحت ترتب أفكارها . يجب أن يتم توظيف عمال نظافة في هذه المؤسسة الاجتماعية كما هو الحال في كل مؤسسة حكومية, فمن غير المعقول أن تقوم النساء المسحوقات نفسيا, أنفسهن بهذا العمل الشاق !! هل يعقل مثلا أن يقوم طلاب المدارس بتنظيف المدرسة !؟ أم أن الميزانيات تمتد حتى كل المؤسسات وتنحسر فقط عنهن!)
استجمعتْ شجاعتها بعدما استقبلتها المرأة العجوز برأفة , فأخذت تلقي همّ أخواتها من النساء المضروبات على كتفيّ مديرة الملجأ :
-" المبنى كبير , يعجّ بالنساء والأطفال , نحتاج من يساعدنا في تنظيف الغرف وطهي الطعام والاعتناء بالأطفال وووو..."
تلاشى صوتها وهي تستقبل التعليق الفوريّ للمديرة الحنون التي نظرت اليها بشفقة من وراء نظاراتها الطبيّة وهي تردد من خلف مكتبها الخشبيّ الطويل: " ماذا بامكاننا أن نفعل يا عزيزتي!
في هذا الملجأ .. ينقصنــــا نساء مضروبات !"


قراءة في: " أشعل قنديلا وأمضي" لريتا عودة بقلم الأديب عدنان كنفاني


صديقتي.. هو النفق..!؟

ريتا عودة في قصة (أشْعِلُ قنديلا وأمضِي..) أشعلتْ أمامنا القنديل.! فكشف عن وجوهنا القبيحة.. جَلَدتنا، أوجعتنا، حرقتنا، شنقتنا.. ثم مضت.. فهل من أثر.؟ (ثمّة مرجل مُتقدّ في نهاية النفق.!)
هكذا تبدؤنا الحقيقة، تلقي إلينا بطوق نجاة، نحسبه سينقذنا من سواد ليل، إلى نور صباح.. فتتماهى حواسّنا بين خوف وسط ظلام محسوس، وفرحة انتظار فرج من مرجل يفور أضواءً في نهاية النفق.. وعبر هذا النفق نقلّب على جنبات الوجد كل صنوف العذاب والقهر والإذلال..
أيّ وجع هذا يبتعد عميقاً في الأسى، فيردد العذاب القاهر غناءً على أوتار لغةٍ في رحلة عبر ذواتنا وواقعنا وحالنا إلى مجهول..؟
(أبحثُ عن بُؤرَة نور.!)
هو فعل التصميم الداخل في نسيج الروح.. هو الأمل الذي لن يتوقف حلمنا في الإمساك به. وهي "الكاتبة" مثلنا تنتظر وتبحث عن بوّابة الخلاص.
(أخرجُ منَ الباب الضيّق إلى.؟)
ٍ إلى أين الخروج.؟ وإنت في مضائق النفق ما زلت تتقلبين على صفائح التهمات والقهر.؟ (أعثرُ على قنديل صدئ تحت سرير.. أشعلُهُ.!)
ثم ماذا أيتها الموجوعة، تراك تغني فرحك باللقيا.؟ ولو أشعلت القنديل.. هل من خلاص.؟
(تفوحُ منه رائحةُ عفونة.. عبثًا نحاول أن نُعطِّرَ مزبلة..!)
رباه.. هذا إذن.؟ تتلاحق الحروف تنصُبُ أمامنا المشانق، وتعلّق رقابنا.. نحن.. أجل نحن أولئك المتعمّدين بغسل الشياطين.. نحن الراكدون على قشرة ماء في مستنقع ضحل.. نحن الغائبون في البحث عن ترف مَعِدَة، وترف جسد، ورغبات مجنونة لن تنتهي.. (البرد ُقارس... أسيرُ قُدُمًا تتهدّجُ أنفاسي.. أتجهمُ.. أتنهدُّ.. أُبْصِرُ رُؤىً فاغرةً أطفال جائعين.. صخرة صمّاء.. حقائب مدرسيّة بالية.. طيور مذبوحة)
تواصل التقطيع في أوصلنا وفي أوصال النص.. تبدأ بجملة فعل تحسب أنها رويّ جديد، ثم تدرك أنها جدول صغير يجري بتؤدة إلى مستقرّ، ثم سريعاً يعود إلى قلب النفق، قلب السرب. ويدعم تواصل السرد. هنا.. في أسلوب القطع هذا.؟ في تقطيع وبتر نهاية جملة وبداية جملة. أقول: هو فنّ حداثي متطوّر وجميل يشتغل على التعرية دون وجل، تعرية الذات والآخر، والإفصاح عن الصحيح من قلب الغريب ولا غبار، وله نكهة جمال لو قرأته عبر نص أو نصين أو ثلاثة نصوص للكاتبة.!
لكن أن يتكرر مرة بعد مرة أخاف أن يصبح نهج طريق، وهذه هنة أرجو أن تنتبه لها الأديبة فهي تملك الأدوات وعليها أن تشكل النص على كثير مذاهب..
("شرطي يطارد رغيف خبز في يد طفل" "نظّف يديك للأكل لا للكتابة.!" "هي عذراء يا ظَلَمَة.!")
يختلط الخاص بالعام، السياسة بالإنسان.. الوطن بالمجتمع، هزيمة الذات وهزيمة الوطن.. والنفق يعجّ بصور مرعبة، كأنها أنياب مفترسة لا تغتالنا فقط.! بل تسخر منا..
ويتواصل الذبح والرفض والتدليل المفزع إلى مواطن هي في نسيج كل أمر أخذنا إلى القاع..
("من يرضَى أن يعيش حشرة, لا يحزن حين تَدُوسُهُ الأقدام")
خلاصة الكلام جملة.. تختصر كل المسافات وتغرقنا في متاهات سؤال.. والنفق مظلم.. والمرجل في آخره ينتظر إطلالة الحالمة..
(أصلُ نهاية النفق. ألقي القنديلَ وأخرج إلى النور.!)
وقفة في وهج النور وغليان المرجل وفسحة الخلاص.. رباه.. هل هي النجاة.؟ (تتهدّجُ أنفاسي.. أتجهمُ.. أتنهدُّ.. تُراني بدأتُ أغرقُ..؟!
أي خلاص هذا والوجع يبدأ.. الآن.!
أشعَلتْ قنديلاً، خَرَجت من النفق، ألقت بالقنديل لتستقبل النور الأبهى.. فجأة تكتشف وتصرخ في وجوهنا.. لا.. ليس من مرجل، وليس من نور ولا مشعل.. كل شيء خرافة.. الآن نبدأ الغرق.!؟
وتتركنا نحن بعد أن وضعت أمامنا المفاتيح من مضادّات العبر لنقول.. النجاة في أن نقفز فوق كل السواد، أن نعلن من دواخلنا بالقول والفعل والتصميم وعبر مساءلة الثواب والعقاب.. أن لا خروج إلى النور الحقيقي من النفق إلى العالم المشرق إلا من فرجة الخروج من ظلمات الذات..
حروف نزقة تتلاحق بجنون لكنه الجنون الصاخب الذي يستلهم من وجع الروح خطواته النارية الصارخة الموجوعة المذبوحة.. تقطر دماً كي نعبر في آخر رفرفة ذبحة الألم إلى حديقة من عطر. فتولد القصيدة من رحم الكلمات، وترتدي القصة رداء الشعر، وتتداخل الأجناس تعلن عن ولادة حداثة محمولة على أجنحة اللغة.
وأخرج من فكرة النص إلى شاطئ آخر بعيداً عن نكهة الألم لأخاطب فن الكتابة وأتساءل قرأنا ر. الشاعرة.. فهل يستطيع.. الشاعر أن يصبح قاصّاً..؟ وهل يستطيع القاص أن يصبح شاعراً.؟ وهل يمكن الجمع "في الكتابة" بين جنسين أدبيين يحمل كل جنس شروطاً تختلف عن الجنس الآخر.؟ ولو استطاع أن يسير الكاتب على المسارين فهل يكون الإبداع في جنس على حساب جنس.؟ أم يتفوّق بكليهما.؟ أم العكس.؟ وإلى أي مدى يحقق وجوده وعلامته على مسرح المشهد الثقافي.؟
هي أسئلة وربما إشكالية.. ولا أتصوّرها محاولات استعداء بين جنس أدبي وجنس آخر، ولو تحقق النجاح في سلوك الجنسين لتحقق للكاتب المزيد من الإبداع. فهل يحق لنا أن نتساءل عن الأدوات التي يمكن لو امتلكها الكاتب تأخذه إلى ذلك النجاح.؟ أزعم أن اللغة هي الحامل لكلا الجنسين.. ومن امتلك ناصية اللغة، يستطيع أن يبحر في أي جنس أدبي آخر.. فالشعر موسيقى وانسياب، والقصة حدث وحكاية وبناء. والشفافية في طرح الفكرة وتناولها عبر صور شاعرية، وإضافة ماء الروح إليها في أي نص وفي أي جنس يحقق صفة الإبداع.
في مسيرة الحداثة، تتعلّق الكلمات حدود الدهشة، وتراوح في فضاءات الرؤى.. بين مكان ليس كالأمكنة.. وعبر زمان تضيع في زحمة أحداثه الساعات والدقائق، وتتسرب الحكاية كحبّات عقيق في خيط سبحة ثم.. تبدأ الحكاية.!
وهذه اللغة لها حدّ آخر نقيض الجمال والإيصال والشفافية عندما تستعبد الكاتب وتملك أحاسيسه، وتنسج خيوط عشق بينها وبينه، ترسم حوله خطّ حلقة يدور فيها ولا يخرج، يسبح ونسبح معه في جمال لغة.. طاحونة جمال لكنها بلا طحين.. متى استعبدت اللغة كاتبها خرج عن الفكرة، وحلق في حدائق جمال لكنها بعيدة عن فضاء العصافير المقصودة، وفضاء الفكرة، ونوايا الإيصال..
ومتى ابتعدت اللغة عن مرمى العشق في ضمير ومسيرة الكاتب تركت نتاجه يباساً لا روح فيه.
هو الميزان إذن بين لغة أخدمها وتخدمني، أحبها وتحبني، أشكّلها ولا تشكّلني، أسوقها حسب مرادي إلى نصّ أو إلى قصيدة وأسخّرها لهدف الإبداع.. عندما يصل الكاتب إلى تلك المقدرة "ولو بحساب" يكون قد ملك اللغة والأدوات كلها مرفوعة على هيكل موهبة، فيخرج النص على طبق من ذهب.
ر .. شاعرة وقاصّة.. تثبت في كل نصّ أنها تمتلك الكثير من الأدوات، والقليل من قدرة الخروج من عشق اللغة.. ليتها تقيم الميزان في مراجعة حادّة وصارمة لنصوصها، لا تستعدي اللغة لكنها تتنصل قليلاً من حالة العشق بينهما كي تضيء أمامنا حقيقة مشاعلاً في آخر كل الأنفاق المعتمة..



الأديب: عدنان كنفاني
2002



أشْعِلُ قنديلا وأمضِي ..
ومضة وجعيّة
ريتـا عـودة


البرد ُقارس.

ثمّة مرجل مُتقدّ في نهاية النفق.

في هجعةِ الليل, تُغلفني ظُلمة باسرَة كشرنقة.أبحثُ عن بُؤرَة نور .
أعثرُ على قنديل صدئ تحت سرير.أشعلُهُ. أخرجُ منَ الباب الضيّق إلى زُقاق تفوحُ منه رائحةُ عفونة.
(عبثًا نحاول أن نُعطِّرَ مزبلة ..!)

أسيرُ قُدُمًا لا ألوي على عودة..تتهدّجُ أنفاسي. أتجهمُ. أتنهدُّ .

أ ُبْصِرُ رُؤىً فاغرةً جراحها كعيون أطفال جائعين.أفتحُ عينيّ على وسعهما..

أرى...
صخرة صمّاء تتناوشها الأيدي بالشواكيش لتفتيتها إلى حجارة صغيرة..

أمّا الحقائب المدرسيّة البالية فقد تناثرت على طريق الآلام كالطيور المذبوحة.

أرى...
بعض الوجوه الطاهرة تقف خلف اكشاك حلوى تقاوم إغراء الرائحة واغراءات العيد البائس.تنادي ببراءة:
-شارون يُضاعفُ الحصار ونحنُ نُخفِضُ الأسعار -..

أسمعُ ..
جلجلة صرخة شرطي يطارد رغيف خبز طازج في يد طفل رثّ الملابس ..
يشتهي أن يُفلت من قبضة الجوع ومن لعنة الثري الذي سُرقَ رغيف خُبزه..
ومن سخط الشرطي العجوز المتفاني في نُبل أخلاقه.

اسمعُ...
مدير تحرير يُطلق وعيده في وجه محرّر أنيق يلوّث الهواء النقيّ المغلف غرفته الرحبّة: -يا أخي.. كم مرّة سنكرر نظّف يديك للأكل لا للكتابة...!-

أرى واسمع...

نواح قبيلة تتهادى بحزن خلف نعش مُراهقة رموها بالحجارة حتى الرمق الأخير. وبعد الوفاة صمّوا آذانهم عن صرخة الطبيب: -هي عذراء يا ظَلَمَة...!-

أقتربُ أكثر وأكثر من المرجل المُتقدّ .

أتعثر بزعيم. أصافح يدا ممتدّة لمعانقتي. يحتضنني فــَ.. أشعر.. بمدية حادة تختفي في حضن يده خلف ظهري. يدعوني للجلوس. يُشيرُ بغطرسة إلى كرّة أرضيّة على مائدته. يُحرّكها:

شمالا – شرقا

جنوبا- شمالا

بمزاجيّة أخطبوط.

بين الحركة والأخرى ينظر حوله ليتأكد من أن الأسلحة النوويّة في مكانها.

يعطسُ وأنفه في السماء. يكلمني بغطرسة طاووس:

-من يرضَى أن يعيش حشرة, لا يحزن حين تَدُوسُهُ الأقدام-

(لا أتكلم)..

أصلُ نهاية النفق.

ألقي القنديلَ في زاوية كهف الصّمت الفاضح.أخرج إلى النور.تتهدّجُ أنفاسي.أتجهمُ. أتنهدُّ. تطاردني رائحة عفونة قذرَة. تبللني رطوبة وحل لزج مثير للاشمئزاز.

تُراني

...........بدأتُ

..................أغرقُ

..............................؟!


قراءة في قصة "أنا جنونك"لريتا عودة بقلم الأديب عدنان كنفاني


ريتا عودة .. إبحار في تجربة القصّ- قراءة في "أنا جنونك"


ريتا شاعرة خرجت من ثوب الموازي، لتخطّ درباً رصفت أرضيته بصدق الحروف.. ونثرت في فضائه سحر
المفردات، وطوّرت تفاصيل الحدث فامتزج برحيق لغة ممتطية أجنحة سنونوات.. فاستولدت من القصيدة قصيدة..
شاعرة ملأت كلماتها بعذب موسيقا.. فأطربت دون أن تلتزم رتماً أو قافية.. بل جعلت الروح تنطق، تتبدّل على أوتار النسمات.. تارة دافئة.. وتارة باردة، لكنها كلّها صدى أنات موجعات، وزغاريد فرح، ترسم لوحة الأنثى بريشة رهيفة.. تستكين حدّ الانهيار.. وتتمرّد حد الثورة.. فتحسبها.. تتمناها تكون بين ذراعيك.. تنبض بك، وتنثر مفرداتها بين يديك.
هذه ريتا عودة التي عرفتها شاعرة..
هنا.. على عتبات إبداع جديد، تشقّّ بعنفوان المعرفة، وذات الدفق الصادق، عتمات الأحداث فتغمرها بلغة الموسيقا ذاتها. تبلّل جفاف الحزن، فيأتيك على أجنحة غادرت مداراتها اللحظة، وحملتك معها إلى عالمها القلق.
يبدؤك العنوان (أنا جنونك.! ) أليس عنواناً إشكالياً.؟ أيّ جنون هو.؟ وأيّ محرّض هو.؟ بل أيّ الجنون الجنون.؟ فتُبحر قبل أن تبحر في النص، ترسم خطوط الوعي فتداهمك الكلمات فتفشل في تركيز الحدس..
ولأنها تدرك قبل أن ترتكب جنون الكتابة أن شكوكها أوهام.. يبدأ وقع المونولوج بـ "أنا جنونك.!" وهذا الـ أنا في خطاب اللاوعي هو ذلك الآخر الساكن في كلّ واحد منا.. يبثّنا الشك، والهم، والصفاء، والقلق.. الـ أنا ترفض وتتمرد.! والآخر الحقيقي يتسلّق المفردة ويبني عليها برج وهم.. تأتي "أنا جنونك" في مبتدأ الكلام تعترف الكاتبة أنها شبح جنون قبل أن تلج بحر الكلام، وتهدم سلفاً برج الإقصاء، ورغبة الابتعاد، وبذور الفتنة.. فينتصر الرويّ..
هل هي قصّة.؟ خاطرة.؟ بوح.؟ اعتراف.؟ ألم.؟
ربما كلها في آن تحت عنوان إشكالي. وعبر مونولوج يتقن فنّ الحوار، لم يكفّ عن الخوض في فعل السؤال بين قلب ينبض بالحب، وخوف من فقد هذا الحب.. بين براءة في رجاء إخلاص ليس له حدود. ورغبة مشروعة في مطلق التملّك، وبين متاهات رعب في تسرّب هذا الرجاء.. وبين.. وبين، تتواصل الأسئلة.. ويتواصل الرفض.. ويسمو عبق الكلام. (لست الأمير الذي سيأتيني بفردة حذاء على قدّ أحلامي) يأتي الموروث ليكرس فعل التمنّي.. أليست رومانسية مسافرة إلى أقصى حدود الشفق على أجنحة عاشقة حتى النخاع.؟
ومن تراه يملك تلك الحقيقة المطلقة.؟ ومن يملك القدرة على الإقناع بلا حدود وتوطين الهدأة في قلبٍ قلق.؟ تقف الذات بعد رجفة السؤال لتقول بهمس راجف (ذابَ ثلجُهَ، فتدفّق خارج الغرفة) الثلج يذوب يصير ماء يتسرّب عبر شقوق ولا يعود إلى شكل.. لماذا إذن تعود الأسئلة.؟ ومِن "أنا جنونك.؟" (صرختُ بها ثانية إياكِ أن تصدّقي) (صرختُ ثالثة إياكِ يا مجنونة إياكِ.. إياكِ)
فهل ينتصر الجنون على الحسّ.؟ وإلى متى يواصل الجنون ركوب العجلات الضبابية.؟ ويوشك الجنون "أنا جنونك" وهو يرمي آخر سهم في وجه الحب رفع راية استسلام (بسطتُ أصفادي حول دماغها في محاولة مستبسلة للجمها عن الاستماع لصوته) محال أن يُكبّل صوت الحقيقة.. محال أن يلفظ القلب من مخر عبابه وسكن.. وعلى أنقاض المونولوج بين أناها وجنونها تهبط هادئة راسيات الأمل، وتستكين على هدأة قرار (وقعتُ أنا كورقة خريف صفراء.. وغبتُ عن الوعي)
في نقطة النهاية هذه تعيدُ الكاتبة فتح الأبواب على رؤى إشكالية كثيرة.. إذ ما معنى أن تغيب عن الوعي.؟ هل هو استسلام لحب متمكّن.؟ أم هو وجع صدمة.؟ قصّة أم خاطرة أم اعتراف أم قصيدة.؟ ربما كلها في نصّ حمل كثير تكثيف، والتقط بليونة نبض حالة مكانها في كيان، وزمانها مطلق، تخرج عن شروط القصّ لتدخل في صميم القص.. حفنة هواء في راحة يد.. وهل أصعب من الإمساك بهواء.؟
"أنا جنونك" قصة باذخة بطيوف حداثة حقيقية متكئة على عوامل تكثيف كان يمكن أن تتكثّف أكثر، وكان يمكن أن تنفتح أكثر، وكان يمكن للكاتبة أن تثريها بكثير أحداث، وكثير دفء لو أعملت فيها اهتماماً أكثر. لكنها أتت هكذا تعلن بأن روح الشِعر متى تخلّل قصة بعث في جفافها نسيمات جمال..




الأديب عدنان كنفاني
2004





أنا جنونك
قصة قصيرة للأديبة ريتا عودة



لغطٌ غير اعتيادي في الداخل ، سيّرني إليه . رأيته واقفا متكئا كتمثال من ثلج على حائط وهي ممدّة على الأريكة مقابل نافذة مطلّة على بحر وكلاهما يلوكُ الكلمات:
- هذا لا يمنع أن ..
*لستَ الأمير الذي سيأتيني بفردة حذاء على قدّ أحلامي.
- آتيك ِ بالنيل والبحر والهرم لو ...
*أنا في انتظار أمير ليس له وجود إلا في خيالي لذلك هو حتما ليس أنت...
- من انتِِ لتتعالي عليّ..!
* أنا......؟!
................................ أنا جنونـُك .



***


ذابَ ثلجه فتدفق خارج الغرفة ، غمر في طريقه الزهور فأورقتْ وجرف كلّ الحَصى والطحالب فاخضرّت الحقول.
استبدّتْ بي رغبة جامحة لتحذيرها. قفزتُ إلى رأسها ورحتُ أنصِتُ لتسارع أفكارها. استوت على عرش الوحدة وراحت تتلذذ باحتساء خمرة عشقها:
( الغبيّ ! متى يدرك أنّهُ ليسَ جملة اعتراضيّة في رواية عشقي بل هو العُنوان. الحلم لا يتكرر مرّتين وهو حلمي. هو حلمي. هو حلمي.)
تقززٌ مرير سرى في عروقي. يا لها من بائسة. يجب أن أحذرها لئلا تخور إزاء اغراءاته العبثيّة. بسرعة وسوستُ لها:
"استيقظي من أوهام الرومانسية يا صغيرة فالحبّ فكرة لا تتحقق. بذرة طريّة لكنها لا تنمو. هيّا، احصلي على اكتفائك العاطفي من ذاتك. دللّي نفسك بنفسك. أشتري لك الهدايا التي تشتهين أن يباغتك بها عاشق. اروي أنوثتك بكلمات: (يا عمري، يا عشقي ..). لا تنتظري النقاء من رجل. يا لقلبك ! بسرعة صفحتِ عن آثام حبيبك الأوّل الذي برع في اعترافاته العشقيّة لك أنّكِ سيّدة أحلامه وأنّكِ حبّه المستحيل وأنّكِ أفروديت وإنَّ وأنّ ولكنّ وليتَ ولعلّ إلى أن بدأتِ تئنين حين استيقظتِ وأنتِ في ذروة انبهارك بهِ على نفاذ صلاحيّة الحلم. يا لقلبك! أهكذا تصفحين بسهولة عن عبلى وليلى وسلمى اللاتي خرجن بغتة ًمن قبعته ، كلّ تطالب قلبه بحقها من الميراث ، كلّ لوّثت حلمك الوردي بآمالها."



***


شئ ما التصق برأسها .
* ألو ..
- يا مجنونة أحبّك ِ..
غفتْ كلماتهُ في حضن أحاسيسها كما تغفو في حضن ورقة. صرختُ من قحف رأسِها: " إياكِ أن تصدقي ..! "
استمرَ الترنيمُ الرّوحيّ :
- أنتِ لي ..
صرختُ بها ثانية : "أياكِ أن تصدّقي..!".
- "أنتِ جنوني .."
تراختْ خلاياها..
صرختُ ثالثة ً:" إيــَّاكِ..!!".
استرسلَ هو:
- " أنتِ اشتعالُ الفكرة ووهج الإبداع. أنتِ العشق والعشقُ أنتِ. أنتِ أنا وأنا أنت. أنت وأنا مسوّدةُ حبر ٍ واحد وروح واحدة. تعالي. لا تخافي . أدخلي روحي .أشعلي في كل خُطوة مصباحًا ، وفجرّي كتابة ً على جسد الحنان يا حناني. تعالي . كوني جنوني. إيّاكِ ألاّ تكوني...!"
كان يشدّ قلبَها إليهِ كالحاوي الذي يسحبُ المناديل الملونة من قبعته السحريّة ببراعة حرفيّة .
راحَ قلبُها يزقزقُ:
( تبّا لكَ. لمَ نسفتَ الأسلاكَ الشائكة، الأسوار والجنود من حول جنون الأنثى في عروقي.! أخبرني كيف سأتفنن الآن في إخماد اشتعالي.!)



***


بسطتُ أصفادي حول دماغها في محاولة مستبسلة للجمها عن الاستماع لصوته لكنّها ضغطت فجأة ً وبقوّة على صدغها. ثمَّ، وقفتْ وسارتْ باتجاه الحديقة. أوْرَقتِ الزّهورُ واخضّرَتِ الحقول.
وقعتُ أنا كورقةِ خريف صفراء في مهبّ حبّ عاصف. وغبتُ عن الوعي .



***


تمّت وبالأحرى بدأت في :

9-1-2004