السبت، 9 أكتوبر 2010

"أنا جنونـُك"- مجموعة قصصيّة









أنا جنونكَ

* الكتاب متوفر في مكتبة حكايات،شارع النمساوي،الناصرة*



ريتا عودة
"أنا جنونك"
قصص



الطبعة الأولى (2009)
جميع الحقوق محفوظة للمؤلفة
صورة الغلاف: بيكاسو



(إصدار خاص)




جميع الحقوق محفوظة. لا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب، أو أي جزء منه، أو تخزينه في نطاق استعمال المعلومات، أو نقله بأي شكل من الأشكال، دون إذن مسبق من المؤلف.

قصص





ريتا عودة

أنا جنونك






الكتابة.. فعلُ بقاء
والكتابة.. فعلُ ارتقاء
هي جنوني
كما..
أنا جنونكَ!


(ريتا عودة)






الفهرست

الفستان الأحمر 9
أحلامٌ صغيرة 13
الضَّوْءُ الأحْمَر 17
أرضُ البرتقَال 24
عودةُ النورس 31
حلٌم آخَر 35
شر .. طة 37
أميرةُ الحكاية 39
أنا جنونك 44
وقد لا يأتي 48
إصْرَار 52
قطرة مطر 56
الحلم الأخير 59
المِسْمَار 62
محكومون بالأمل 64
ترانسفير 68
صَرْخَةُ آخِر الليل 70
وماتَ البلبلُ وحيدًا 72
أنثى الظلّ 76
قصة ليست قصيرة 80
أبعد من أن تطالني يد 84
أنثى الحرائق 86
كلُّ شئٍ صامت 89
زُرقةُ البَحْر 92
شَغَبُ الأسئلة 97
في انتظاره 102


----------------------------------------------------------------



الفستانُ الأحمر



استوقفتني إحْدَى جاراتِنَا على بابِ المَنزلِ وهي تتساءَلُ: "إلى أينَ؟"
حَدّقْتُ في الأفُقِ البَعيدِ، وهمسْتُ: "لا أعلَم"، وأخذْتُ أبتعِدُ وصَدَى صَوْتِهَا يُلاحِقُنِي بإصْرَار: "فتَاة غريبة!"
بدأتُ أعبُرُ الشَّارعَ الفَاصِلَ كَحَدِّ السَّيْفِ بينَ الحيّ العربِي المُهمَلِ عبرَ سنواتِ الجفافِ والحيّ الآخَر المزْروع بالجَنّةِ. خطواتِي مُتَثاقِلَة كسلَى. صرخَ أحدُ السّائقين الّذي كادَ يَدْهَسنِي بشاحنتِهِ الضَّخمَة: "عَمْياء. الضَّوءُ أحْمَر!"
لمْ تُثِرْ صرختُهُ انفعالي، لكنَّ قميصَهُ الَّذي دلَّ على كونِهِ جنديًّا أثارَ فضُولِي، فبدأَتْ تتراقصُ في ذاكرتِي صُوَرُ أجسَادٍ مَبْتُورَة، وبيوتٍ مُهَدَّمة. دمُوعٌ، هلعٌ، دَمٌ. صُوَرٌ تُطَالعُنَا بِها النَّشراتُ الإخباريَّة كلّ يوم، بل كلّ ثانية، حتّى أنّها صارتْ جزءًا أساسًا من كلّ نشرَة.
مرَّتْ بِي شاحنة مُزدحمة بالرّجال، فتملّكني هاجسُ عَدِّهِم. بدأتُ بالعدِّ كطفلة تعلّمتْ لتوِّها الأرقامَ الحسَابيّة: جُنْدي، جُنْديّانِ، ثلاثَةُ جُنُودٍ، أربعَة، خَمْسَة. تَلَقّفَ أنفي رائحَةُ طعَامٍ مَا. فكرْتُ باقْتِحَامِ المكانِ، لكنّي أحْجَمْتُ حينَ تذكرّتُ أنَّ ملابسي العاديَّة لا تتناسبُ والملابس الفاخرَة على أجسادِ هؤلاء، فواصلتُ سيري، وبدأتُ بقراءَةِ الإعلاناتِ المَصْلُوبَة على أعمدةِ الكهرباءِ: "حافظُوا على نظافةِ المدينة. بلديَّة حيفا".
ابتسمتُ ابتسامةً شاحبة، وتمَنّيتُ لو ألتقي ثانية بذلكَ الجندي الّذي صرخَ في وجهي إنَّ الضَّوءَ أحمر، لأسألَهُ إن كانت المدينة حقًّا نظيفة.
تنازلتُ عن الفكرَة سريعًا، وبدأتُ بالتّنْقيبِ عن شيء ما بإمكانِهِ إشْغالِي نصفَ السَّاعة المُتبَقِّيَة على ابتداء مُنَاوبَتِي المسائيَّة في معمل النسيج.
جذبَ انتباهي لونٌ أحمرُ لفُستانٍ ما على دُمْيَة. رغمَ المسافة بيننا، رأيتُ المرْأةَ منهمكةً بوضْعِ الثَّوبِ على جسَدِ الدُّمية. ركضْتُ نحْوها، فَقَدْ جعلَ اللَّوْنُ الأحمرُ دَمِي يَجْري بشراسة فِي عرُوقي. إنَّهُ أحمرُ، لكنّه غريبٌ.. غريبٌ جدًّا.. أرْبَكَ أفكاري.. دَوَّخَنِي.. حدّقتُ بهِ وتُهْتُ. كم أحسدُ تلكَ الدُّمْية الصَّامتة الّتي تَفْتَقِدُ مشاعرَنَا الإنْسانيَّة، إلاّ أنّها "تَتَمَتّع" بمَا يَنْقُصُنْا نحنُ! تمنّيتُ لو أتمكن منْ وضْعِ الثَّوْبِ الأحمر على "جسَدي أنا"، بدلَ هذه الثِّيَاب البالية الّتي فقدَتْ رونقَها منذُ زمن!
دونما تفكير، كأنّي أستفيق من حُلُمٍ، دفعتُ جسدي داخلَ الغرفة، وطلبتُ منَ العامِلة أنْ تُنَاولَني ذلك الثَّوبَ الأحمرَ لأرتَديهِ. تَفَحَّصتْ هيَ ثيابِي بنظْرَةٍ خاطِفَة، ثمَّ أعلنتْ ببرُودٍ وبلَهْجَة عربيَّة ثقيلة: "دَه غَالي!"
شعرْتُ أنَّ جدرانَ الغرفة تدورُ منْ حولي، فسألتُهَا بلهفة: "كَمْ؟"
همستْ ببرود: "ألف".
ألف! دَوَّى هذا الرَّقمُ داخلَ رأسِي، فصارَ رأسي كخَلِيَّة نَحْـل مُضْطَربَة. يجِبُ أن أشتري هذا الثَّوب. يجبُ، ولَوْ مَرَّة، أنْ أحصل على شيءٍ أتمنّاه! سأدفع لهَا ما يُعادِلُ نصفَ راتِبي، بَلْ أكثر. ليتنِي ما كنتُ عاملة في مصْنَع. لو كنتُ مُتَعَلّمَة كغَيْري منَ الفتيات، لتَقَاضَيْتُ مَبْلَغًا لتسديدِ احتياجاتي أنا وأهلي وإخوتي الثمانيَّة، الّذينَ ينتظرونَ راتِبي كلَّ شهر بفارغِ الأمَل. حسنًا. سأطلب من (يوسِي) أن يُرَتّب لي ساعات عمل ليليّة لتحسين راتبي في الأشهر القادمة.
فتحتُ الحقيبة، وتناولتُ المبلغَ، ثمَّ بسَطْتُ ذراعي وعلى راحةِ يَدي ألفُ شَاقِل.
ابتسمَتِ المرأة بإعياء ولمْ تتناوَل المَبْلَغَ. ابتسامتُهَا الصَّفراء شلَّتْ حواسّي. بعثرَتْ هدوئي. قالتْ: "ألف دولار"، وَاستدَارَتْ لِتُحَيّي امرأة تَلفُّ جسدهَا بالفِرَاءِ دخلت الغرفة تلكَ اللّحْظَة كمَا تدْخلُ السَّمَكَةُ البَحْرَ.
حملقتُ في كلّ ما حولي. تراختْ شفتَاي. خرجتُ منَ الغرفة بخُطُواتٍ مُخَدَّرَّة. لا أدري لمَ في تلكَ اللَّحظة بالذات، تمَلّكَتْني رغْبَةٌ جامحة في أنْ "أبصِقَ"!


(1982)


-------------------------------------------------------------




أحلامٌ صغيرة



غطى أُذُنَيْهِ بكلتا يديْهِ، لكنَّ صوتها ظَلَّ يلاحقه كَضَرْبَةِ بَرْقِ: "أ ُحِبُّ رجلاً آخر". أخذتْ تراقبُ حركاتِهِ كقطّة تتربَّصُ بعصفور صغير، ثمّ واصلتْ طَعْنَهُ بكلماتها الحَادّة: "حاول أن تفهم".
قفزَ عن السرير كطلقةِ رصاصةٍ تنفلتُ من مسدس. لم يُصَدِّقْ ما قالته. لم يشكّ في حبِّها له ولو مرّة. انطلقَ نحوها كالسهم. أخذ يهزُّها من كتفيها النحيلين، لكنّ صوتها ظلّ يكرر بإعياء: "أُحِبُّ رجلاً آخَر". حاولتْ الإفلاتَ من قبضتَي يديْهِ، لكنَّه اعتقلَ خطواتِها:
- مَنْ هُوَ؟ قولي.
= لا أحد.
- ماذا؟
= لا أحد.
- لا تكذبي. قولي فورًا مَنْ هُوَ؟
شعرتْ بالرهبة. تمتمت: "قلت لكَ: لا أحد، لا أحد".
عاد يهزُّها مِنْ كتفيها. صارَ قطًّا مذعورًا وهو يصرخ:"كذابة.. كذابة..". أخذَ يَتحَرّكُ داخل الغرفة كَكُرَةٍ مطَّاطِيَّة دونمَا هَدَف. اتجهتْ نحوَ النافذة تبحثُ عن شُعَاعِ شَمْس. لَمَحَتْ صورةَ زفافِهما مصلوبة على الحائط منذُ سنة. شعَرَتْ كأنّ الصورة تستنجد بها لتحررها من سجنها المؤبد.
عادَ صوتُهُ كالرّعد المفاجئ: "خائنة. خائنة."
كقاض في محكمةٍ بعدَ عناء يوم عمل طويل همَسَتْ بإعْيَاء:
= إنْ كُنْتُ أنا خائنة، فأنْتَ مَنْ دفعَني لذلك! أنتَ السبّب.
- خائنَة.. خائنَة..
ظلَّ يكررها كأنها كُرَةٌ تسقطُ من ارتفاعٍ شاهِق. اتجه نحو الباب. عاد إلى السرير. اتجه يمينًا. اتجه يسارًا. أخفى وجهه بين أحضانِ يديه وسأل:
- أتحبّينه أم تحتاجينَ نقودًا؟
= ما أحتاجه أثمن بكثير من النقود.
- ماذا؟!
= أحْتَاجُ عاطفة صادقة. أحتاج رجلاً يحترمني ويفهمني لا رجلاً يمتلكني. أنتَ تتعاملُ معي كما تتعامل مع "أشياء" البيت، كأداة لا ككائن بشري، وأنا أحتاجُ رجلاً يساندني وأسانده. لا يغيب عنّي ساعات وساعات سعيًا وراء المادة. لا أراهُ إلاّ نادرًا. لا أحتاج صورة على حائط، بل أحتاج رفيق طريق، لا مُعيلاً، بل شريكَ حياة، لا سَيِّدًا، بل...
- كفى.. كفى أوهام. أمْقُتُ هذه الرومانسيّة الفارغة.
= دائمًا تقولُ إنّني رومانسية، وإنك تكره رومانسيتي. أنا إنسانة. أنا إنسانة. (رددت بإرهاق وبصوت متقطع)، وهذه م ش ا ع ري.
* * *
تراخى جسده. نظر نحوها دون أن يراها. بدا كأنّه يستعرض في خياله أوراق حياته معها. أنّه يمقتْ رومانسيتها لأنها تجعلها في نظره غير واقعيّة، بل مجرد مراهقة، لكن يبدو أنَّ مشاعره المتجمدة جرحتْ أحاسيسها. إنّه مشغول عنها بشكل متواصل بمشاريعه وحساباته البنكيّة والأوراق الماليّة والزبائن وأحلامه الماديّة التي لا تنضبَ أبدًا، والتي تستنفد كل وقته ومشاعره، وتعطيه الرضا الذاتي والاكتفاء حتّى أنّه ينسى أحيانا أنّه مرتبط بعائلة، وهو يشعر نفسه كصندوق مغلق عاطفيًّا. يخجل أن يُعَبِّر لها عن مشاعره. أليس الرّجل الذّي يعبّر عن مشاعره يعتبره المجتمع ضعيف الشخصيّة، فكيف يمحو الآن رواسب سنوات؟!
وقف قرب المقعد المتحرك. بدا له أنّ المقعدَ جامدٌ في مكانه بشكل مرعب. أَقْلَعَ صوتُهُ عن حنجرته بإعياء وقد عاد يتمتم: "من هو؟". ناداهُ حنينُ صوتها، لكنّه ظلّ يتمتم: "من هو؟ من هو؟".
اكتسح الجراد بساتينه. لم تقوَ على رؤيته ينهار أمامها. أرادت أن تكشف له كلّ أوراقها. هتفتْ كلبؤةٍ تصطادها شبكة:
= لم تُعْطِني ولو مرّة فرصة التحدث معك. اعتدتَ أن تقاطعني بطعنة "خيال مجرد خيال". (راقبتْ بوصلة عينيه وأكملت)، فاضطررتُ إلى إيجاد طريقة أجبِرُكَ فيها على الإصغاء إليّ. ليس هنالك رجل آخر، لكنّ الكآبة تنهشُ كياني. أسألك أن تعيد التفكير في حياتنا معًا.
* * *
تراخى جسده فوق المقعد المتحرك. بدأ المقعد يهتزُّ. فجأة أدْرَكَ أنَّ المقعد يتحرك. قبل لحظات كان جامدًا كصندوق مغلق، كتمثالٍ فرعونيّ في متحف. ضحكَ. ضَحِكَ. صارتْ ضحكته زَخَّةُ مطرٍ مُفاجِئ في صيفٍ شديدِ الحَرّ. أخذَ يسْعُلُ، وبعدَ دقائق هَتَفَ كطفل يُجَرّبُ أولَى خطواته في المشي: "المقعد المتحرّك! المقعد المتحرك أنا".


(1982)












---------------------------------------------------------------



الضَّوءُ الأحمَر



- "احْذَري!"
صرخَ الشُّرطيُّ، ثمَّ ابتسمَ ابتسامةً مدروسَة، وتابعَ:
- "لا يمكنُكِ اجتيازَ الشّارع والضَوء أحمَر!"
دهِشْتُ! كيفَ استطاعَ أنْ يبتسِمَ ولو مرّة؟! ترَاهُ مَلَّ مُلاحَقتِي بغراماتِهِ الماليَّة، أم أنّهُ أدركَ أنّي لا أملكُ ثمنَهَا، أم أنَّه اقتنعَ أخيرًا أنَّ الضَّوْءَ الأحمرَ لَيْسَ إلاّ قَانونه هوَ؟
= حسنًا.
هتفتُ وأنا أخفي راية النّصْر خلفَ شفتَيَّ. أخذتُ أستعدُّ لاجتياز الشَّارع ثانيةً، لكنّهُ لمْ يتحرَكْ. لمْ يَستعدّ للّحَاق بي. أصبحَ يعرفُنِي جيِّدًا. يعرفُ أنِّي أرفُضُ أنْ أطيعَ أوامِرَهُ ويظنُّ ذلكَ لكونِهِ رَجُلاً. لكي أستَفِزَّ غضَبَهُ قررْتُ ألاّ أعبُرَ الشّارع. قرّرتُ أنْ أصلِبَ نظراتِهِ فوقَ خُطواتي؛ ستعبُر. لنْ تعبُر!
بدأتُ أبحثُ عنْ أيّ شيء يثيرُ فضولي. لاحقنِي صوتُ امْرَأةٍ تؤكدُّ على الهاتف: "لا تَتَأخَّر!"
ارتفعَ صوتُ شابٍّ منْ خلفي: "تفضّلي". ترَدَّدْتُ، فهتفَ: "ألا تريدينَ استعمالَهُ؟". تملّكتني نوبةُ ارتباك. أُريدُ أن أتحدثَ إلى أيّ كانَ، لكنْ مَنْ يسمع؟ فجأة، اقتنصَتِ الفرحةُ غاباتِ أفكاري: لماذا لا أطلبُ أيّ أرقام فأتحدثُ إلى أيّ كانَ؟ أجبتُ بكبرياء: "نعمْ سأتحدثُ فهلْ تمانع؟". لمْ يكتَرثْ لقولِ لا أو حتَّى نعم. فرَاغ. مجرّدُ فرَاغ يفصِلُ بينَ البشر. مجرّدُ مسافات لا يُمكنُ لإنسَان اجتيازها. ابتعدَ ربما ليبحثَ عنْ هاتفٍ آخَر فِي مكان آخر. لا يمكنهُ الانتظار ولو لحظة. قلَق. أرَق. إرهاق يأكلُ وقتَهُ، بل وقتَ جميع شبابنا. لماذا؟ تساءلتُ وأنا أخْنِق غصَّةَ ألَم في حلقي. ألأنَّ أحلامهُم مكبوتة؟
نظرَ إلى الضّوءِ بإمعانٍ، ربما ليتأكدَ أنَّه ليسَ أحمرَ. ثمَّ اجتازَ الشّارع كالبَرْق، وتركني وحدي أبحثُ عن شَيء يثيرُ فضولي. قبضْتُ على سماعَةِ الهاتفِ، وأخذتْ أصابعي النّحيلة تتحَرّكُ بنهَم فوقَ الأرْقام. زقزقَ قلبي. ارتفعَ صوتُ رجُلٍ (ما) يهمسُ بِتكاسلٍ: "ألووو". بَدَا لي من رائحةِ عَرَقِهِ عَبْرَ الهاتفِ أنّهُ أفاقَ لتوِّهِ من حُلم.
= مَنْ؟
تساءلتُ بلهفة، فصرخَ بعصبيّة:
- مَنْ يطلبُ رقمًا يُعَرّفُ نفسَهُ لا العَكْس.
= نعَم، ولكن بإمكاني تلفيق أيّ اسم لكَ. هذا ليسَ جوهرَ الموضُوع.
قالَ وهوَ يتثاءَبُ:
- مَا هوَ الموضوع إذًا؟ أنتِ تُعاكِسينَنِي!
= أنا لا أعرفُكَ.
- إذًا، عُذْرًا. سأقطَعُ المكالمة.
صرختُ مُتوسّلةً:
= لا. أرجوك.
صمتُهُ المُفاجئ أيقظ َعاصفةً مَا داخِلَ آباري فبدَأتُ أرَدّدُ بتوَسُل:
= ألو. ألو.
- حَسَنًا. حَسَنًا. قولِي ما عندَكِ بسرعة.
همسَ متأفّفًا ورائحة عَرَقِهِ تتمَلّكُني منْ جديد. أدركتُ أنّهُ ينتظرُ، ففرحْتُ لأنّي سأتمكنُ أخيرًا منَ التّعْبير عن مخَاوفي. أعلنتُ بحُرْقة:
= إنّهُ الملَلُ.
- ماذا؟
صرخَ مذهولاً، فَنُحـْتُ:
= المَلَلُ عدُوّي.
انتظرْتُ صوتَهُ يُضيءُ عتمةَ حواسّي. انتظرْتُ رائحةَ عَرَقِهِ تُخَدِّرُ صَمْتِي. انتظرْتُ صَرْخَةً كصرخاتِ الشّرطيّ تشْتمُنِي. انتظرْتُ. انتظرْتُ، لكنّ الصَّمْتَ اغتصبَ شفتيهِ. بدا لي أنّهُ نهضَ عن السّرير، فقد وصلني صوتُ ضجيجٍ خفيف. أخيرًا قالَ:
- اشتغلي.
أحسستُ أنّ الجُرْحَ قد عثر على الخنجر الَّذي طعنهُ فأجبتُ:
= لا أجدُ شُغْلاً.
- لمَ؟
= بسَبَب...
ترددْتُ، ثمّ ألقيتُ حجرَ النّرد على رقعةِ الألمِ:
= البَطَالَة.
- البطالة؟
= نعَم. أبحثُ عن عملٍ دونَ جدوى.
تمتمتُ بإعياء:
= هُنالكَ رجالٌ كالصّخور يستيقظون كالطّيور معَ الفَجر لِيسافرُوا إلِى مناطِقَ عَمَل مُجَاورَة، فيَجدُون أنْفُسَهُم مطرودينَ من أعمالهم بعدَ ضياعِ شبابهم، فتضيع كرامتهم بصمتٍ. لا يبكون ولا يصرخون، بل يصرخُ الجوعُ في أحشاءِ أطفالهم، فماذا بإمكاني أنا أنْ أفعل؟
تنهدَ ذلكَ الرّجُل. فكرَ طويلاً، ثمّ تمتمَ:
- استخدمي شهاداتكِ لتوفير فرصة عَمَل.
= لا أملكُ شهادة.
- لماذا؟
تساءلَ بلهفة، فقلتُ بمرارَة:
= مَنْ يدفَع لِي الأقساط الجامعيّة؟ أتظُنُّ أنَّ العِلْمَ لنا؟ نحنُ (في نظرهِم) دونَ مستوَى الالتحاق بالجامعات. نحنُ عُمّالُ نظافة لا أكثر. الجامعاتُ لأبنائهم هم، وحتى لو حاولنا الالتحاق بجامعاتهم، سيضعون ألف عثرة في طريقنا.
خفت صوتي وأنا أعلن:
= كمْ تمنيتُ لو ألتحقَ بإحداها.
- إذًا تزوَّجِي كهلاً ثريًّا كغيرك من الفتيات.
= مستحيل أن أكون تحفةً في قبضةِ الّذي يدفعُ أكثر.
- إذًا؟
همستُ بإرهاق:
= لمْ يَبْقَ إلاّ المَلَل. لمْ تَبْقَ إلاّ حكايات الجَدّات عن العَريسِ المُنْتَظَر. لمْ تَبْقَ إلاّ أحلام الشُّيوخ ببطولةِ الأجداد. لمْ تَبْقَ إلاّ صرخَات النِّساءِ على أطفالهنّ حين تنتهي مُهمَّةُ تنظيف المنزل من خيوطِ العناكِب، فيطول انتظار عودة الزوج، ويسُود المَلَلُ حين لا يجدْنَ لآمالِهِنّ منفذًا إلاّ الأحلام المستحيلة، أمّا أنا فأريدُ أنْ أحيا بكرامة؛ أن أشعر بقيمة نفسي، بأنّي كِيَان قادرة علَى الأخذِ والعَطاء والمشاركة، لكنْ، حتّى العَطاء هنا مُقَيَّد.
لففتُ وجعي بأوراقِ الصمت، فأعلنَ الرّجُلُ بأسَى:
- آسِف لأنّي لا أملكُ لكِ حَلاً، فكُلّنا نجتمر في المِرجل ذاته.
بلهفة سألتهُ: ماذا تَعْمَلُ؟
- أنَا؟
= نعَم أنتَ.
كرضيع فقدَ ثديَي أُمّه ناحَ: حارس ليلي.
خِلتـُهُ يمسحُ دمعةً بلَّلَتْ وجنتـَهُ. تابعَ بصرامة:
- يجب أن أعودَ إلى النّوم كي لا أُطْرَدَ منَ العملِ ليلاً. إلى لقاء.
بدأ فورًا نقيقُ الهاتف يعلنُ عن انقطاع المكالمة.ألحّت عليّ هواجسي بسؤال: "ترَى، هل عانى هذا الرّجُل يومًا من ملاحقة الشّرطي؟ هل مَلّ هو، أيضًا، صرخاته وشتائمهُ ولعنتهُ أنّنا أجساد متحرِّكة، دُمَى؟"
سقطتْ سمَّاعةُ الهاتف من يدي. سقطتْ خيبةٌ ما داخل آبار أعماقي. هجرتُ أنينَ الهاتف، وأخذتُ بنزقٍ أبحثُ عن ذلك الشّرطي، عن عينيهِ الزّرقاوَين وشعره الأشقر. ألا يعاني ذلك الشّرطي هو، أيضًا، من الملل؟ ألا يخشى هو، أيضًا، التهديد بالطّرد من العمل؟ ألا يخاف شبحَ الجوع والبطالة؟ ألا يملّ تسجيلَ الغرامات للمارّة؟ ألا يملّ ملاحقة عيونهم وترقبّ خطواتهِم؟ ثمّ ما هو راتب هذا الشّرطي؟ أيكفيه أن يتنفس، ويَحلُم، ويُعلنُ بكبرياءٍ أنّه حيٌّ؟ ألا يُؤرقُ ساعاتِهِ الخوفُ من المجهول، ومِن فجر لا يجد فيه ما يُخْمِدُ فيه فحيحَ الجوع في أحشاء أطفاله؟ ألا يخاف غدر الزمان والمكان؟ أم أنَّهُ لا يُطْرَد لأنَّه في هذا الحيّ ممنوع ترْك خطوات المسحوقين دون مُراقبة، ودون حصار الغرَامات الملعونة، وسياطِ الأسياد؟
وجدتـُهُ عَلَى الْرّصيفِ الآخَر؛ كانَ يتلوّى كقطٍّ جائِعٍ. ركضتُ نحوه. قد آن الأوان للغزالة أن تباغتَ الأسدَ.
عندما تأكدتُ أنّهُ يراني، أخذتُ أجتاز الشارع خطوة. خطوة. قوانينـُهُ لا تروق لي ليسجّل لي غرامةً أخرى، ليُسجل أنّي ثائرة على ظِلّي. يكفيني فخرًا أن أكون قد تمكنتُ من التعبير عن موقفٍ ما ولو مرَّة منذ أدركتُ كوني أحيا في وطن مُغتصَب.
أخذَ صوتُهُ يطاردني، وخطواتي تعلنُ ثورتها على قيوده:
ممنوعٌ اجتياز الشّارع والضوء أحمر!


(1984)











---------------------------------------------------------



أرضُ البرتقَال



واحد. اثنان. ثلاثة. تقرع الساعة كأنها ستقفز عن الحائط، وتخبط يدٌ فوق باب منزلي.
واحد. اثنان. ثلاثة. صوت ضحكة صاخبة ترتفع من ساحة المبنى المقابل لبيتي. إنّهن جاراتي اليهوديات. يتداخل صوت الضحكة ببكاء ابنتي التي استيقظت مفزوعة على صوت قرع الباب.
حدقتُ في الساعة بذهول. لم يبقَ أمامي إلاّ ساعة. ساعة! أي ستون دقيقة. ترى هل سأتمكن من جَمْع حاجياتي خلال ساعة؟ يجب ألاّ أنسى شيئًا هنا لأنني لن أتمكن من العودة إلى البيت. أخذتْ اليد تخبّط بقوّة. سِرْتُ إلى الأمام.عُدْتُ إلى الخلف. تَوَقّفْتُ. تَوَجّهْت نحو غرفة النوم، إلى النافذة لمراقبة الشّارع.لا! لا يمكن أن أقوم بكل شيء في اللحظة نفسها! شعرتُ بالضيق وأخذتُ أفكر: هل هذا وقت زيارة؟!
ناداني صوت. إنها جارتي. هرعتُ إليها. اصطدمتُ بالمقعد. وَقَعْتُ. آهٍ، لمَ لا أستطيع إنجاز شيء اليوم؟! كم بقي من الوقت؟ خمس وخمسون دقيقة! فَتَحْتُ الباب.
- "أمَا زلْتِ هنا؟!". تساءلتْ وهي تلاحق بعينيها زوجها الّذي اتجه نحو المصعد مع أولادهما وأكياس خضراء، وحمراء، وبيضاء، وسوداء.
- أسْرعِي سوفَ تَتَأخّرين.
= الآن عُدْتُ من العمل، وأنا مُرْهَقَة.
- هيا أسْرعي.
= حسنًا، سأحاول.
- إلى اللقاء.وَصَلَ الْمصعَد.
أجبتُ باستسلام: إلى اللقاء.
تَوَارَتْ داخل المصعد، فَعُدْتُ إلى المنزل أجُرُّ خُطُواتي خَلْفِي. آه، مِنْ أينَ أبْدَأ؟ حَدَّقْتُ في السّاعَة. إنّها تتحدّانِي. يركض عقرباها أحدهم خلف الآخر، وكل حركة أحسّ أنّها سكينٌ تُغرس داخل صدري.
عاد أنينُ ابنتي عندما لمحتني في الغرفة. أخذتُ أغيّر لها ملابسها بينما راحت هي تدفعني برجليها بعنف كي أكُفّ. ماذا الآن؟ سأجمع الملابس التّي سنكون بحاجة إليها. أنا بحاجة إلى ملابس صيفيّة وملابس دافئة فقد يكون يوم الغد ماطرًا. ماذا أيضًا؟ تَوَجّهْتُ إلى المطبخ وكأني عقرب الثواني في السّاعة. دخلتُ المطبخ. خرجتُ. عُدْتُ إلى غُرْفَةِ النّوم، إلى الشّرفَة. جَمَعْتُ الغَسيل. أغْلَقْتُ النّوافذ. عدتُ إلى المطبخ. غَسَلْتُ الأطْباق. لقد تأخرَ زوجي! قالَ إنّهُ سيعود اليوم منَ العمَلِ مبكرًا. لماذا تأخرَ؟ تُرى ماذا أحْمِلُ لَهُ ؟علبة التبغ؟ الجريدة؟ بنطالاً آخر؟
السّاعة تتلوّى بضجر. الثالثة والنصف. يجب أنْ أغادر المنزل الآن، ولكن ماذا بالنسبة للأكياس كيف سأنقلها إلى السّيارة؟ حسنًا، سأطلب من (يوسي) ابن جارتي اليهوديّة المصريّة أنْ يساعدني. إنهم جيران مسالمون، ربّما لأنّ علاقتنا بهم لا تتعدى التحيات العاديّة وفنجان قهوة عربيّة لديّ، أو فنجان (نِسْ كَفيه) لديها يتخلله حديث عادي عن الأطفال، دون أن نجرؤ على التحدث في الأمور السياسيّة كي لا تخسر إحدانا الأخرى.
نظرتُ منَ النافذة أبحَثُ عن ابنها. لم أجد إلاّ الجارة اليهوديّة العجوز، والتي ما زالت تجلس فوق المقعد الخشبيّ الصغير ذاته تطالع الصحيفة وكأنّها لوحة صامتة. كنتُ دائمًا أتعجب لماذا لا يزورها أحد إلاّ مرّة أو اثنتين في السنة؟! حزنتُ لأجلها، فقد يتوفاها الله قبل أن يزورها أحد!
حَدَّقْتُ في الشارع الرئيس، فَكِدْتُ أقَعَ على الأرض وأنَا أشاهِدُ أكياسًا بشتّى الألوان والأحجام تتحرّك بين أيدي رجال ونساء وأطفال نحو السّيارات. نَظَرْتُ بتمعن ولهفة، فتملّكتني فكرة أنهم مهاجرون.
انتفضتُ بِرُعْبٍ! شاهدتُ طفلاً يحمل كُرَةً بيضاء مُخَطّطة بالأزرق، وطفلة تَجُرُّ خلفها عربة أطفال، وفتى يَقْضِمُ بُرْتُقالَة! وسمعتُ صوتَ السّيارة والأب يشغّل المحرك ويضغط على دوّاسة البنزين بعصبيّة وقلق. تُرَى ماذا يَحْدُث لو تَعَطَلَتْ سيارته الآن؟!
تدَاخَلَ صوتُ سيارته بصوت سيارة أخرى تَوَقّفَتْ بعصبيّة. إنّه زَوْجِي. أخيرًا عادَ. سأضع الأكياس قرب المصعد لكي نغادر فور وصوله.
بُكاء. عادَتْ (لينا) تبكي. تذكرتُ القول: "شعبُ لينا لن يَلينا". اللعبة التي أعطيتها إياها قبل دقائق لتهدأ لم تعد ترضيها. قذفتْ بها بعيدًا. اهْدَئي الآن. لا وقت! أخَذَتْ تَسْعُلُ وهي تُحَدّق بي لتتأكد إنْ كُنْتُ سَأشْفِقُ عليها أم لا. وصلَ زَوْجِي وابني يتوارى خلفه كظلِّه.
- غَيّري له ثيابه بسرعة لقد وَقَعَ بالوَحْل.
= الآن؟!
- هيّا لم يبق إلاّ ربع ساعة.
= هيّا.
أخذنَا ننتظر المصعد. انتشرَ دُخان سيجارته حولنا. لفّنا كغمامةٍ سوداء. أخذنا نتلوّى.
- اتركوا المصعد يا ولاد الـ... (صرخَ بجنون).
قهقه بعض الأطفال. وصل المصعد وأخذ ينزل بنا.
أخيرًا، تَرَاخَيْتُ فوق مقعد السّيارة بارتياح. لم أنسَ حزام الأمان. ارتفع صوت محرك السيارة يتحدى الدقائق الباقيّة، لكن، إلهي، لقد فاتني أن أحضِر نظاراتي الطبيّة!
- يجب أن أعود.
= مستحيل. سنتأخر. اتركيها.
- لديّ يوم عمل غدًا. سأحتاجها. انتظروني.
هرعتُ ثانيّة إلى المصعد، لكنه كان يقف عند الطابق السادس عشر، لا يتحرك، فأدركتُ أنه لا مجال أمامي إلاّ الأدراج الخلفيّة. أخذتُ أعُدُّ الأدراج كي أنسى الإرهاق: واحدة، إحدى عشرة، مئة وإحدى عشر. دخلتُ المنزل، وألقيت على السّاعة تلك النظرة الأخيرة. وَدّعْتُهَا. كانتْ تَصْرُخُ كَحِصَانٍ تُركَ وَحيدًا!
عدتُ إلى الأدراج. واحدة، واحدة، واحدة، إلى أن هبَطْتُ بكل ثقل جسدي فوق مقعد السيارة. أخذتُ أحاولُ أنْ أتنَفّسَ باتّزان، لكنّ القلق راح ينهش هدوئي. حتمًا تأخّرنا!
- حاول عدم المرور بشارع المتديّنين.
= حسنًا. لا تخافُوا.
لا أعرف لماذا أخذتُ أقضم أظافر يديّ وأنا أراقب الشارع. متى نخرج من هذه الكارثة؟ هل سيقذفون الحجارة علينا؟ كان هو يتكلم، لكنّي لم أسمع شيئًا مما كان يقول. مررنا بهم. مجموعات من الأطفال لم نرَ من وجوههم إلاّ قُبّعَات صغيرة تُغطّي قمة رؤوسهم. لم يَرونا. كانوا مشغولين عنّا بجمع الحجارة وتكديسها فوق الأرصفة للحاجة. تُرَى، ما العلاقة بينَ الدين والحجارة؟
تذكرتُ زوجي وهو ينبّهني هذا الصباح ألاّ أقول: "عيد سعيد" للجارات. ابتسمتُ، وأخَذْتُ أمسح قطراتِ العَرَقِ عَنِ جبيني.
أخيرًا، كَمَنْ يَسْتَفيقُ مِنْ كَابوسٍ مٌرْعِب، غادرنا النّاصرة العُليَا كغيرنا مِنَ (العَرَب)، وبدا كأنّنا لَم نتنفّس منذ ساعات.
فجأةً، لَمَحْتُ بُرْتُقَالَةً كانَ ابني قد عثرَ عليها داخل أحد الأكياس، فأطلَقَ سَرَاحَهَا، وَرَاحَ يُقَلِّبهَا بين يديه الصغيرتين. تَدَاعَتْ فِي مُخَيّلَتي قصةُ "أرْضُ الْبُرْتُقال الْحَزيِن" للأديب (غسان كنفاني). حَدَّقْتُ بالبرتقالة بِرُعْبِ خمسين عامًا على النكبة. لا! لَنْ تَذْبَلَ أرض البرتقال.
تَوَقّفَ شَريطُ الذّاكرة على سؤال حائر ردّده ابني الذّي يبلغ من العمر خمس سنوات:
- ماما إلى أين؟
= حبيبي (فادي)، إلى جَدّيكَ لننام الليلة هناك.
- لماذا؟
= لأنّه لا يمكننا استعمال السيارة اليوم وغدًا. قد يقذفون علينا الحجارة.
- الحجارة؟! هل هم (أطفال الحجارة) الّذين نراهم في التّلفاز؟
= لا. إنهم يهود.
- لا أحب النوم عند أحد. دعونا نعود. أحب البيت.
فكّرتُ لماذا لا يُعْلَنَ عن يوم غَد كعطلة رسميّة، فيُعفوننَا مِنْ هذه الهجرة السّنويّة داخل الوطن.
حَدَّقَ ابني في الطّريق أمامه دون أن يُحَرّكَ عينيه. همسَ برعب:
- لكن، لماذا يقذفون الحجارة؟
= إنّه عيد الغُفْرَان.
- مَا مَعْنى الغُفْرَان؟
= إنهُ الـ.. تسامُح.
"تسامُح"! دَوَّتْ هذه الكلمة كتصفيرة في بوق في كل أرجاء السيارة وانتقلتْ إلى السيارات الأخرى. تسللتْ بصمتٍ وحيرة وارتباك. تُرَفْرفُ. تُرَفْرفُ بينَ الأزقَّة. تبحثُ عن... قُلُوب دافِئة.


(1999)












------------------------------------------------------




عودةُ النّورس



جلستُ في الصفّ الأخير في الزاوية أراقبُ الجميع ولا أحد يراقبني. الضجيج من حولي وأنا وحيدة وحيدة كعجز بيتٍ في قصيدة، كجمرةٍ في مهب ريحٍ عنيدة.
قلبي يقرع بصخب. ثمة يد تمتد من خلف ظهر فتاة تحاصرها. تتلمس عنقها. ترتدّ الفتاة إلى الأمام بخجل. ترتدّ نظراتي عنهما إلى الرسائل المتراكمة في حضني. يفوح عطر الكلمات.
* * *
(وردة)..
دعينا نتعاهد أمام ضمائرنا أن نكون لبعضنا روحًا وفكرًا وجسدًا وأنا أمدّ لك شرايين قلبي وروحي وأبدؤك العهد فهل تعاهديني؟
حبيبتي..
نحن نمثل حالة فريدة؛ امرأةً في وطن، ووطنًا في امرأة، وأنا الذي في الشتات وجدت فيكما نفسي وحياتي وهويتي، فصرتِ وطني وصار الوطن أنت.
أحبك رغم الشتات، رغم المنفى، رغم الغربة، وسأحبك أكثر لو كنتِ أنتِ أماني وموئلي وسكني ووطني.
ثقي أنّكِ لي، واسلمي لعمري يا عمري.
* * *
أنت سنونوتي ما دام في الأفق جناح يخفق، وأنا نورسك ما دامت الشواطئ ميادين ثورتي.
ليتني أستطيع أن أجمع لك من بساتين الدنيا عطر زهورها، ومن حدائق القصور أريج ورودها، وليتني أجمع من واجهات المحلات كل جميل يسعدك، وكل رقيق ساحر يلمس ثنيات جسدك. الألوان كلها والعطور كلها وقبلها وبعدها.. أنا...؟ ولا أملك من حلمي غير الحلم، ولا أملك من أمر نفسي غير نفسي، فهل تقبلي وفائي وإخلاصي وعشقي وروحي وجسدي لك هديّة؟
خذيني فأنا لك.
أحبك حتى آخر مدى الحب وأنتظرك.
* * *
أطفئتِ الأنوار. أطبق الصمتُ على الشفاه. نما لي جناحان, فحلّقتُ في فضاء القاعة أراقب العيون المحدّقة في الشاشة الصمّاء.
الأضواء كما البرق تلمع بكل الألوان والقلوب تترقب الحَدَث:
ينهض الفارسُ من شتاتِهِ, يقتحم الأسوار الشائكة ليحرر الوردة من الأيدي الملوثة.
حاصرني عطر رجل هبط على المقعد الخاوي قربي. هبطتُ من سقف الحلم إلى مقعدي. تفتحتْ كلّ الورود على فستاني وحررتْ عطرها. انتشل يدي عن الرسائل الكثيرة كما تنتشل الصّنارة سمكة من صخب موجة. راح يردّد: معقول؟! معقول؟!
وقلبي يزقزق ويترنم: أنا الوردة. أنا (وردة).
صوته يحاصر ذهولي: (وردة) ما بك حبيبتي. أنا هنا. هنا. ما بك؟!
من قاع بئر الآهِ صرختُ:
تسألني ما بي؟ ألا تدري أن هذا اللقاء أكبر من كل أحلامي! أحقًّا أنت هنا، روح وجسد؟! ألم يكن حلمي وهمًا؟ هل أصدّق عودتك؟ هل أصدق أن ستار مسرحية العبث أخيرًا أُسْدلَ؟! هل أصدّق أن مئات الرسائل المكومة كالنوارس في حضني بدأت ترفرف محتفيةً بعودة النورس إلى شاطئه، الزعتر إلى تربته، ثمر الزيتون إلى أشجاره؟! أتراهُ الصّبّارُ أورقَ أم أني أهذي؟!
يده تتسلل إلى يدي. يحتويني كما يحتوي البحر قاربًا صغيرًا. يشدّني إليه.
- تعالي نغادر هذا المكان. أحتاج أن أراكِ في الضوء.
أتشبث بمقعدي وأنا أهمس بارتياب:
= حبّنا ولد في العتمة، ليس له مكان تحت الشمس.
- لا يا حبيبتي! نحن من نصنع أحلامنا.
= ولكنك تدرك أنه الحبّ المستحيل.
- حبيبتي، يا مطرًا يأتي بالعصافير الصغيرة والزنابقِ والثمرِ المُنتَظَر. هات يدكِ.
صمتَ. رحلتْ نظراته نحو الأفق. فجأة ارتفع صوته كالنشيد الوطنيّ:
- قد آن الأوان أن نحاصر حصارنا.
* * *
جذبني إليهِ. بدأنا نخطو معًا في الظلام نبحث عن منفذ للنور، للبحار، للأشجار والأعشاش، لطائراتِ الورقِ وقهقهات الأطفال، للصور الملونة، للحبّ، لنبض الحياة.
فجأة، شلَّ خطواتي صوتُ طلقة ما. صرختْ كلُّ الورود الحمراء على فستاني الأبيض وهي تكتسي بلون أحمر أكثر نقاء.
غاب، لكنّ صوته ظلّ في الأفق:
- لو مات نورسٌ، يبقى في الأفق ألف ألف نورس.



(2002)













----------------------------------------------------




حلمٌ آخَر



تقوقعتُ كما الجنين داخل رحم الأرجوحة التي راحَتْ تتمايلُ بي بين شجرتَي زيتون تحت رذاذ المطر.
رأيتهُ؛ على الضفة الأخرى من الحلم كان يرفرفُ.
رآني؛ فاقتربتْ ضفةٌ من الأخرى.
حين نظرتُ إلى عينيه، أبصرتُ البحرَ الذّي طالما راودني في حلم، فانتظرتُ أمواجَهُ حتّى آخر رَمَقِ أمل.
* * *
استفقتُ على تأنيبها الجارح:
- ما زلتِ هنا تحلمين!
= لمَ قطعتِ حبالَ خيالي؟
- لأنّك دومًا تنسجين حولك خيوط الوهم، وتحلقين بعيدًا عن الواقع.
= وهل أزعجتُكِ بشيء؟
- أنت غريبة الأطوار منذ طفولتك! دومًا تحلّقين خارج السرب. ألا تكونين واقعيّة مرّة في حياتك؟
أوجعني تعنيفها فصرختُ:
= عن أيّ واقع تتحدثين؟
- عن الحرب الوشيكة أن تُقَوّضَ أركانَ الكون. عن والدنا الملقى على سرير الأوجاع منذ أعلنت شركتهم إفلاسها فصارت لقمة العيش مريرة. عن أخيكِ الذّي توقف مرغمًا عن دراسته الجامعيّة ليمدّ لنا يد العون. عن والدتك التي تُعاني بصمت والكآبة تنهش جسدها. عن وعن...
= لأجل هذا الواقع بالضبط، أحتاجُ أن أحلُم. هل فهمتِ؟
تمتمتُ دون أن أتيحَ لها أن تسمعني: "بين اليأس والأمل حلمٌ واحد".
عدتُ أتمايل على الأرجوحة؛ تارة تنقلني إلى السماء فأرى أختي من فوق إلى تحت، وأخرى تعود بي إلى الأرض فأراها من تحت لفوق.
لم تتنازل عن غيظها. استلّت سيفًا آخر من غمد غضبها لتطعنني به:
- لكي تمتدّ يدُكِ إلى أعلى الشجرة تحتاجين يا صغيرتي سلّمًا.
همستُ وأنا أنظر إليها من تحت لفوق:
= أملكُ سلّمًا يشقّ الغيم ويصل بي إلى السماء.
* * *
عدتُ.. أمرّرُ حباتِ الخرز واحدةً واحدة في خيطِ الحُلم.



(2003)













---------------------------------------------------------



شر .. طة



فرّ بحرقة من توسّلها الصباحيّ: "بابا، ألا تشتري لي ثيابًا جديدة للعيد كبقية الأطفال؟". راح يمدّ أنامله داخل جيوبه واحدة تلو الأخرى ليطمئنّ إلى ما تبقّى فيها من قطع نقدية وهو يردّد: "سأشتري يا حبيبتي من المعاش القادم. اصبري بضعة أيام فقط".
تسمّر قرب المكتبة يطالع على عجل العناوين الرئيسة للصحف قبل أن يحدجه البائع بنظرة غاضبة وكأنه يسرق نكهتها.
"إعلان ساعة الصفر لبدء الحرب. وزارة الدفاع في... توصي المواطنين بتحضير لوازم الحرب"
"واشنطن بدأت العدّ التنازلي لعدوانها على..."
تسارُع الحشد العسكري برًّا وجوًّا وبحرًا"
"السلطات تهدم المسجد في قرية... غير المعترف بها في..."
"العليا تُلزم الجيش بتغيير إجراءات اعتقال الـ..."
"ستة شهداء برصاص الاحتلال في..."
شعر باختناق كأنّ صخرة ضخمة هوَتْ من صدره. نظر للسماء بحثًا عن منفذ للأمل. ارتطمت نظراته بلافتة مصلوبة على مبنى الشرطة.
ابتسم. قهقه حتى ثمالة المرارة، فقد سقط المقطع الحديديّ "طة" عن المقطع "الشر" في العبارة: "الشر.. في خدمة الشعب"، كما يسقط القناع عن وجه الحقيقة.


(2004)












-------------------------------------------------------



أميرةُ الحكاية



- هذا هو. أترينه؟
أقتربُ منها بتوجس. يكادُ رأسي يصطدم برأسها.
- ترين هذي النخلة؟ إنّها هي.
تتصاعدُ هواجسي مع البخور المتصاعد من الموقد الجاثم بيني وبينها.
زمّت شفتيها.
- نافذتُهُ مغلقة من جهتك ومفتوحة من جهتها.
نقبّتُ عن المرآة داخل حقيبتي. نظرتُ إلى وجهي على صفحتها الضبابيّة.
كان ممتقعًا برعب. دسستُها بحنق في قعر الحقيبة.
مدّتِ العجوز يدها نحو حقيبتي بتلهف. تناولتُ رزمة نقود وأودعتها صدرها النافر. عادتْ تنعقُ.
لم أعد أرى منها سوى شفتين تتحركان كقطار داخل كهف رعب.
حقًّا، لا شيء حقيقي سوى ما هو مرعب!
أحقًّا خان الوعود والعهود؟! أما كنتُ سنونوته، ولؤلؤة، بحره وأميرة الحكاية؟! أيعقل أن ينقلب الحلم الشهيّ إلى كابوس مرعب؟!
ويح قلبي ما أقسى الطعنة. اللعنة على الذكريات. كانت رياءً؛ مجرد رياء! ما كنتُ آسرة قلبه ولا ندى أزهاره. ما كنتُ الأنثى ولا أنثى سواي في مملكته! آهٍ.. كيف أحتمل نزوح قبائل الحزن إلى قارة أفكاري؟! كل كلماته التي ظننتها حبات خرز وعلقتها على جيدي كالعقد أتباهى بتفرّدها، أما كانت إلاّ نفاقًا! آهٍ أيها القلبُ المُثقل. ابْكِ. اصرخْ. تمرّدْ.
تسلل تيارٌ بارد من النافذة المفتوحة على الجبل الأجرد. رحلت نظراتي إلى الحديقة. لم أر سوى أوراق شجرة تين صفراء مبعثرة فوق أرض موحلة.
- ما بكِ؟
= لا شيء.
- فهمتِ كل شيء؟
= أي شيء؟
- بالله عليكِ استيقظي لحظة من أوهامك لننهي الحكاية.
اختزلتُ حزني:
= كلّي آذان صاغية.
- حسنًا. خذي هذا الفنجان. اصنعي له قهوة واسكبيها هنا. ستذوب النخلة في القهوة، وحينَ يرتشفها يَبْطل تأثير الأخرى على قلبه. فهمتِ؟
أنتظرُ عودتهُ بتحرّق. الانتظارُ صخبٌ مبعثه القلق. هكذا كتبَ (رولان بارت)، وهكذا أشعر الآن. قلبي نحلةٌ نزقة تقفز فوق أغصان الانتقام.
ها هو يقرعُ الباب. آه لو يدري أني أدري! أفتحُ الباب. كلّ المعادلات أصبحتْ مستحيلة هذه اللحظة. ما عدتُ أراه سوى شبح مرعب لرجل لم أعد أشتهي حبّه عن ظهر قلب. رغم أنف النزف أتمالك ثورتي. تحاصرني عيناه. أفرّ من بريقهما. يطبع قبلةً على جبيني. آهٍ كيف استطاع أن يسقيني الخلّ ويلدغني في عقر قلبي دونما رحمة؟! جراحي المفتوحة على مصراعيّ الألم تصرخ في وجهه. تلتفُّ يداهُ حول عنقي. تتملكني برودة. يا له من ماكر. أيشتري خنوعي بعقد من اللؤلؤ؟!
- كلّ (فالنتين) وأنتِ عيدي.
يغرّد، فأصمّ أذنيّ عن نغمة الحنين في همسه.
- كلّ عمر وأنت الأميرة.
يترنّم، فأغلق إحدى نوافذ القلب دون أمواجه.
- كلّ ربيع وأنتِ سنونوتي.
يهذي، فأقع في أحضان اليأس. ما بي؟ شرعتُ أتأرجح على حبال الشّك واليقين: يُحبّني. لا يُحبّني. يُحبّني.
- يا غالية، ما بكِ؟ وجهك كورقة خريف. قلبك محنّط كتمثال (كليوباترا). أخبريني الحقيقة. هيّا. هل أسأتُ لكِ من حيثُ لا أدري؟
قررتُ أن أبثّه همّي:
= هيَ.
- مَن؟
= النخلة.
- أي نخلة؟
= حبيبتكَ.
- أيّ حبيبة؟!
ألن ننتهي من هذا الموّال؟ متى تُصدقين أنّك أنتِ ولا سواك؟ لا شمس في كوني سواك. اعقلي يا مجنونة. أنتِ خياليّة جدًّا. بل أنتِ مجنونة فعلاً. لستُ بطلاً في قصصك تحبكين له الحكاية تلو الحكاية. أنا فارس أحلامك، نورسُ بحرك. استيقظي يا عمري قبل أن نصطدم بجدار لا رجعة بعده. أنا لم أعُد أقدر على الصمود أمام اتهاماتك المتكررة. أنتِ تطعنين حبّنا كلّ يوم مع سبق الإصرار والترصّد.
هزمني ذبولُ صوته. انتفضتْ عصافيرُ صغيرة كثيرة داخل قضبان قلبي وصرختْ بي: "مجنونة! هو يحبّك. لا تهدمي ملكوتك بيديك. كوني عاقلة. تلك الشمطاء استنزفت أموالك، وهي التي سحبت البساط الورديّ من تحت أقدامك لا هو. اطردي شبحها قبل أن يمرّ بك القطار فتندمين من حيث لا يُجدي ندم."
أجاهدُ لأتخلصَ من رحم الشرنقة. أغسل ما علِقَ بي من دَبَق. أتحرر فراشةً بيضاءَ. أرفرف حوله. أقف على كتفه. أقبّل جبينه. لو يدري كم أحبّه! هو نور القلب، فهل أحيا مكفوفةً مدى الحلم بسبب عجوز ماكرة؟!
تسبقني خطواتي إلى المطبخ. أتناولُ فنجان القهوة. أحدّق في النخلة. أتجه صوب جذرها بخنصر يدي اليمنى و... أمحوها بجرّة بصمة.
ثمة تمتماتٌ خافتة على الهاتف.
أنصِتُ بوجل.
تذوبُ كلماتُهُ كالشمع وهو بدلالٍ مدروسٍ يهمس:
"لا أحد سواكِ يا مجنونة!"


(2004)













-------------------------------------------------------



أنا جنونكَ



لغطٌ غير اعتيادي في الداخل سيّرني إليه. رأيته واقفًا متكئًا كتمثال من ثلج على حائط، وهي ممدّة على الأريكة مقابل نافذة مطلّة على بحر، وكلاهما يلوكُ الكلمات:
- هذا لا يمنع أن...
= لستَ الأمير الذي سيأتينني بفردة حذاء على قدّ أحلامي.
- آتيكِ بالنيل والبحر والهرم لو...
= أنا في انتظار أمير ليس له وجود إلا في خيالي، لذلك هو حتمًا ليس أنت.
- من أنتِ لتتعالي عليّ؟!
= أنا! ......... "أنا جنونك".
* * *
ذابَ ثلجه، فتدفق خارج الغرفة، وغمر في طريقه الزهور، فأورقتْ، وجرف كلّ الحَصى والطحالب، فاخضرّت الحقول.
استبدّتْ بي رغبة جامحة لتحذيرها. قفزتُ إلى رأسها، ورحتُ أنصِتُ لتسارع أفكارها. استوت على عرش الوحدة، وراحت تتلذذ باحتساء خمر عشقها:
"الغبيّ! متى يدرك أنّهُ ليسَ جملة اعتراضيّة في رواية عشقي، بل هو العُنوان. الحلم لا يتكرر مرّتين وهو حلمي. هو حلمي. هو حلمي."
تقززٌ مرير سرى في عروقي. يا لها من بائسة. يجب أن أحذرها لئلا تخور إزاء إغراءاته العبثيّة. بسرعة وسوستُ لها:
"استيقظي من أوهام الرومانسية يا صغيرة، فالحبّ فكرة لا تتحقق. بذرة طريّة، لكنها لا تنمو. هيّا، احصلي على اكتفائك العاطفي من ذاتك. دلّلي نفسك بنفسك. اشتري لك الهدايا التي تشتهي أن يباغتك بها عاشق. اروِي أنوثتك بكلمات: "يا عمري، يا عشقي، يا ...". لا تنتظري النقاء من رجل. يا لقلبك! بسرعة صفحتِ عن آثام حبيبك الأوّل الذي برع في اعترافاته العشقيّة لك أنّكِ سيّدة أحلامه، وأنّكِ حبّه المستحيل، وأنّكِ (أفروديت)، وأنَّ وإنّ ولكنّ وليتَ ولعلّ، إلى أن بدأتِ تئنّين حين استيقظتِ وأنتِ في ذروة انبهارك بهِ على نفاذ صلاحيّة الحلم. يا لقلبك! أهكذا تصفحين بسهولة عن (عبلة) و(ليلى) و(سلمى) اللاتي خرجن بغتةً من قبعته؛ كلّ تطالب قلبه بحقها من الميراث، وكلّ لوّثت حلمك الوردي بآمالها."
شيء ما التصق برأسها.
= ألو.
- يا مجنونة أحبّكِ.
غفتْ كلماتهُ في حضن أحاسيسها كما تغفو في حضن ورقة. صرختُ من قحف رأسِها: "إياكِ أن تصدقي!"
استمرَ الترنيمُ الرّوحيّ:
- "أنتِ لي."
صرختُ بها ثانية: "إياكِ أن تصدّقي!"
- "أنتِ جنوني."
تراختْ خلاياها.
صرختُ ثالثةً:"إيَّاكِ."
استرسلَ هو:
- "أنتِ اشتعالُ الفكرة ووهج الإبداع. أنتِ العشق والعشقُ أنتِ. أنتِ أنا وأنا أنت. أنت وأنا مسوّدةُ حبرٍ واحد وروح واحدة. تعالي. لا تخافي. ادخلي روحي. أشعلي في كل خُطوة مصباحًا، وفجرّي كتابةً على جسد الحنان يا حناني. تعالي. كوني جنوني. إيّاكِ ألاّ تكوني!"
كان يشدّ قلبَها إليهِ كالحاوي الذي يسحبُ المناديل الملونة من قبعته السحريّة ببراعة حرفيّة.
راحَ قلبُها يزقزقُ:
"تبًّا لكَ. لمَ نسفتَ الأسلاكَ الشائكة، والأسوار والجنود من حول جنون الأنثى في عروقي! أخبرني كيف سأتفنّن الآن في إخماد اشتعالي؟!"
* * *
بسطتُ أصفادي حول دماغها في محاولة مستبسلة للجمها عن الاستماع إلى صوته، لكنّها ضغطت فجأةً وبقوّة على صدغها، ثمَّ وقفتْ وسارتْ باتجاه الحديقة. أوْرَقتِ الزّهورُ واخضّرَتِ الحقول.
وقعتُ أنا كورقةِ خريف صفراء في مهبّ حبّ عاصف، وغبتُ عن الوعي.



(تمّت، وبالأحرى بدأت في 9/1/2004)














-----------------------------------------------------------




وقد لا يأتي



مع إسدال الستارة على النافذة الأخيرة , أرمي للبحر حلمي، وأعود لرحم أمي كي تلدني من جديد.
* * *
مرّ بي ستون احتضار، وما زالت عيناي معصوبتين. لا أرى، لكنّي أختنق من رائحة العَرَق المتصبب من جسديهما. بدأتِ الشاحنة تنزلُ بنا في طريق حلزونيّ، والطريق تضيق.
* * *
- نادي عليها!
زأرَ صوته من غرفة المعيشة، فانتفضتُ كسنونوّة بللّ جناحيها مطرٌ مباغت. تحشرج صوتٌ: (بيسان) تعالي يما.
زفرتُ من رئتيّ هواءً ثقيلاً، ومشيتُ نحوهما منتصبةَ القامة ودماغي يعزفُ نغمة "أكون أو لا أكون". تسمرّتُ أمام لهيب عينيه. زأرَ بتوتر:
- تخطّطين أن تضعي رأسنا في الطين؟
نقلت نظراتي إلى وجه أمّي علّي أستنزف شفقتها. كان وجهها شاحبًا كالمعتاد وشفتاها متيبستان، أما تلكَ الضفيرة الشائبة فما زالت تطلّ بحنوّ من خلف منديلها الأبيض المبرقع ببصمات سوداء.
نظرتُ حولي؛ لمَ يبدو لي كلّ شيء شاحبًا؟! الأبواب والنوافذ وشقائق النعمان وحتّى الفراشات الصغيرة. زأرَ ثانية فأجفلت:
- أجيبي.
= كيف أضع رأسكم في الوحل وأنا أسعى لرباط مقدّس؟!
- هل فاتكِ أنه من غير دينك؟
= مَنْ فينا اختارَ دينه؟
- أنتِ تحفرين قبرك بيديكِ.
= أموتُ بكرامة أفضل من أن أحيا بهوان.
سرجتُ خيول أفكاري. لم أعُد أرى منه سوى مدّ وجزر شفتيه، ومع كلّ مدّ جديد كانت تحاصرني نوبةُ حقدٍ جديدة ومواعظُ غزيرَة.
صحوتُ على صوتِ أمي وهي تدفع بي إلى قفصي ولعنته تطاردُ أجنحتي:
- منطقكِ أعوج. لطالما أنذرتكِ، والآن نفدَ صبررررري!
* * *
لا أدري أيّ قوّة نجحتْ في لمّ شمل جميع وجهاء العائلة من أقطاب الأرض. لا أعرفهم سوى من صورهم الباهتة المصلوبة على جدران الغرف، أتوا محملين بلعنات صبّوها في قلبي. اجتمعوا وتشاجروا، ثمّ قرّروا أن يقوم أبيّ وابن عمي بالمهَمّة، ثمَّ عادَ كلّ إلى تجارته وخمّارته وبقيتُ وحدي.
* * *
بدأتِ الشاحنةُ تسيرُ في طريقٍ ترابيّ مُوْحل. لا بدّ لي أن أبدّد الزفرات الأخيرة من حياتي بشيء يستحق الفرح.
أطلّ وجهه على مرآة أحلامي. رأيتُ جبينَهُ مكللاً بالغار. ليديهِ رائحةُ نعناعٍ أخضر. همسَ، فخلتُ النخيلَ ينحني: لكنهم قد يقتلونك.
= أموتُ بكرامة أفضل من أن أسلّم جسدي لرجل غريب لا يبالي سوى بقطف التفاح عن أشجاري.
- (بيساني)، تموتينَ عشقًا لأجلي؟! ألهذه الدرجة تحبينني؟!
= الحبّ بابٌ ضيق لانفجار ضوئيّ.
- لن أدعهم ينالون منّا. بأسناني سأحميكِ. للسماء السابعة سأخطفك. (بيسان)، تعاهديني؟
= على ماذا أعاهدك؟
- لو قتلوا أحدنا يكون الثاني في استقباله في الفردوس.
= أعاهدك.
* * *
نحوَ الساعة التاسعة مساء دفعاني خارج الشاحنة. تلعثمتْ خُطواتي. أزال ابنُ عمّي العصابة عن عينيّ. كم كانت أنامله باردة. تدفقَ نورٌ داخل عروقي. ساد صمتٌ كئيب. تناهى لسمعي صوتٌ من بعيد، بعيد، لبلبلٍ غرّد نغمةً حزينة، ربما من على شجرة لبلاب.
اتجه والدي نحوَ الشاحنة وبعثر محتويات صندوق أسود، ثمّ استلّ سكينًا كبيرة، ووثبَ نحوي كأسد جائع. أجفلتُ. انتفضتُ كقشّة في مهبّ الحقد. صرختُ من قحف رأسي: يمّاااااا.
صرخَ بي أن أصْمت صونًا لكرامتي.
* * *
حللتُ ضفيرتي، فانسدلَ شعري الأسود الطويل فوقَ الكون. سادَ ظلامٌ شديد. صرختُ ثانيةً: يَمّا، ساعديني أتجرع هذي الكأس.
* * *
فجأة، تزلزلتِ الأرضُ. تشققتِ الصخور والقبور تفتحتْ. صرختُ ثالثةً بصوتٍ عظيمٍ قبلَ أنْ أ ُسْلمَ الرُّوح:
- يمّا، متى يأتي نيسان؟ متى يُزهرُ اللوزُ والليمونُ والبرتقال؟ متى ترقص الفرَاشاتِ الحالمة حولَ قناديل العُشاق؟ متى؟ متى؟!



(2004)













-----------------------------------------------------------




إصـرَار



كان لا بدّ لها أن تقع لتدرك أنّ للوقوف لذّة الانتصار. كيفَ لا وقد اقتضى الحلم الشهيّ منها أن تنام على سرير من مسامير، والذي طالما ارتعبتْ منه أتاها بغتة. صرصارٌ أسود مقيت، ما أن بان لها حتّى جفلتْ منه، لكنّه سارع في ارتداء قناع فارس شهم فاستكانتْ. بادرها بخشوع:
- "تخافين منّي؟"
ارتبكتْ، فاسترسلَ:
- "لا تخافي. لستُ وحشًا ولستِ الجميلة. أنا فارس. اقتربي."
اقتربتْ منه بتوّجس. صرخ فيها صوتٌ من الداخل:
- "لا تقتربي! هذا صرصار. أتفهمين معنى كونه صرصارًا؟"
أخمدتِ الصوتَ، وسَارتْ إليه خُطوةً خُطوة، ومع كلّ خُطوة كانت أوراق استحواذ كون الصرصار حشرة مثيرة للاشمئزاز...
تَ
تَ
سَ
ا
قَ
ط
أشارَ لها أن تجلس على الأرض قربه فجلستْ. قطف لها الورد من حدائق الخيال وخبأها تحت جناح حلمهِ. راح يُغني لها عن الأميرة التي عشقتْ فارسًا فقيرًا. استكانتْ. بدأتْ تحلمُ بشمسٍ تُفجّر سلسبيلاً، وتشيّد قصورًا من رمال فوق سحب كثيرة. تنهدّتْ.. اقتربَ الصّرصار بغتة من صدرها ولسعها ثمّ ولّى هاربًا. ظلّ يعدو ويعدو إلى أنْ صارَ صفرًا على عرض الأفق.
* * *
عادتْ مُثقلةً بالحسرة تسترُ قلبها النازف تارةً بمناديل الصّمت، وأخرى بمناديل الأنين. تناسلَ الوجعُ، صارَ سيوفًا تُقطّع أحشاءَها. صمّمتْ ألاّ تستلم للهوان. لا بدّ أن تنالَ منه!
سارت بإصرار نحو غرفتها. ارتعد جسدها النحيل من برد تشرين. لمحتْ عباءةَ الجَدّة على المشجب القريب فسارعتْ بارتدائها، واستلقتْ على سرير من مسامير في انتظاره.
* * *
أتى تُسيّره رائحة النعناع على كفيّها. اقتربَ منها متوجسًا. بادرته:
- "تخافُ منّي؟"
ارتبكَ فاسترسلتْ:
- "لا تخف. لستُ الجميلة، ولستَ الوحش. أنا الأميرة. اقْتربْ."
اقتربَ منها بتوّجس. صرخَ فيه صوتٌ من الداخل: "لا تقترب! هذه أميرة. أتفهم معنى كونها أميرة؟"
أخمدَ الصوتَ وسارَ إليها خطوةً خطوة، ومع كلّ خطوة كانت أوراق استحواذ كون الأميرة أنثى خطيرة...
تَ
تَ
سَ
ا
قَ
ط
* * *
أشارَتْ له أن يجلسَ على الأرض قربها فجلسَ. قطفتْ له الوردَ من حديقةِ خيالها وخبأتْهُ تحت جناح حلمِهَا. راحتْ تُغني له عن الفارس الذي عشقَ أميرة خطيرة. استكانَ. بدأ يحلمُ بشمسٍ، يُفجّرُ سلسبيلاً ويُشيّدُ قصورًا من رمال فوقَ سحبٍ كثيرة. تنهدّ. اقتربتْ بغتة ًمن صدره وداستْهُ بإصرار وقوّة تحت قدمِهَا.صرخَ صرخة مريرة.
* * *
استيقظتْ الأميرة وحباتُ عَرَقٍ تتصبّب كرمال رقطاء من جبينها. حدقتْ في الفراغ. بحثتْ عن جثة الصّرصار في كل ركن حولها. لم تعثرْ له على أثر، لكّن رائحة كلب ضال بلّله مطرُ ليلةٍ عاصفة سيطرتْ على أرجاء الغرفة واستنفرَت ذاكرتها.
* * *
رويدًا رويدًا أدركتِ الأميرة أنّ كلّ ذلك الرّعب المقزّز ما كان سوى حلم وانقضى. ارتجفتْ. استكانتْ. ابتسمتْ. سلامٌ يفوق العقول بدأ يتدفقُ بدفء في عروقها. كيف لا وقد سحقته سحقةً مميتة!



(انتهت في 11/01/2004)














-----------------------------------------------------------



قطرة مطر



نظرتُ إلى الأرض أبحث عن مكان أهطل فيه، فقد قررتُ أن أكونَ متفرّدة في هطولي كي لا أتبدّد عبثًا. أبصرتُ مجموعة من الأطفال يتقافزون حُفاةً فوق برك الماء، يطاردون كرة، ويُردّدُونَ بفرح: "طاح المطر على الطين- الله يسلّم فلسطين".
ثمّ أبصرتُ كهلاً يجلس القرفصاء قريبًا منهم يرقب الطيور الصغيرة البعيدة في السماء وهو يقول في سرّه: "متى تتلوّن أحلام البؤساء؟"
استقرّت الكرة فوق أنفه، فصحا على أطفال هرعوا يقطفون عن وجنتيْهِ ثمار الصباح.
عبرتُ بين الأزقة المُوحلة، وتسمرتُ قرب غرفة طبيب نحيل يرتدي ثوب البرّ. نظر من النافذة ليراقب العصافير الصغيرة البعيدة وهو يحلم أن تحطّ ذات أمل على كتفه.
عاد من تيهه إلى المرأة العجوز التي انتهى لتوه من الكشف عن سبب أوجاع صدرها. راقب يديها بتوجّس وهي تحاول فكّ صرّةِ قماش حفنتْ منها ملء راحتها قطعًا نقدية نحاسيّة صغيرة، بعثرتها أمامه على المنضدة وعيناها تتوسلان أن يرضى بهذه الذبائح الشحيحة. تنهد الشاب وقال وقد تحشرج صوته في حلقه: "ضُبّي نقودك يمّا، الدنيا لسّه بخير."
تدفقت أنهارٌ من الحنان في عروق المرأة. اقتربتْ من الشاب وحضنته. لفّتْ كتفيه بثوبها الخمري المُبرقش بالقُطَب الفلسطينية الكالحة، فأزهرَ اللوزُ على أشجار القلب.
رحتُ أواصلُ رحلتي كأنني فراشة خرجت للتو من شرنقة.
اقتربتْ فتاةٌ لتفتح نافذةً، فاقتربتُ منها، وسرعان ما عادت إلى الداخل وهي تسير بخطوات بطيئة، فأدركتُ أنّها كفيفة. جلستْ قُرب المرأة المُسنّة تقول: "يمّا، أشتهي اليوم طبخة فريك."
تحسّستْ العجوز جيبَ معطفها. لم تعثرْ إلاّ على بضع ورقات نقدية والشهر ما زال في أوّله. لم تتأفف. ابتهلتْ: "إلهي، أعطنا خبزنا كفاف يومنا". هتفتْ بحنوّ لـ(سَعْدَة): "تعالي نحصل على قسط من الراحة، وحين نستفيق ربّك يفرجها".
عندما استيقظتْ من نومها عثرت على دجاجة في المطبخ، فلم تشغل بالها بمصدر رزقها، بل شرعت في إعداد الفريك. وهي منهمكة في عملها وصل ابنها، فأخبرها أن أحد الرجال زار المستشفى، وفي يده بعض الدجاجات أتى بها للطبيب الذي استأصل الرصاصة من أحشائه دون أن يتوفر له ثمن العلاج، وحين رأى (سعدًا) في الرّواق، رقّ قلبه وأعطاه دجاجة.
حدّقت الأم في السماء البعيدة. رأت عصافير كثيرة. احتضنتْ ابنها. أحاطتْ عنقه بضفيرة شعرها الشائبة، فحطّ كروانٌ على سطح أحلامها.
أخذتُ أتقافز بفرح كما العصافير الصغيرة في بيادرِ قمحٍ، إلى أن رأيتُ امرأة عجوزًا تكاد بشرتها تكون كقشرة برتقالة جافة. كانت تقرفص بسكُون فوق الأرض. علتِ الهتافاتُ من حولها، كلّ يستنكر هدم منزلها، أما هي فقد كانت تراقب الغبار الذي تراكم فوق شجرة الصبّار الشاهدة على هدم مأواها، عشّ أحلامها. دفنتْ هواجسها في الرمال وراحتْ تحلمُ براعٍ يسوقُ قطيعَ آمالها إلى مرعى أخضر. تنهدتْ بحسرة وهي تتمنى ولو عَبْرَةً واحدة تجفف حُرقة قلبها. نظرتْ إلى فوق، تستجدي العونَ منَ السماءِ، فلمحتْ عصافيرَ كثيرة، بعيدة، بعيدة. تنهدتْ بحُرقة وراحتْ تناجي نفسها: "آآآخ. كيف تحطّ العصافير فوق طبق القلب إذا كانت الأرض غارقة في الطوفان؟!" التقتْ نظراتنا. رقّ قلبي لحالِ هذي المرأة الشامخة كنخلة، الصامدة كشجرة زيتون في تربة خصبة. قررتُ أن أهبطَ إليها لأخففّ عنها خَلَّ تلك اللحظة. قفزتُ داخلَ مآقي عينيها، وهناك بدأتُ أتضاعفُ برويّة. فجأة، أجهشتِ المرأةُ في البكاء.


(2004)














-------------------------------------------------------------



الحلم الأخير



ألهثُ فوق السهول خلف طائرتي الورقية والريح عاتية. أرى الخيط المتدلي منها، كأنه أمل ضرير. أركضُ عكس الريح.
- بالروح، بالدم نفديك يا ...
يتعالى الهتاف من حولي وأنا لا أبالي. لا أحلم إلا باستعادة تلك الطائرة. أُلقي حقيبتي المتهرّئة فوق حصيرة القش، وأمدّ يدي النحيلة خلف الوسادة لآتي بطائرة ورقية لوّنتها بالأحمر والأبيض والأسود والأخضر. أغادر المخيم وأنا أتأبطها. أُخفيها بمهارة عن العيون كأنّها حلمٌ أخشى أن يسرقه مني أحد.
- كل يوم عدس؟!
هكذا اعتدت أن أتبرم وأتلوى كلما عدت ظهرًا إلى حضن أمي. ما بالي اليوم أرى أن العدس نعمة بمقدورها أن تخمد هذا الجوع الكافر الذي أخذ ينهش أمعائي؟ "ما من طعام اليوم. أخمد جوعك بالجري في الحقول يا (خالد)". قالت أميّ بأسى. فغادرت بسرعة، وبدأت بصعود الجبل.
* * *
رميتُ الصخرة خلفي وأنا أصعد إلى القمة. أحلم بتحرير الطائرة التي يربطني بها ذلك الحبل الرفيع، وككل يوم حين أفلت خيطها المربوط إلى كف يدي، تنفلت من قبضة القلب كل أوجاعي الدفينة.
مرّت ساعة. زالَ ألمُ أحشائي. الآن بإمكاني أن أبدأ رحلة العودة. ولدٌ مفتول العضلات اعترض طريقي. ارتمى ظله فوق ظلي.
- هذه لي.
قال بسخرية، فانفرجتْ شفتاه عن أنياب صفراء. تشبثتُ بطائرتي. واريتها خلف ظهري وأنا أهتف:
- هذه طائرتي أنا.
= بل هي لي، هاتها وإلاّ...
اقترب مني، وبدأ يلوي يدي محاولاً أن يغتصب الطائرة، لكنني استجمعت كلّ ما أملك من عزيمة لمقاومة غطرسته. لمحتُ حجرًا صغيرًا على الأرض فانحنيتُ أتناوله. مرّ بنا شاب أنيق. استبشرتُ به خيرًا. فصل بيننا. ثم وقف كالمسمار المعقوف، رأسه في اتجاه الآخر. هتف من عليائه:
- أعطه الطائرة يا...، ألا يكفي أنك سرقتها منه، تريد أيضًا أن تضربه بحجر؟
أفلتُّ الطائرة من يدي. استجمعتُ كل ما أوتيت من عزيمة وضربته بالحجر. بدأ ينزف. انشغلا عنّي. أخذتُ أعدو خلف طائرتي بجنون لأستعيدها وكأني سأستعيد حلمي الأخير: "بالرّوح بالدّم نفديك يا..."
تجمهر المارّون من حولي. تملّصتُ من دوامة الطنين دون أن تغفل عيناي لحظة عن طائرتي. خفتتْ أصواتُ المتظاهرين وهم يسيرون باتجاه المقابر. بدأتُ أسيرُ باتجاه النهّر، أقتربُ من الحبل. قفزتُ نحوه بكلّ ما أوتيتُ من قوّة. أخيرًا، قبضتُ عليه. جذبتُ الطائرة إلى قبضة يدي. تنهدتُ. أغمضتُ عينيّ. أخذتُ نفسًا عميقًا. زفرتُ الهواء من رئتيّ. استكنتُ. مسحتُ الوحل عن ثيابي. شرعتُ بالبحث عن حقيبتي لئلا أنال اليوم عقابًا من والدتي. آ آ آ ه يمّا! درس التاريخ كان صعبًا للغاية اليوم! المدرّس كان يتحدث بصوت رخيم عن (صلاح الدين الأيوبي)، وأنا كنت أحلم بالطائرة وكأن قلبي دليلي.
- الله اكبر. الله اكبر.
ارتفع صوت المؤذن. موجة دفء دثرتني فأخمدتِ اضطراباتِ أمواجي. شرعتُ بالعودة. يجب ألا تفوتني صلاة الظهر. حتمًا سيرفعون اليوم صلاةً على روح الغائبين.


(2004)












------------------------------------------------------------



المِسمَار



حينَ مررتُ به، كان يتأوهُ وقد جفَّفَ الحزنُ زيتَ عينيه.
- ما بكَ؟
= موجوع.
- مِمَّ؟
= أجلسُ على مسمار.
هدوؤه ألقاني في بئر الهواجس، فصرختُ:
- تجلسُ على مسمار وتدركُ أنَّكَ تجلسُ على مسمار ولا تنهض عنهُ؟!
= آه...
- مَا بكَ؟
جَفّتِ الكلماتُ على شفتيه وهو يصطادها حرفًا حرفًا من بركان الرثاء:
= حاولتُ أنْ أتخلص منه.
- ثُمّ؟
= المصيبة أنَّه يتبعني إلى كُلّ مكان!
- يتبعُكَ؟ ما هذا الهراء؟!
= تجرأتُ ذات يوم وَ... تَحَسَسْتُ مَوْضِعَه.
- ثمَّ؟
انطفأتْ آخرُ ومضة في عينيه. احترقَ رغيفُ الاعتراف داخل تنوّر أوجاعه.
= ثُمّ... وجدتهُ قطعةً منّي!


(2004)














------------------------------------------------------------




محكومون بالأمل



كلمة "ألم" مكوّنة من ثلاثة حروف (أفقي)، يقابلها كلمة "أمل" من خمسة حروف (عمودي). أكدحُ ذهني. اللعنة على هذي الكلمات المتقاطعة! إنّها تستحوذ على أفكاري، وتستنفذ كلّ طاقاتي. تتزاحم الكلمات في رأسي، وتتضافر لتتقاطع صورًا على صفحة الذاكرة. أحبسُ أنفاسي. أتنهّد. أنتقلُ إلى صفحة الإعلانات عن وظائف شاغرة، ربما يحالفني السعدُ اليوم فأعثر على لقمة تكفيني سدّ عوز عائلة تتعلّق بعنقي كحبل المشنقة. تطاردني رائحة عفونة. ألقي بالصحيفة على الأرض. أعود فأتنهدّ وأبحثُ عن نافذة.
* * *
يستهويني منظر الثلج وهو يتساقط بخفّة، كأنّ أسرابًا من الطيور خلعتْ عنها ريشها ونثرته في الفضاء. يستهويني صخب الأطفال وهم يركضون حُفاةً تحت الثلج دونما شكوى، ويتنافسون على بناء رجال من الثلج.
هؤلاء هم المحكومون بالأمل!
نحن المحكومون بالألم!
تحرّكَ الحنينُ داخلي إلى مرتع الطفولة، إلى أيدٍ صغيرة تتسابق لتصطاد العصافير من أعشاشها، فتزجّ بها بفرح داخل الأقفاص الصغيرة وتروح ترقبها بفضول، وشيئًا فشيئًا تذبل اللهفة حين تدرك أن العصافير لا تغرّد إلا على شجر.
ألقيتُ حقيبتي المدرسيّة فوق عتبة المنزل. الباب موصد. لمحتُ والدتي وأنا في طريق العودة من المدرسة تدخل الجامع بخطوات مُتثاقلة. لا بُدّ أن أنتهز بضع دقائق لأستردَّ الشمس في عروقي. خلعتُ حذائي وواريتُ جواربي المثقوبة في أقصى نقطة منه. طفقتُ أنبشُ حفرة على طول جسدي النحيل داخل تلال الرمل.
ببرود هبطتُ داخلها. طمرتُ جسدي حتى عنقي. الشمس في منتصف الحلم وأنا بحاجة للدفء.أغمضتُ عينيّ ورحتُ أرتفع. هكذا سأبقى في ارتفاع دومًا. لا أخشى إلا أن يذوب الصمغ عن جناحيّ وأنا أقترب من الحقائق برشاقة. تمطّى ظلٌّ قربي، وارتفع صوت ينخر ضميري:
- (هشام)، عدتَ لنبش الحفر؟!
امتدّت ذراعاها نحوي لتنتشلني من مرتع أحلامي. ارتعدتُ. سقط منديلها المبرقش فوق يدي. بانت ضفيرتها الشائبة. تلوّى فستانها الأسود المطرّز بقطب فلاحيّة بالية وهي تنحني لتنتشلني من الحفرة. انحسر فمها عن أسنان متهالكة.
- يا قلبي لمَ تهوى المشاكسة؟!
كالمعتاد، جاء حرف القاف رخيمًا متضمخًا بالنبرة الفلسطينيّة التي تطرب قلبي. جحظت عيناي. تراها تعفو عنّي هذه المرّة أم ستعاقبني؟! قالت بحنوّ وأنا انتصب كشجرة نخل في جنتها:
- يا صغيري، هيّا إلى طشت الماء.
طفقتُ أتهادى بفرح أمامها كجندي مشاةٍ في يومه الأوّل.
* * *
نظرتُ عبر زجاج النافذة. الشمس محتجبة منذ سنوات. سأنتهز بضع دقائق لأستردّها في عروقي. فتحتُ الباب برويّة وخرجتُ. في السماء غيوم متلبدة. في القلب ثلاث ورقات؛ ورقة للأمل، وأخرى للألم، أمّا
الثالثة فما زالت تحمل بياضها.
رحتُ أتناول الثلج وأكدّسه كومة فوق كومة. سأبني رجلاً من ثلج، هذا الذي طالما راودني في صحوتي ومنامي ووهبني قصفة حبق تُعطّرُ عفونة شتاتي، فتجعل للمنفى طعمَ وطن. أشرقتِ الشّمسُ في عروقي. سأضع له عينين من خرز، وأذنين من خشب، وفمًا من صوّان. سآتيه كلما اشتدّت وطأة الغُربة على قلبي. ها هو كما دومًا تخيلته؛ رجل من ثلج!
* **
- (هشاااااااااااام).
حاصرني صوتها وكأنّه الماضي المستمر. وقفتْ قربي مذهولةً؛ تارةً تتأمل رجل الثلج، وأخرى تتملّى ملامح وجهي. تراها تراني مشاكسًا بعد مرور أكثر من عشرين سنة على أعراض الطفولة؟!
انتصبَ الرعبُ ككوز من الصبّار في جوف حنجرتي. ابتسمتْ برقّة.
حاصرني حنانها من شرقي إلى شوقي:
- يا ابني ألم تكبر على اللعب بأعصابي؟!
تحرر قلبي من قبضة الرّهبة. قهقهتْ بصخب. أصابتني العدوى.
قهقهتُ:
ههه... على جرح وطن سليب.
هههه... على ضياع هُوية.
ههههه... على رجال من ثلج على امتداد خريطة الأوطان العربيّة. ههههههههههههههههه.



(2004)













----------------------------------------------------------




ترانسفير



(أمّ حسن) تنادي بلهفة على أم حسين فتطلّ كلّ من نافذة.
- "سمعتِ آخر خبر يا (أمّ حسين)؟"
يتعالى ضجيج من الزقاق الترابيّ الممتدّ بين البيتين، فيقطع حبل الودّ بين المرأتين. كلتاهما تحدّقان في (حسين) وهو يتهادى كالصقر بين البيوت، في يده بالون يدّسه في فمه، وينفث أنفاسه داخله، ويلهث (حسن) خلفه باعياء نملة تطارد فيلاً وهو ينشج:
- "هذا بالوني أنا."
(أمّ حسين) تنبش بأظافرها رأسها لعلها تعثر على الخبر. يقع منديلها المبرقش على الأرض، فتلمع ضفيرتَي شعرها الشائب تحت شعاع الشمس!
- "أي أخبار يا خيتا؟"
(أمّ حسن) تقرأ الفاتحة ثمّ تتمتم:
- "قالوا في الأخبار إنهم رَحْ يعملوا لنا ترانسفير."
صمتتْ، ثمّ راحت تتمتم وهي تستشعر خطرًا يتربص بهم:
- "دَخلكْ شو معنى هالكلمة الغريبة يا خيتا؟"
(أمّ حسين) تعبّر عن إفلاس أفكارها بزمِّ شفتيها. (حسين) يصرّ على مواصلة النفخ. البالون يتضخّم بين يديه. ينفجر. تتطاير قطعه المبللة بأنفاسه هنا وهناك فوق بيوت المخيم، وتلتصق بقوة فوق إطاري نافذتي (أمّ حسن) و(أمّ حسين).



(2004)












--------------------------------------------------------



صرخة آخر الليل



رأى، فيما يرى النائم، ما أفزعه، فهرع إلى المرآة يستجديها رحمةً، إلا أنّها أصرَّت هي الأخرى على أن تفتح أمامه باب الضياع على مصراعيه.
"ويلاه!" صرخَ، فخيّل إليه أنَّ السماء انفطرت، والنجوم انتثرت، والبحار فُجّرت، والقبورُ بُعثرتْ. طفق يتحسّس بصمت ملامح وجهه، فإذا بأنامله تؤكد له ألاّ ملامح له البتّة. ما هنالك سوى بشرة عجفاء، وعينين غائرتين تشيان برعب لا مثيل له.
غاصتْ ذاكرته في دياجير الألم تبحث عن سبب منطقيّ لطفرة كهذه. بغتةً، استقرّتْ عند يوم كان شرّه مستطيرًا حين اقتحمَ عابرُ سبيلٍ منزله، وتحت تهديد البارود استولى على بيارة البرتقال. لم يكتفِ، فقد استلّ يده وصفع الرجل. لعق الرجل جرحه، ومضى والشمس تتوارى خلف ظهره. نزح عن بيته كعصفور رفضته كل الأشجار. هكذا، صار جرحه منفاه، وهكذا، بدأ يفقد ملامح وجهه شيئًا فشيئًا، لكن الرعب منعه من تصديق رؤياهُ.
عاهد البحر ألاّ تدمع عيناه، وكثيرًا ما خِفيةً دمعتْ.
عاهد الزيتون ألا تجفّ مآقيهِ وجفّتْ. آه من جور الزمان. أيّ الذنوب ارتكب كي يحمل وطنه على كاهله ويتوه باحثًا عن خيمة؟
ما أسهلَ أن تكونَ ظالمًا في مجتمع لا يعترف إلاّ بمنطق البقاء للأقوى، وما أصعب أن تصبر حتّى يعجز الصبر عن صبرك!
آه من جور الزمان. أيّ الذنوب ارتكب كي يفقد ملامح وجهه؟ أليس الموت أخفّ وطأة من حياة دونما كرامة؟ لكن، أليست الصرخة أقوى من طاغوت السلاسل؟ سيصرخ. لعلّه يستعيد فمه. سيصرخ. لعلّه يستعيد أُذنيهِ. استجمع في الذاكرة قطرات العَرَق على جبين فلاحٍ كهل، وعبرات امرأة صامدة فاجأها المخاض، ووخز بطون الجِياع إلى رغيف خبز، وصرخ الصّرخَةَ الكبرَى!
استيقظ مذعورًا. اعتدلَ في سريره. بوجلٍ ولهفة تحسس وجهه. لم يصدّق ما بثّته أطرافُ أنامله لقلبه المكلوم. قفزَ إلى المرآةِ وهو يتمتم: "وَالظَّالِـمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا". تناهى إلى سمعه عبر ضباب تشرين المتكاثف في كلّ أزقّة المخيم صوت المؤذّن، الذي تداخل مع لحن نايٍ حزين خُيِّلَ إليه أنّه أتى من بعيد: "الله أكبر".
حدّقَ في المرآةِ طويلاً. سَرَتِ الطمأنينة في قلبه كسريان ماء المطر في جدولٍ جافّ والمِرآة تعكس برأفةٍ ذلك الجبين والأنف والفم وبقيّة ملامح وجهه الهزيل.

(2005)














-----------------------------------------------------------



وماتَ البلبلُ وحيدًا



هَمْهَمَتْ بجواري وهي تلوحُ بيدها تشيرُ إلى أحد الأقفاص المتناثرة هنا وهناك: ماتَ البلبل!
ترصّدتُ الأسَى في نبرة صوتها. ارتعشتْ شفتاي. حشرجَ صوتي: أحقًّا مات؟!
* * *
المطر ينهمر ببرود. أرفع رأسي للسماء. أتنفّس بعمق. ياه. كيف سرتُ كل تلك المسافة من البيت إلى المقبرة دون أن أشعر بعري قدميّ، ودون أن يشعر أحد أنّي بدأت أغوص في الوحل اللزج.
* * *
هكذا ببساطة رحلَ! تركني وحيدةً بعدما اختمرتْ عجينة القلب. أين منّي يده تمتدّ الآن نحو تنور الشّوق لتتناول أرغفة طازجة من حبّ شهيّ؟! يحتقن الحلقُ بغصّة. عاش في دمي أكثر من عشرين ربيعًا ورحلَ قبلَ عشرين دقيقة. أغصاني مُثقلة بثلج الفُراق. ألوّحُ له بمنديل أبيض ولا يراني، ولا أحد من المُشيعين يراني. ها هو ممدد داخل كفن لا يدري بحالي. أذرفُ الدّمعَ كحبات خرز تنفرط عن خيط الحلم،كلّ حبّة تحرق آمالي وهو ما زال ممددّا داخل كفن لا يراني. أنفثُ أنيني بخارًا أسودَ، يخنقني، يجلدُني، يقتلني، وهو ما زال ممددًّا داخل كفن لا يأتي ليرأفَ بحالي. يسقط قلبي بين ضلوعي. لقد فقدتُ اليوم حبيبًا. فقدتُ أكسجينَ رئتيّ. آهٍ لو يدرون! مَن سيُهديني بعد اليوم حقول القمح؟ مَن؟ مَن سيُدثرني بشال حنانه ليقيني من زمن النكبة؟ مَن؟ مَن سيجعلني فصولاً أربعة بعد اليوم. مَن؟
أصمتُ. الصّمتُ فخُّ الحُلم.
* * *
على حُبّ كبير تعاهدنا وتواعدنا، وكان جذع شجرة الزيتون شاهدًا على وشم قلبينا. منذ بدأنا نجري كالأرانب البريّة فوق السهول والحقول وكلّ مَن حولنا يُردّد: (سلمى) لـ(سالم) و(سالم) لـ(سلمى). نمتْ بذرةُ الحبّ في تُربة خصبة وأورقتْ أملاً بالارتباط المُقدّس. لكن كانَ المسمار الذي دقّه (سالم) إلى شهادتينا الجامعيّة على حائط الانتظار مقصلة للحلم. بحث وبحث عن عمل يكفل لنا كرامة الارتباط، وقبل أن يعثر على بصيص أمل، اغتالته طلقة قنّاص محترف قبل عشرين دقيقة.
* * *
آه (سالم)! الوجع سمكةُ قرشٍ تنهشُ القلب. عُد إليّ يا حبيبي. أنادي بصمت خافت ولا أحد يسمع ولا أحد يُجيب. لا أحد يملك سوى تعاويذ التّعزية. قدماي تغوصان عاريتين داخل الوحل. رطوبة الأرض تُنعشُ عروقي. أغوصُ في ملامح وجهٍ حفظتهُ عن ظهر حُبّ. أتزوّدُ من حنانه.
"الأمل الأبيض لليوم الأسود". أسمعه. كأنّه يهمسُ الآن من داخل كفنه ملتاعًا:
- (سلمايَ) أنا لكِ.
أرتلّ:
= أنا لكَ.
- أنتِ لست أنثى عاديّة! أنتِ وطنٌ يا (سلمى). أنتِ وطني وأماني وموئلي ودُنيايَ. (سلماي) أنا زيتونةٌ دائمةُ الخُضرة.
* * *
أستفيقُ من هذياني المحموم على أيد تصافحني، وأخرى تحضنني، وهمهمات تواسيني، وخطوات راحلة. تتعلق نظراتي بالشاهدة. آآآآه.. كم أفتقده! أهو الخريف إذًا؟ أما من ربيع محتمل؟ كيف أقوى على الأحزان من بعده؟! أتذّكرُ قولاً كان خبزه الفلسفيّ اليوميّ: "إذا كنتَ تريدُ قوس قزح، عليكَ أن تحتملَ المطر ".
أنتشي. تنتفضُ أغصاني المثقلة بثلج الفراق. أرفعُ رأسي إلى السماء من حيث يأتي عوني. أغرزُ رجليّ أوتادًا في الأرض الرطبة. أسيرُ إلى الأمام لا ألوي على عودة. لا أنظرُ خلفي. يذوب الثلج. تخضّرُ الحقول وترتوي السهول. أرى قوس قزح على عرض الأفق. غدًا، لا بدّ أن يجفّ الوحل. غدًا، لا بُدّ أن تُشرقَ شمسٌ.
* * *
عادَ صوت جارتي متعاطفًا:
- ما أصعبَ أن يموتَ العصفورُ وحيدًا داخل قفص!
أيقظتني نبرة الحزن المزمن في صوتها من هذياني المؤقت. رفعتُ عينيّ إلى السماء. تعلقت نظراتي بغيمة بيضاء. هتفتُ بإصرار:
= لو ماتَ بلبلٌ واحد لا بدّ أن يُولد من رحم الأرض ألفٌ وألفُ بلبل. لا بدّ يومًا أن تُكسرَ كلُّ الأقفاص لتحيا الطيور في الفضاء الرّحب حرّة طليقة كما كُتِبَ لها منذ بدأ الخليقة. لا بدّ... لا بُدّ!



(2005)












--------------------------------------------------------



أنثى الظّل



ليستِ الحكمةُ أنْ تعرفَ الطريقَ، بل أن تمشيَ فيه. هكذا طفقتُ أوَسْوسُ لصاحبي إلى أن بدأت الفكرة تختمر في رأسه. أخيرًا، نجحتُ في بث اليقين في صدره أنّ الزحامَ على هذا الطرف من الشارع خانق، وأنّ الوجوه بائسة مُثقلة بأخبار ويلات وحروب ومجاعات، ناهيكَ عن الظلال التي تصطدم بي من كلّ صوب، فتشوّه معالمي، وتطرحني في ظلمات الحيرة لا أدري أأنا ظلّ أم مجرد انعكاسات عبثيّة لهذا الرجل اليافع؟
بعدما تيقنتُ أنّي نجحتُ في زرع بذرة الفضول في قلبه، أردفتُ أنّه كشاعر يحتاجُ أن ينهضَ من الدوائر المغلقة لينطلقَ إلى أقصى أقطاب التجربة، فمَن يسعى لصيدٍ أوفر عليه حتمًا أن يمضيَ إلى العمق.
ألقى صاحبي عليّ نظرة امتنان، وبدا لي كأنّه عثر على قارب سيبْحِرُ به إلى الضفّة الأخرى ليشرب من كأس إبداع مغاير. وثبَ عن مقعده، وراح يقطع الشارع إلى الرصيف الآخر حيث النخيل والأعناب والتين والزيتون، وأنا أهرول خلفه بفرح غامر، إلاّ أنّه سرعان ما شرّد قطعان أحلامي إذ هوى على أول مقعد خشبي بعدما خلبته الأشجار الوارفة، فجلس يتأمل روعتها، وغرق في مخاض قصيدة.
تكوّرتُ على الأرض أمامه لا أجرؤ على أن أنطق ببنت شفة لئلا يعنفني بعباراته النرجسيّة المألوفة: "ما أنتَ إلاّ ظلّ لي". رحتُ أطالع النشرات النفسيّة في وجوه العابرين؛ بدوا كالأطياف يتحركون بهدوء عجيب كلّ يسير مع ظلّه إلى هدف لم أتمكن من رؤيته، لكنّي تيقّنتُ من وجوده في مكان ما خلف الأفق.
مرّت الدقائق. سقط ظلّ فوق ظلّي، وسرعان ما انشقّ عنّي، وجلس قرب صاحبي. لا أدري ما الذي شدّني إلى هذا الظلّ بالذات؛ أهو الشذا الذي فاح فجأة من حولي؟ باستحياء، رفعتُ نظراتي إلى صاحبة الظلّ. سرعان ما رحتُ أهذي:
- "ما شاء الله! سبحان الخالق! يا أجمل الإناثِ. يا أطهر الوجوه. يا أنتِ. يا أنثاي."
راقبتها. بدتْ لي كحوريّة من الفردوس الأعلى. راق لي ثوبها الأبيض الهفهاف، وذلك القفص الصغير الملقى على حجرها. كانت تراقبُ بحسرة سُنونوَّة صغيرة طفقت بجنون تضرب قضبان القفص بجناحيها. تمنيت لو يعود صاحبي من هذيانه، لكنّه ظلّ على موعد مع حلم بعيد.
تزاحمت الأفكار في رأسي. لا بدّ أن أبث لواعج قلبي لـ"أنثى الظلّ" قبل فوات الأوان. ما أن هممتُ بالإتيان بحركة ما حتّى وقع ظلّ آخر فوق أنثايَ، ثمّ انشقّ عنها وتكور قربها ككومة رمل. رفعتُ نظراتي إليهما، فأبصرتُ شابًّا شاحب الوجه. بفضول وبعض غيرةٍ أنصتُ للحوار بينهما.
- أما من بديل؟
= ليتني أجد.
- تهجر وطنك لأجل دينار؟!
= من يملك دينارًا فهو موجود.
- وأنا، تتخلى عنّي بهذه السهولة؟!
= لأجل أن أكون جديرًا بكِ، أتنازل مؤقتًا عن زمن الياسمين، وألتجئ إلى الغربة لأحترق برمالها.
- لو تحبني لا تسافر.
= لأنّي أحبّك كما يليقُ بكِ سأسافر، سأحتمل البرد والحرّ والجوع والوجع، وأينما أكون ستظلّين في القلب سوسنة، وعلى غصن الشوق سُنونوَّة، وأعدكِ بعودة مهما تأخر الزمن.
طبع قبلة على جبينها ومضى. سقطتْ شجرة النخيل المجاورة. هربتْ كلّ عصافير الفرح. صعدتُ من زنزانتي لأرتل لهذه الأنثى مزامير القلب وأعوّضها بحناني عن الفقد، فأعينها على خلّ تلك اللحظة، لكنّ قَرْعَ الأجراس الذي ارتفع فجأة من المدى يعلن الصلب المُرتقب، ويدها التي امتدتْ داخل القفص لتجذب السُّنونوَّة برفق إلى صدرها، تمسّد ريشها، وتطلق أجنحتها للريح، وصمت المساء وزخَّة المطر المباغتة ألجماني.
نهض صاحبي عن مقعده مفزوعًا. نفض عن معطفه ما عَلِقَ به من قطرات مطر، ودون أن يعي ما اعتراني، راح يعبر الشارع عائدًا والشمس تتوارى من خلفنا، وأحلامي تهوي كأوراق التقويم؛ تتطاير ورقة تلو ورقة، وأنا أسعى جاهدًا أن أختطف ولو نظرة من أنثاي قبل أن تُغيّبني عتمة هذا المساء، ويلغيني صوت كلب راح يطلق بين الفينة والأخرى نباحًا حزينًا.


(2005)











-----------------------------------------------------------



قصة ليست قصيرة



تجمدتُ مكاني كسَمكة في ثلاجة لا أنبض، ولا يتحرك الدم في عروقي، وهي تنشج كغزالة شاردة:
- (خالد) قطَعْنِي يمَّا.
لم أصدّق ما سَمِعَتْهُ أذناي. لم أستوعب ما رأيته من دموع في عينيها، ومن تجاعيد أكلت نضارة وجهها، وأنين امرأة تحمل ضفيرة شائبة تحت منديلها ذي الغرز الفلسطينيّة الكالحة. لم أصدّق! تسمرتُ مكاني. حدقتُ بالسروال الأبيض المسجَّى بعناية فوق ذراعيّ، وفاضتْ صورٌ من الذاكرة.
* * *
قهقه (خالد) وهو يفتح خزانة ثيابه على مصراعيها كأنه يفتح مغارة (علي بابا). تناول السروال الأبيض وتمتم:
- تلبسه يوم عرسك، ثمّ تعيده لي. إنّه أمانة في عنقك.
ضمني إلى دفء صدره، فشعرت كأنّ السماء أطبقت على الأرض، وهمس في أُذني:
- مبروك زواجك حبيبي (باسم).
هرعتُ أحملُ حلمي على ذراعي لأُتـَمِّمَ مراسيم زواجي. رافقني صوته الحنون:
- السروال الأبيض أمانة في عنقك يا (باسم).
* * *
سقطتْ على صدري. بللتني دموعُها التي اختلطتْ بوابل دموعي. تُرَى هل أطبقتِ السماءُ على الأرض؟!
عادت تنشج بحرقة، ومفرداتها تتبعثرُ بين غصّة وأخرى:
- (خالد) قطعني يمّا يا (باسم). حبيبك قطعني.
فجأة انفلتت الآه من صدري. دوّت كخرير المياه في أرجاء المخيم، فأيقظتْ كلَّ العصافير الصغيرة عن أشجار الصبر:
- آ.....خ يمّا!
- (خالد) قطعني يا ناس.
حدقتُ في المرأة بمرارة، فقد تذكرتُ أنّي رأيت حلمًا هذا الصباح بعدما قررت ليلاً أن أعيد لـ(خالد) سرواله الأبيض. رأيتُني ألتقط عصفورًا عن الأرض. ضممته إلى صدري، فإذا به ميت. تحشرج صوتي:
- آآآخ يمّا!
ارتفع نشيجها بحدّة:
- أمس، كنّا في حالة منع تجوال، وكان (خالد) لدى أصدقائه، وفجأة أصابه وجعٌ حاد في صدره، فنزل الشباب به إلى الشارع يتوسلون العسكر أن يسمحوا لهم بنقله إلى المستشفى، لكنّ العسكر أصرّوا على منع التجوال.
على الحاجز، وفي انتظار الرحمة على الأرض، هبطت رحمة من السماء، وقضى (خالد).
* * *
دبّ الدَّمُ في عروقي وأنا أستعيدُ وصيةَ (خالد): "السروال الأبيض أمانة. أمانة. أمانة".
ارْتدَتْ الكلماتُ هالاتِها.
فجأةً، أدركتُ كُنه وصيةِ رجلٍ يدركُ حدسًا أنّ ساعته قد أزفَتْ. تصلبتْ يداي فوقَ كتفَيَّ هذي المرأة الشامخة كنخلة؛ هذي الأم الفلسطينيّة التي كانت وستبقى في ذاكرة كلّ أبناء المخيم حضنًا لكلّ موجوع، ومنديلاً لكلّ دمعة، وطلقةً لكلّ يد تتحدى القهر.
* * *
هتفتُ بإصرار:
- عودي يمّا.
تعلقتْ نظراتها بعينيّ كتائهٍ عثرَ لتوِّهِ على قطرة ماء.
- وكوني قريرة العين.
استكانتْ أمواجُها وهي تبللُ شواطئَ أحلامي.
جفَّ ينبوعُ أوجاعِها.
فجأةً، ابتسمتْ بصمتٍ وأنا أرددُ الجملةَ الأخيرةَ القاطعة:
- هنالك من سيرتدي السروال الأبيض من بعد (خالد).


(2005)










----------------------------------------------------------



أبعد من أن تطالني يدٌ



أغافلها، وأفرّ من إلحاحها الروتينيّ:
- هيّا، اذهبي لغسل الأطباق يا (هنادي).
أتسللُ عبر الباب الخلفي إلى الفناء والحبلُ في يدي. بفرح غامر أسابقُ الزمن. قفزة، قفزتان،.. ثلا... تصطادني يد.
- أنت هنا وأنا أذوي وحيدةً هناك! طبخ وكنس وكيّ، يا لقلبك!
يهوي قلبي. أراه يتدحرجُ بعيدًا بعيدًا ليستقرّ بين خيوط العنكبوت. تقبضُ على فستاني وتدفع بي أمامها إلى المطبخ. تنتزعُ الحبل من يدي. تتناول مقصًّا، وتشرعُ في تقطيعه إربًا إربًا، وتلقي بالقطع في سلة القمامة!
لا تأبه للنجوم التي بدأت تتساقط عن جبيني ولا لغرق مراكبي. قبل أن تتوارى خلف ظلّها تتوعدني:
- إيّاك ألا تغسلي الأطباق فورًا. سيكون عقابك أسوأ من كل مرّة!
* * *
أتحسسُ الماء في الطشت وأتلذذ بدفئه. تستهويني فقاعات الصابون وهي تتطاير من حولي كالفَراشَاتِ المُلوّنة. أتناولُ طبقًا. أصنعُ حبلاً، ومعَ كلِّ طبقٍ أُحَلّقُ بعيدًا بعيدًا؛ فوق البنايات، فوق السهول، فوق المراكب، فوق الكواكب، أبعد، أبعد من أنْ تطالني يد.



(2005)











----------------------------------------------------------



أنثى الحرائق



- تراني أعرفك؟
= أنا راوي القصة.
- ماذا تريد؟
= يجب أن أنقذ الحبكة من سوداويّتِكَ.
- ماذا؟
= ما أنتَ إلا أداة في يدي. أتفهم؟
- لا. لا. أنا البطل.
= تبًّا لك. كيف جرؤتَ على أن تخرج عن النص الأصلي؟
- لم أعد احتمل نزقها. هي أنثى غير عادية وأنا لا أحتمل برقها ورعدها.
= لكنك مغرم بها، وبناء على النَّص الأصلي عليكَ أن تواسيها وتتصالح مع جنونها.
- لا. لا. لم أعد أحتمل. أنت السبب. لماذا لم تورطني سوى مع أنثى الحرائق.
= لأنّي لو أتيتك بأنثى عادية كنت أنت ستجهضها منذ السطر الأول من الحكاية.
- لكنّي ظلٌّ لهذه المجنونة. أينما ذهبتْ في دمي تُشعل حرائقَ. إنّي أسيرُ مزاجها. قبل أن تأتي , كنتُ دائمًا سيَّد اللعبة مع كل أنثى أخرى، أمّا هذي الأنثى فلا أفهم سرّها!
= سرّها ببساطة أنّها عاشقة.
- لا، هذه غجريَّة.
= أيها الوغد كفّ عن النزق. أنا صنعتك، وعليك فورًا الامتثال لرغباتي. أتفهم؟
- كفى، كفى، هل أنا نملة تحت نعل (شمشون) الجبار؟ من أنت؟ من أنت لتقرر مصيري؟
= أنا صانع الوهم.
- دعني في حالي، دعني.
= لن أدعك وسترى. أتيتُ لأتفاهم معك لكنّك عنيد. القصة قصّتي. أنا أقرر في الحبكة والقفلة ونسيج القصة. سأقفز فورًا خارج النص وأتابع كما يحلو لي.
- انتظررررررررررر...
تبعثرتِ الصّرخة، واصطدمتْ بجدار من ورق.
جلس الراوي أمام الحاسوب بعدما استلّ من جيب معطفه صورة أنثاه. شعر كأن دمعة ندية هطلت من عينها على وجنته. أسبوعٌ مرّ ولم تسأل ولم يسأل. خطان متوازيان ظلاّ. لا أحد يود أن ينكسر، لكنه أدرك أنه ظلمها حين سعى جاهدًا لكبح جموحها. ما كانت السُّنونوَّة لتسجن داخل قفص. سيكون تغريدُها كئيبًا، وقد تذوي حسرةً. هي أنثى الريح، وهو حاول أن يجمع الريح في قمقم!
راحتْ أناملُهُ تستعجلُ عزفَ الحروفِ على لوحةِ المفاتيحِ، ومع كلِّ حرفٍ كان يستعيدُ ملمحًا آخر من وجه الغجريَّة العاشقة؛ أنثاه.



(2005)













----------------------------------------------------------



كلّ شيءٍ صامت



كلّ شيءٍ صامتٌ، والهاتفُ يحدّق بي كأنّنا خصمانِ على أرضِ معركةٍ. كلانا يخطِّط للّحظة الحاسمة. أخال أنّي سأتمكن منه بالضربة القاضية. يترنح. يولول. يئن. يرنّ.
أستعيدُ زرقة البحر. أرفع السماعة وأنا أخطّط كيف سأبادره بالعتاب.
- ألو.
تسقطُ الخيبة في بئر القهر. أتكور كقطة في الزاوية المعتمة وحيدة، وحيدة، والانتظار أفعى تلتفّ ببراعة حول عنقي.
تراني أعتذر عن (غيرة لذيذة) كما يطيبُ له أن يصنّفها؟ يرتفعُ صوته من أتون الذاكرة: "أحبّيني من خلال حبّي للآخرين".
أأخبره أنّي عاجزةٌ عن فهمِ منطقِهِ لأنّي ببساطة لا أفهم سوى كوني أحتاجه أكثر من الآخرين، وأني أحنّ إلى خبز صوته، وماء نبضه، وعطر اهتمامه بأبسط أموري. أحبّه بسذاجة فراشة، وبراءة وردة، ودومًا أشعر أنّه بعيد، بعيد. هو أبعد من موج البحر. تراني أبادر أنا بالاتصال؟ بعثرتُ ما في حقيبتي فوق الأرض. لم أعثر إلا على بضع أوراق مالية، لمحتُ خلف كلّ منها فاتورة الكهرباء، وفاتورة الماء والهواء، والقسط الجامعي، ووجه الطبيب، والصيدليّ، ويد البقال، وبائع الخضار، وابتسامة سائق الحافلة العجوز.
شعرت بدوار، وسرت قشعريرة باردة في أطرافي. اكتسح الضباب الأفق. عادت نظراتي تترنح بين عقربيّ الساعة المصلوبة فوق الجدار والهاتف الأسود. سيتصل. لن يتصل. سيتصل. لن. وقعتْ الزهرية عن المنضدة. تناثرت الشظايا. آخ! ألم يخبرني أنّ رصيد هاتفه نفدَ، وأنّه ينتظر راتب الشهر القادم بفارغ صبر.
* * *
مرّ يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء وأربعاء آخر وآخر. نفدتْ شُحناتُ الانتظار. ذَبُلُ الفرح. لم أعُد أجدُ لغيابه أيّ مبرر بعدما كحقيبة مجهولة الهويّة على الرصيف ألقاني، ومع النهر سار بعيدًا، بعيدًا.
* **
تناولتُ الجريدة. دهمني التاريخ المدوّن أعلى الصفحة؛ أليس اليوم الذكرى السنوية للقائنا الأول قبل أن يصرَّ على السفر إلى الخليج للعمل من أجل بداية تليق بحلمنا؟!
دونما مقدمات تثاءبَ الهاتف عن يميني. تلقفتُ السمّاعة. حاصرني صوته من الجهات الأربعة كالبشارة, كالنبوءة: حبيبتي!
حاولتُ أن أنبس بكلمة، لكنّ حلقي اصطاد كلّ الكلمات. كرّر بعصبية: حبيبتي..حبيبتي، ثمّ همس بذبول: والدتك في البيت؟
* * *
غاب صوته خلف الحواجز، خلف الأسلاك الشائكة والغابات، وارتفع العوسجُ أعلى من سياج الحديقة.



(2006)














-----------------------------------------------------------



زُرقةُ البَحْر



على صخرةٍ ملساء في البحر كان ينتظر. ينظرُ في الساعة. يراقب الأمواجَ وينتظر. هبّ نسيمٌ. تمايلت الأعشابُ نحو البحر وأنا أسير نحوه. كان في عينيه وميضُ عتابٍ لم تكشف عنه الحروف. تلقَّفَ يدي. صرتُ جنينًا في رحمٍ دافئ. أمطرني بالسؤال المنتظر:
- ماذا قررتِ؟ أترضين برجل مثلي؟
= أرضى.
= متأكدة؟
رحتُ أراقب الأمواج وهي ترتطمُ بالصخور وتتقهقر كأنها لم تكن. هذا الرجل لا يدري أنّه البحرُ وأنّي السَّمكة!
عاجلني بسؤالٍ مُتوقَّع:
- ما الذي جذبكِ إليّ وأنتِ الشاعرة التي يتمناها كلّ الرجال؟
حدَّقتُ في عينيه ورحتُ أرتّل عن ظهر حـُبّ:
= أنت الأصلُ، وهم أشباهُ رجال. فيكَ من البحر زرقته، ومن الأشجار خضرتها، ومن النسيم رقّته، ومن السماء قدسيتها، ومن الزهور أريجها، ومن الليل غموضه، ومن الطيور تغريدها، ومن النمل صبره، ومن النحل حكمته، ومنـِّي جُنونِي.
ذابَ الجليدُ المتراكمُ بيننا. اتـَّسع البحرُ. وقف فوقَ برج المراقبة وانتظر لحظةً حاسمةً ليُصوّبَ بندقيةَ النقدِ نحوي فيصطادني في لحظةِ ضعفٍ:
- الحياة ليست قصيدة كما ترينها أنتِ. أنظري إليّ بموضوعيّة. أنا رجلٌ معطوب. رجلٌ بذراعٍ واحدة. هل بإمكانك أن تحبّي رجلاً بذراع واحدة للمنتهى؟
فجأة تذكَّرتُ أنّه بذراع واحدة. لم يشغلني قطّ أمر كهذا لأنّي لا أرى أن خللاً بيولوجيًّا ما، يعيب على أيّ "كيان". بإمكانه أن يكون مسكني وسندي حتى لو كان بذراع واحدة. متى يدرك الرجل أنّ الأنثى تحتاجُ أن تكونَ مِحْورَ حياتِهِ؟ الجسد يتوّج العلاقة العاطفيّة بإكليلٍ من غار، ويصهرُ كيانين في بوتقةٍ واحدة، لكنّ جسدًا بلا قلب كنهرٍ بلا ماء.
تملَّكتْنِي رغبةٌ في أنْ أوجِّه له السُّؤال ذاتَهُ: لو كنتُ أنا بذراع واحدة أكنتَ تتقبَّلُني؟ لكنّي أحجمتُ عن المغامرة اللغويّة خوفًا من العواقب النفسيّة. بغتةً أطبقَ كفّتَي يديهِ على كفة يدي. كسُنونوَّة داخل قفص صرتُ، لكن هذا القفص.. آه كم هو شهيّ! عاد يجلدني بالسؤال ذاته:
- شهرًا كاملاً غبتِ عنّي، لأنِّي بذراع واحدة؟!
= لا. الحقيقة أنّي أردتك أن تتأكد من مشاعرك نحوي، ومن قيمتي لديك، ومن معنى وجودي كرفيقة درب لك.
- أتأكد؟!
= تتأكد أنّي لن أكون ورقة شجر تذهب مع الريح كأنها لم تكن.
- أنتِ؟ مستحيل أن تكوني ورقة شجر. أنتِ قلبي. تفهمين ما معنى أن تكوني قلبي؟
ارتفع صوتي من بئر الرُّعب:
= أخشى أن تطعن هذا القلب في لحظة ضعف.
- أنا أطعن قلبي، كيف؟!
= تطعنني بالغيرة.
- الله يسامحك.
= أو بالظنون.
- الله يسامحك.
= تحتاجني (شهرزاد). تهمشني، ترفضني، تلغي كياني.
ذبُلَ صوتـُهُ وهو يقول بانكسار:
- كل هذه الاتهامات لي أنا؟! ألم أقل لكِ "الحياة ليستْ قصيدة". عليكِ إذًا أن تتأكدي مَنْ أكون، ومَنْ تكونين بالنسبة إلي قبل أن تقرّري.
= هذي اتهامات لكلِّ من مرَّ في حياتي من أشباه رجال.
- وأنا من ضمن أشباه الرجال؟
= أنتَ الأصل، لكني أخشى على مشاعرك أن تذبل مع تبدّل الفصول. أليس هذا حال كل العلاقات العاطفيَّة من حولنا؟!
- حين تتأكدين أنَّ عشقَنا سيكونُ دائم الخضرة نعود لنتكلم.
أيقظتني نغمةُ الحُزنِ التي طغتْ على صوته. رحتُ أتملَّى من ملامحه. انصهرتْ مشاعري، فرحتُ أعترفُ للكاهن الماثل طوعَ قلبي:
= من شهور هاجرتْ روحي إليكَ. تآلفت مع روحك. وأنتَ، أهذا ما يعتريك من أمواج عاطفيّة؟
- لا أحتاج أن أعترف.
= وأنا لا أطيق المراوغة. قلها: "أحبّكِ"، كي تحملها الريح إلى الورود فتزهر، والأشجار فتثمر.
- قد تغيِّر ُالريح اتجاهها فجأة أما القلب فلا.
= أعشقُ هذا الدِّماغَ الصَّلب.
- وأنا أذوبُ في نوبات جنونك يا شاعرتي الجميلة. هاتي رأسك المدجج بالأسئلة ليرتاح فوق صدري.
= لو تدري كم أفتقدك!
- تعالي يا عمري، تعالي.
= هل بإمكانكَ استيعابَ أحزاني المزمنة؟
- إن كنتُ قادرًا على استيعابك أنتِ كلك، ألا أستوعبُ جزءًا من الكلِّ؟
= هل تحتمل وخزَ الأشواكِ وأنت تقلعها من صدري؟
- هذي شهوة قلبي.
= تعاهدني؟
- أزيل كل أشواكك، وأعمّدُ كلَّ جرحٍ بقبلة.
= إذًا، دعني أقتحم بحرَكَ لأغرقَ.
- لن تغرقي.
= كيفَ لا؟
تصاعدَ بخورٌ كثيفٌ من حولنا. أبصرتُ حورياتٍ تصعدُ إلينا من بين الأمواج الهائجة وهي تحملُ شموعًا مُضيئة. انفتحتْ السماءُ فرأيتُ ملائكةً ترفرفُ وهي ترنمُ: "على الأرضِ حُبٌّ وفي العُلى مَسَرَّة".
ضمَّني إليه برفقٍ. استدعى فراشاتِ الحقول كي تُوقِّعَ على العهدِ معنا وهو يعترفُ بخشوع:
- لأنَّ البحر يحبُّك كثيرًا، لن يسمح بابتلاعك!


(2007)












-----------------------------------------------------------



شَغبُ الأسئلة



أضعُ الفاصلةَ قربَ الفاصلة، فتَأخُذاِني إلى متاهة السؤال: من أنا؟"
لو افترضتُ أنَّ النصَّ هو نسيجُ الكتابة، مَن أكون أنا من بين الذوات الأدبيّة الأخرى؟ أتأمّلُ علامات الترقيم الواحدة تلوَ الأخرى. تراني هذهِ (،) أم هذي (!)، أم تلك (:)، لعلّي تلك (.).
من زاوية لوحة المفاتيح (الكيبورد) السُّفلى يتصاعدُ صوتٌ بكبرياء: أنا هنا. أنتِ أنا.
أبحلقُ فيها. أهتفُ بذهول: أنتِ؟
تجيبُ ببرودٍ: صديقتي، لمَ لا أكون؟
وتتابعُ بخشوع: أليستِ الكتابةُ فنَّ طرحِ الأسئلة؟ فلسفةُ البحثِ عن الذاتِ والآخر؟
أتمتمُ بخنوع: ربَّما.
تتقاذفها موجةُ قلقٍ تطرحها على شاطئي. تتربَّعُ فوقَ الرّمال فأتربّعُ أمامها. تبعثرُ بطاقات الأسئلة بيننا. تنتقي إحدى البطاقات وتقرأ ما عليها: لمَ تكتبين؟
تتقاذفني موجةٌ من الحيرة. أتمالكُ فوضايَ. تزدحمُ الأفكارُ في رأسي. أهتفُ: أكتبُ لكي أدقَّ مسمارًا فوق حائطِ المسكوتِ عنه.
يخفتُ صوتي قليلاً وأنا أتابع: أنا أكتبُ لا لأقاتلَ (نيرون)، أنا أكتبُ كي أكون.
- هذا هو القلقُ الإيجابيّ الذي يسيّرُ أشرعةَ النصّ.
= فعلاً.
- وهل تملكين ألا تكتبي؟
= لا خيار لي في أن أكتب أو لا أكتب.
- لمَ؟
= الكتابة تفرض حضورها وشروطها ومخاضها عليّ. تسيّرني وتأسرني، وتتملك كلَّ حواسي إلى أن يولد النّص.
صمتتْ برهةً ثمّ تابعتْ:
= لكنّكِ تملكين خيارات أخرى.
- أيّ خيارات؟
= أكونُ أو لا أكون. أكونُ، أو كيفَ أكون.
- لا أفهم!
حدجتني بنظرة، ومع هذا احتفظت بهدوئها الوقور وهي تقول:
= حسنًا، سألقي بعض الضوء على هذي النقطة: أنتِ تملكين خيار "كيـفَ"، وتكتبين لأنّ الكتابة عطيّةٌ مباركة، نعمةٌ استثنائيّة خصّها الله بالمختارين، لكنّ الكتابة كالنبتة تحتاجُ إلى ظروفٍ ملائمة كي تنمو.
أخذني كلامها إلى قمة الذهول. من هناكَ أعلنتُ: فعلاً، الكاتب مسؤول عن صقلِ موهبته.
حينَ لاحظتْ صمتي، واصلتْ:
= وأنتِ مَن يملكُ خيار "مَاذا" تكتبين؟
على الفور أجبتُ:
- كيفَ أملك خيار ماذا أكتب، والكتابة تفرضُ ذاتها عليّ كما يفرض المطر ذاته على البساتين؟
حدجتني بنظرة تخللتها ابتسامةٌ باهتة وواصلت قولها:
= قد تغرفينَ من وَعَنِ الذاتِ. تجمِّلينَ الحقائقَ أو تشوهينها كما يحلو لمزاجيتك في لحظة الخلقِ تلك فيكونُ النصُّ ابنَ النزيف، وقد تغرفينَ من وَعَنِ الآخر، وهذا يتطلبُ وعيًا ووقتًا كي تختمر التجربة. هذا الوجع الجماعيّ كفيلٌ في أن يزفّ النصّ لأكاليل الخلود.
تملّكني شعور أنَّ المحاورة بيني وبين "علامة السؤال" هذي مغموسة بحبر سقراطيّ. أصختُ السّمعَ للأسئلة التي بدأتْ تتزاحمُ بشغبٍ في رأسي. شعرتُ بالحرجِ وهي تطرحُ عليّ سؤالها:
= لو افترضنا أنّ الرسمَ هو صورة / نصّ بالخطوط، فهل بإمكاننا اعتبار الكتابة صورة/ نصّ بالحروف؟
- لا أعرف!
= أعطِ مجالاً للفكرة أن تختمر في رأسك.
- حسنًا.
أبحرتُ مع الفكرة بعيدًا بعيدًا، وعثرتُ على مكمنِ الضعف، فأتيتها بالسؤال:
- لو افترضنا أنّ الكاتب يلتقطُ الصورة كما هي، ألا تهمّشُ هذي الفكرة وجوده ككيانٍ يحملُ من الأفكار، والآراء، والمشاعر الكثير ممّا يخوِّلُهُ حقّ التّعبير عمّا يقومُ بنقله؟
أجابت على الفور:
= التقاط الحدث بحدِّ ذاتهِ فيه من الذاتيّة الكثير. أليسَ الكاتب هو من يقرر أيّ الصور يلتقط؟ هنالك من يلتقط صورًا عاطفيّة، وهنالك من يذهب إلى المدى الأبعد فيلتقط نملة، نحلة، بتلة، حبّة رملٍ، غيمة، ... فيسلّطُ الضوءَ على وجع أحد هؤلاء المهمشين ليفضحَ مكائدَ العتمة.
صمتُّ برهةً، ثمَّ باغتـُّها بالسؤال:
- ماذا عن الحلول؟
صوبَّت أنظارها داخل بؤبؤَي عينيّ وأعلنتْ:
= النصّ الجيّد لا يطرحُ الحل، إنما يلقي حجرًا في بئرٍ راكدةٍ، ويتركُ الماءَ يستوعب الدوائر، والحجر الذي يأتي بدوائر أكثر هو ذاكَ الذي لا يجاملُ ولا يتجمّل.
أرخيتُ كتفيّ وهي تسـْتأذِنُنِي بالانصراف. سألتها أن تعود ذات نصٍّ كي نُعـَاودَ ممارسةِ شغبِ الأسئلة. ابتسمتْ برضًا ومضَتْ إلى الحقولِ تلتقطُ السنابلَ، وتطاردُ الفراشاتِ، وتشاكِسُ فزّاعاتِ الطيور، وتقودُ الغيومَ إلى الأفقِ المطرزِ بأقواسِ قـُزَحٍ لذيذة.



(2008)












-----------------------------------------------------------



في انتظاره



على مهلي أسيرُ. تتمايلُ أغصانُ اللبلابِ من حولي. لم أعُدْ تلكَ الطفلة ابنة العاشرة التي التهمَ الصّيادُ جدّتها. ها أنا أعودُ إلى الغابة بحثًا عنه. ترافقني تعاويذُ أمّي وتوصياتها في أن أحذر من مَكره، وأن لا أسلك الطريق المختصر، وأن أتجنب الإغواء.
أنتظرُ..
وأنتظرُ...
لعلّه يراقبني عن كثب؟!
يجب أن أُحْكِمَ الخطّة للإيقاع بهِ فريسةً سهلةً للإغواء الأنثويّ. ما أغبى الرجال! إنّهم يقعون في فخّ الأنوثة راضين مرضيين. القلائل منهم مَن يجذبهم في الأنثى الجوهر لا المَظهر، أمّا أغلبهم، عندما تطرح عليهم السؤال: "ما الذي يعجبك في تلك الأنثى؟"، يأتونك بالإجابة المُعلبة المتوقعة: "جمالُها".
أنتظرُ..
وأنتظرُ...
تراهُ يتعقبني؟! ينتظرُ اللحظة الحاسمة كي ينقضَّ عليّ ويلتهمني كما التهمَ جدتي قبلَ ما يُقارب العشر سنوات، حينَ نجوتُ من بين براثنه بأعجوبة إذ صرختُ صرخةً أيقظتْ أُسودَ الغابة ففرّ كالصّرصار هاربًا.
أنتظرُ..
وأنتظرُ...
آهٍ كيف ظلَّ الجرحُ مفتوحًا على مصراعيّ الألم؟ وككلّ ليلة جررتُه إلى أحلامي، فكان كفيلاً بتحويلها إلى كوابيسَ كفيلة بإيقاظي على شهقات ودموع. آهٍ كيف قهرني ذلكَ الرجل حينَ أتاني وأنا في طور الطفولة، في هيئةِ صيّادٍ محترف. ها أنا آتيهِ ممتلئةً بنعمةِ الأنوثة كي أقهره.
أنتظرُ..
وأنتظرُ...
أسمعُ صوتَ خربشَاتٍ من خلفي. أتسمّرُ مكاني ويتسمَّرُ الرعبُ في عُروقي. تزدحمُ رائحةُ عَرَقٍ آدمِيٍّ في أنفي. أتصنّعُ قطفَ الزعتر البريّ. يتمطّى ظلُهُ أمامي. أرتعدُ. أتماسكُ. يجب أن استعيدَ توازني. إن لم أقوَ عليه، سيقوى هو عليّ. آهٍ أيّها الصّياد الماكر، العِبرَة لمَن يضحكُ في الآخر!
أنتصبُ بدلالِ أنثى الغزال. أستديرُ للخلفِ. ها نحن كخطّين متوازيين نقفُ. يحدجني بنظرةٍ ثاقبة. أتمسّكُ بالدلالِ كطوقِ نجاة. أرفعُ رايات التحدّي. آهٍ أيّها الخبيث، ما جئتُ أناطحُ طواحينَ هواءٍ. أنتَ خُبزي. لقد دفعكَ اللهُ إلى يدي. سألتهمُكَ لقمةً واحدةً قبل أن تجرُؤَ على الاقترابِ مني. معَ لحمِكَ ودمِكَ سأبتلعُ ذاكرتي المتخمة بأشباحِكَ.
أنتظرُ..
وأنتظرُ...
أرتدي الرّقةَ كحجابٍ يقيني من مكره، وأستدعي الجنود الاحتياطيين للأنوثة. يحتفظُ بهدوئه ونظراتِهِ الثاقبة. تتلبسني (دليلة) فأخالُهُ (شمشون)، وأشرعُ في لعبةِ الإيقاع به عن طريق كشف سرّ قوَّتِهِ. أستدعي مكرَ (شهرزاد) في الليلة الأولى من الحكاية، وأبادره بسؤالٍ ملغوم:
- مَن أنت؟
يرتفعُ صوتُ خريرِ مياهٍ كثيرة وهو يقول:
= مَنْ أنتِ وعمّن تبحثين؟
لفتني التجاعيدُ التي اكتسحتْ خريطةَ وجهه طولاً وعرضًا.
- أنا (دليلة)، وجئتُ أبحثَ عنك.
يفورُ الدّمُ في عروقِ رقبتِهِ. يصبحُ صوته كالثور الهائج وهو يسأل:
= عني، تراني أعرفُكِ؟!
- تعرفني.
= أعرفكِ؟!
- بلى، كما تعرفُ الأمّ رضيعها، تعرفني.
يتَّسعُ بؤبؤا عينيه. يتراخى حنكُهُ الأسفل. أستدعي كيْدَ (شهرزاد) وأنا أهمسُ:
- ألا نذهبُ إلى مكان آمِن لنتحدث؟
يهدأ النبضُ في عروقه. تهبطُ تلك العَظْمة المنتصبة في منتصف رقبتهِ.
يسيرُ أمامي بخطواتٍ حذرة. يقتحمُ كهفَ الجدّة. ياااااااه! هنا اكتملَ مشهدُ العنف الدمويّ. هنا سأقتلُكَ لأحيا. يسألني إن كنتُ أرغبُ باحتساءِ الشَّاي السَّاخن فأوافق. الماء يغلي، والدَّمُ يغلي في عروقي.
أنتظرُ..
وأنتظرُ...
أنتظرُ اللحظةَ الحاسمة كي أقضي عليهِ. حينَ يقتربُ ويطأطئ رأسه واضعًا الشَّاي السَّاخنَ أمامي، سأتناولُ تلكَ العصا وأضربه ضربةً قاضية، وأمضي عائدة إلى حضنِ أمّي بسلام.
اقتربَ، رأيتُ في عينهِ دمعةً سرعانَ ما تلألأت فوقَ خدّه. إنّه يبكي! أيعقلُ أن يبكي ماكرٌ كهذا الصيّاد المحترف؟! تراهُ فقدَ قوّته مع الأيام وصار مجرد رجل على إثم بعدما كان رجلاً على اسم؟!
رقَّ قلبي. تملكتني رغبة في أن أعرف سرّ تلكَ الدمعة. فكَّرتُ كيفَ عساني أستدرجه ليفضفض مكنوناتِ قلبه. هرعتُ أسأله:
- تراكَ تعاني من العُزلة في كهفٍ كهذا وسط الغابة؟!
على الأرضِ أمامَ حذائي جلسَ. هو فريسةٌ سهلة الآن. بإمكاني أن أتناول تلك العصا عن يميني وأنهالُ على رأسه بالضربات القاتلة. دفنَ رأسَهُ بين كفّيهِ وراحَ ينشجُ كما لو أنّه طفلٌ فقدَ حضن أمّه. رقّ قلبي أكثر. تملكتني رغبة في مواساته. تنبهتُ إلى أنه عدوي والعدو كيف له أن يصبحَ صديقًا؟!
أنتظرُ..
وأنتظرُ...
أتناولُ منديلاً وأمسحُ الدمعَ الذي بللَ قدمي وخفّف من حدّة حقدي الدفين. ارتفعَ صوتُ الهدير ثانية، لكنّه جاء متضمخًا بنبراتِ الأسى:
- تلكَ الطفلة تطاردني أشباحها منذ سنوات. تلكَ الطفلة قهرتني. تلكَ الطفلة صرخت فأيقظت الإنسان فيّ وقضت على طبيعة الذئب التي كانت تتملكُني. تلكَ الطفلة بكتْ فأطلقتْ النسرَ في عروقي. حررتني من سلاسل العبودية. انكسر الفخُّ ونجوت. أطلقتني في فضاءِ الحريّة. تلكَ الطفلة، آهٍ، تلكَ الطفلة كم تُشبهُكِ!
* * *
تجمَّدَ الألمُ في عروقي. تراختْ كلُّ عضلاتي المتشنجة. سقطتْ صورةُ (سالومي) التي سَعتْ من خلال رقصةِ إغواء لقطعِ رأسِ (المعمدان).
آهٍ (هيروديّا)، الذئبُ في حضني يحتضر.
آهٍ أمّاه، لن أقوى على قتله. دموعُهُ تُطلِقُ الغفرانَ في دمّي. دموعه تمحو الوصمةَ من ملفِّ الذاكرة. ها الرجلُ الشرسُ يتقلصُ أمامي، ولا أرى إلا طفلاً بريئًا يحتاجُ بعضَ الطبطبة. ها ماردُ الألم يتحرر من القمقم، والفراشاتُ ترفرفُ من حوله، والطيورُ تغرّدُ، وأنهاري تجري حثيثًا نحو البحر غير عابئة بالحصى المتراكم في مجراها.
آهٍ أمّاهُ،جئتُ أصطادُ هذا الرجل، فإذا بهِ بدمعةٍ صادقةٍ واحدةٍ يصطادُني.



(2009)








----------


سيرة ذاتية


ريتا عودة
شاعرة وقاصّة ومترجمة
من مواليد النـّاصرة
29-9-1960

* حاصلة على شهادة اللقب الأول في اللغة الانجليزية والأدب المقارن.
* تقوم بتدريس اللغة الانجليزية في المدرسة الثانوية البلدية في الناصرة.
* حصلت على المرتبة الأولى في مسابقة لكتابة قصيدة الهايكو على مستوى العالم.
* حصلت على المرتبة الأولى في مسابقة "الهيجا" على مستوى العالم.
* تملك موقعا على الشبكة الإلكترونية: http://ritaodeh.blogspot.com
* تمت ترجمة نصوصها إلى العديد من اللغات عبر شبكة الإنترنيت.

صدر لها :
(الضغط على اسم الديوان ينقلك الى الديوان)



ثورة على الصّمت-1994
1994 - وزارة الثقافة والمعارف- الناصرة


*مرايا الوهم
1998- المدرسة الثانوية البلدية –الناصرة


*يوميات غجرية عاشقة
2001 – دار الحضارة – القاهرة


* ومن لا يعرف ريتا
2003- دار الحضارة – القاهرة


*قبل الإختناق بدمعة
2004 - دار الحضارة – القاهرة


*سأحاولكِ مرّة أخرى
بيت الشعر الفلسطيني - رام الله- 2008


*أنا جنونك-مجموعة قصصيّة
بيت الشعر الفلسطيني - رام الله- 2009





مجموعات الكترونيّة:

بنفسجُ الغربـــَة 2008-رواية قصيرة

طوبى للغرباء-رواية قصيرة-2007


سيمفونية العودة 2010-رواية




SIGN MY GUESTBOOK
رأيـــُكَ يـَهمـُّــنــــِي


هناك تعليق واحد: