أهلا بك في مدينة أحلامي !

ريتا عودة- شاعرة وقاصّة ومترجمة.من مواليد النـّاصرة,29-9-1960.حاصلة على شهادة اللقب الأول في اللغة الانجليزية والأدب المقارن. تقوم بتدريس اللغة الانجليزية في المدرسة الثانوية البلدية في الناصرة. حصلت على المرتبة الأولى في مسابقة لكتابة قصيدة الهايكو على مستوى العالم. حصلت على المرتبة الأولى في مسابقة "الهيجا" على مستوى العالم. تمت ترجمة نصوصها إلى العديد من اللغات عبر شبكة الإنترنيت.صدر لها :*ثورة على الصّمت-1994/1994 - وزارة الثقافة والمعارف- الناصرة .*مرايا الوهم-1998- المدرسة الثانوية البلدية –الناصرة. *يوميات غجرية عاشقة/ 2001 – دار الحضارة – القاهرة. * ومن لا يعرف ريتا 2003- دار الحضارة – القاهرة . *قبل الإختناق بدمعة 2004 - دار الحضارة – القاهرة. *سأحاولكِ مرّة أخرى- بيت الشعر الفلسطيني - رام الله- 2008. *أنا جنونك-مجموعة قصصيّة/ بيت الشعر الفلسطيني - رام الله- 2009.*مجموعات الكترونيّة: *بنفسجُ الغربـــَة 2008-رواية قصيرة.*طوبى للغرباء-رواية قصيرة-2007 .*سيمفونية العودة 2010-رواية. * براعم الحلم- قصائد هايكو ، 2006


السبت، 2 أكتوبر، 2010

رواية: "سيمفونية العودة" ،2010


Short Novel
"Symphony of Return"
Rita Odeh
2010


ريتـا عودة
رواية:
"سيمفونيّة العودة"
2010



(اللوحة للمبدعة أميّة جحا)


سيمفونية العودة

المشهد الأول


1
العشق..!!ما العشق..؟!تراهُ تلك اللحظة الخالدة لإلتقاء توأميّ الروح، حين يأتي كلٌّ من طريق ويذهب كلٌّ من طريق، أسير ذاكرة من رحيق، إنّما حرٌّ طليق..؟!
أحدقُ في الرسالة. حروفها ليست ككل الحروف. هي فراشاتٌ ملوّنة.. ترفرفُ من حولي:

" ما زالَ آدم يبحثُ عن حوائه هنا وهناك، دون أن يفطن أنها داخل ضلوعه مقيمه. لا يكون العشقُ عشقا إلا حين تكتملُ الدائرة بعودةِ حواء إلى القفص الصدريّ لآدم.. حيثُ الحنان.. حيثُ الأمان."

*


كلماتها معزوفة رقيقة شفافة، لامست شغافَ قلبي. سأشقُّ صدري لأعيد حوائي إليَّ. فمتى...؟!!
المجنونة، تخطط للعودة اليّ .
ألا تدري أنها تسكنني..؟!
ألا تدري أنها الأصابع البيضاء لبيانو حياتي، وأنها منذ غادرتْ جنوني .. وسمفونية حياتي لا تعزف الا النغمات الكئيبة..!
ألا تدري أنّ الحبّ لوحة سريالية، نحن ألوانها والمعالم..؟!
ألا تدري أني البحر وأنها كما النهر ستظل تتدفق بصمت إليَّ، وإن اعترضَ مجرى الحبّ بعض الحصى.
كما الحلم اقتحمت وحدتي وغربتي ووجعي..
كما الحلم غادرت مع نسائم الصباح ومطلع الشمس..
كم طاردني وجهها عبر المرايا والحكايا..!
كم تملكتني رغبة باطلاق رصاصة الانتقام على ذاكرتي المعطوبة، فكنتُ أطلقُ الرصاصة على رأسي أنا.
أحبّها وأشتهي نسيانها.
تضجُّ الذاكرة بها.
حبيبتي ..!
هي الوردة ُ التي أنا عطرُها..
من شرق ِ الشوق كما الحلم ِ أتتْ ، ومن غروبه مع المغيب غابت ولمّا تعُدْ..
عادت حروفـُها في رسالة أتت بها سنونوة اقتحمت فتورَ غربتي.
زقزقتْ ، ثمَّ ألقتِ الرسالة المختومة بشمع ِ الحنين َِ.. وفرّت خلف التلال.. خلف الأفق.. خلفَ أقواس قزح الانتظار.

*

ذات قدر ..
رأيتها.
على طول شاطئ الحرمان كانت تسيرُ.
وقعتُ أسيرَ الدلال في خطواتها..
غرقتُ في بحرأنوثتها طوعًا لا اضطرارًا..
لكنَّ الحبَّّ أتى أكبر من كلِّ القوالب،
فاندلقَ ....
كلما كان الحبُّ أكبر.. كانت الغيرة أعنف..
تبادلنا الاتهامات المعلبَّة..
أكلنا من أرغفة الحيرة وشربنا من مياهِ غيرةٍ غيرَ معدنيـّة فأ ُصِبـْنا بلوثة ٍ عاطفيـَّة.

*
ها نحن نعود الينا.. أكثر جنونا وأقل عنفا.!
ها حروفها نجومٌ تلمعُ في سمائي ، تشيرُ الى ولادة حبّنا في مذود العشق الأزلي.
أخيرًا.. أزهرَ لوزُ الحنين ِ فغمرَ الرحيقُ الطبيعة وأثملها..
كم كانَ طقسُ الفراق باردًا مُبرقًا مُرْعِدًا مُوْحِشًا ..!

*

ها الفردوسُ يفتح أبوابه في انتظار العَاشِقـَيْن ِ الأوَليْن.
ها الطبيعةُ ، بعودة حوائي إليَّ، تستعيدُ زمن الحبّ الأولّ.

*

طويتُ الرسالة.
تراني أكتبها كي أشفى منها ..!؟
أم أني أكتبها لأحياها على ورق..
لأخلد ذكراها وأنا أضمُّها إلى صدري..
هذي الضلعة التي أنا لها، لا لسواها ..!!
















2



"آه حبيبتي، وأنا أبحثُ عنّي وجدتك.
كنتِ حُلمي، وقد أتى الحلم أشهى من كلّ خيال. تمنيتُ لو تظلين حلمًا كي لا أفقدكِ، لكنّ كلما لمحتُ عاشقـَيْن كنتُ ِأفتقدُكِ..!!
آه حبيبتي، كَمَا تهبطُ الطّائرة على مَدْرَج ِ المطار ِ، هبطَتِِ على مَدْرَج ِقلبي، بفارق ٍ واحدٍ، أنــَّكِ لم تنتظري الإشارة.
اقتحمتِ مملكتــي كما الشَّمس.صَادرَتِ الرَّتابَة، ووَقـَّعـَتِ على جَدْوَل الأرق اليَومي..!؟
كما تولدُ الوردة من أكمامها، من رحم الحلم ولدَ عشقنا. لكن، كنتُ كلّما اقتربتُ من البحر يبتعد وفي أوج انبهاري بكِ، نفذت صلاحية الحلم..!
رحلتِ..
معكِ رحلتِ الطيورُ وأعشاشها.
كما بحثَ قيس عن ليلاهُ رحتُ أبحثُ عنكِ لأعيدَكِ لقفصي الحُلميّ.
كخطيين متوازيين كنا..
لا أحدَ يودُّ أن ينكسرَ..!
ظللتُ أحلم ...
ما كففتُ يومًا عن عزفِ سيمفونية العودة.
كيف لا، والحلم ُطاقةُ بقاء ٍ.
أمَّا هؤلاء، العاطلون عن الحُلم فما هم إلا توابيت بصمتٍ تسيرُ إلى المـَقابـِر.
كانت صدمة الفراق عنيفة، إذ كانَ حلمُ الحبِّ كبيرًا.
تراني أستطيعُ وسط هذا الفيض من الضباب والغياب والانتظار أن أجدَ طريقاً مضيئاً للعودة.؟
.للحلم بقيّة..
لا بدَّ أن تكتملَ دائرةُ العشق بعودةِ النورس لشاطئه والفارس لأميرةِ أحلامهِ، آدم لحوائه والطبيعة لجمال زمن الحبّ الأول. فتعاليَ، نبرمُ معاهدةَ تعايُش سِلمِي، معَ أرق الانتظار."



طويتُ رسالتي الأولى لها. ألقيتها داخل مغلف ورديّ معطر برائحة البنفسج ووضعتها على إطار النافذة. حتما ستعود السنونوة لتلتقطها وتأخذها إلى حبيتي التي ستكسر السدود لتصل إليّ، ستختار الهدفَ في النور، ستغلق كل نوافذ الشَّك، كي تجد غابات الصنوبر محمّلة بترنيمات العتابا، وزغاريد الفرح.








3

كمَا يَنـْسَـلُّ خيط ٌٌ من نـَسيج ِ حكاية ، من حلمي انسللتِ.
كمَا تنسحبُ شمسٌ من كبد ِ غواية، من أيامي انسحبتِ.
ذروتُ الكثير من الملح فوْقَ ثلج ِغيابكِ.
قرأتُ الكثير من مزامير الغفران على مارد صَدِّكَ.
في جَرَّةِ الصَّبـر، جمعتُ رَمَادَ رفاتِ الهيَام ِ وانتظرتُ نهاية ً أخرى للطوفـَانِْ وأنا أتلهفُ لنفض ِ خيوطِ العناكب التي ارتفعتْ كجدار عازل بيننا.


*

ذات جنون ٍ ، قمتُ باختراق أجوائك العاطفية وقصفِ الضاحية ِ الجنوبية لقلبكِ بقنابل غزل ذكيّة، مما أسفرَ عن سقوطِ بعض ِ كرياتِ الحُبّ.
في غفلة ٍ عن ماردِ الملل، صارَ الحجرُ القابعُ بين قضبان ِ صدري قلبًا ينبضُ عشقـًا فرحًا طربًا.


*

أيتها الأنثى القصيدة التي تحرّضني على التأمل، من قبل ِ أن يكونَ نورٌ، كنتكِ.. كنتني.
أيتها الأنثى القصيدة التي تحرّضني على الأمل، مع كلّ طلعة شمس، أستقبلُ تراتيلَ البحر وطيفـَكِ الذي يأبى أن يغادرَ ميناءَ الحُلم.
أيتها الأنثى القصيدة، قارورة ً في درج ِ الحياةِ كنتُ، إلى أنْ مررتِ، فحَرَّرْتِ منَ العتمة ِ عطري.

*

في البدءِ، قلتُ للحُبِّ: "كُـنْ"، فكانَ الرّبيعُ والأراجيحُ والعُطور.
وقلتُ للحُلم : " ليَأتِ ملكوتُكْ"، فـَهَوَى المشط ُ المَسحورْ
وهرولتِ إلى الفارس ِ الذي حملكِ إلى القلاع ِ والقصورْ فأذهلتِ النبلاءَ وأربكتِ ملوكَ سَالفِ العُصور. وقالَ الفرحُ: " لتكـُنْ مشيئتي"، فصرتُ النورسَ الذي جمعَ للسنونوة محاراتِ البُحور. ضاعَ المِسْكُ من حول حكاية حبِّنا فاحتارَ البنفسجُ والنرجسُ والفـُلُّ والتاعتْ بقية ُ الزهور.
ظلَّ الشّوقُ شجرة تتوَقـَّدُ.. تتوَقـَّدُ . لا تحترقُ ولا تخـُورُ إلى أنْ وقعنا كفـأرَيْن ِ هَرمَيْن ِ في مصيدة ِ الظنون، حينَ جَالَ الشيطانُ ينصِبُ لنا الفخاخَ ويوسوسُ، يوسوسُ في الصُّدورْ ..!
ظننتِ أنَّ ذاكرتي مزدحمة ٌ بأسرار نساءٍ وأزرار نساءٍ، فأعلنتِ رفضَ الانتماءِ لمدينةِ رُعبٍ كهذي.
فهمتُ أنَّ الفراقَ لا بدَّ آتٍ، فهمتُ على وجهي أقرعُ أجراسَ التوبة.


*

آهٍ حبيبتي، لمَ يكونُ مساءٌ ويكونُ صباحٌ ويحصدُ الفلاحُ أرضـَهُ وينسجُ صبيٌّ حلمَهُ، وتعشقُ أنثى هنا وتنجبُ أخرى هناك وتتناسلُ الخليقة وتكثرُ إن لم تعودي أنتِ ضلعه ً لصدري..!؟
ليتكِ إلى تربة الحلم، كحبةِ قمح ٍتعودين. ليتكِ مع فراشاتِ الربيع تعودين، كي يمتدَّ الحنينُ من بؤبؤِ العين ِ إلى فزّاعاتِ الطيور، الحقول، النمور، فأغفرُ لكِ ندوبَ الفِراق ِ الصغيرة َ منها والكبيرة.
ليتكِ تجتازينَ الأسلاك الشائكة للظنون، رمادَ الذاكرة، تعبَ الانهيار، وتأتينَ لأعمِّدَكِ في نهرِ الانبهار، من خناجر الأرق أخلصكِ وحيثُ تمضينَ أتبعُكِ، لا أتعبُكِ.

*

آهٍ حبيبتي، في غيابكِ، الكلُّ إلى زوال. أحبُّكِ، ويتحالقُ الحبُّ ورقة ورقة ً على أوتادِ المسرَّة. آهٍ حواء ، لمَ ،هذا الصّباح، في كلِّ المرايا أرَاكِ..!؟ آهٍ أيتها الأنثى الاستثنائية، هذي جراحي فاقرأيها آمِنة ً.
آهٍ حبيبتي ، ترانا كأرجوحتـَيْن ِ نكونُ، كلٌّ في اتجاه ٍ تتمايلُ، وحتـّى حينَ تستقران ِ لا تلتقيان..؟!




















4



كفاني عويلاً على حُلم ٍ مَسْكوب. سأكفكفُ دمعَي وأكتبُ الحكاية.
الحِبرُ أبقـَى منَ الحـُبّ.

*


كنتُ أنظر حولي فأرى كل ما في الطبيعة من بهائم وطيور السماء وجميع حيوانات البريّة اثنين اثنين، فأشتهي أن يكون لي معينًا نظيري.
وأتيتِ...
في حلم ٍ رأيتكِ، وحين فتحتُ عينيّ كنتِ قد تجسدّتِ.

*


سمعتُ صوتَا يقول:" ليس جيدا أن يكونَ آدمَ وحده. فأصنعَ لهُ معينًا نظيرَهُ." . ورأيتُ يدًا تأخذُ واحدة ً من أضلاعي، وتملأ مكانها لحمًا ثمّ تبني الضلعَ التي أخذتها مني امرأة وأحضرتها إليَّ ، فقلتُ:" هذه الآنَ عظمٌ من عظامي ولحمٌ من لحمي. هذه تـُدعَى امرأة لأنـّها من إمرءٍ أخذتْ."

*


مع بزوغ أولى أشعة الشمسِ على القصر أتيتِ.
فتحتُ عينيَّ وأنا أتحسسُ موضعَ ألم ٍ في صدري.
لم أصدّق ما أرى..!!
يا لبهاءِ طلـِّتك، يا لروعةِ حضورك، يا للأنوثة تشعلُ الحرائقَ في دمّي، يا لجاذبيتك كأنك مغناطيسٌ وأنا قطعة معدنيّة تسيّرها شحناتُ الدلالِ في عروقك..!!
ضممّتُكِ إلى صدري وأنا أهمسُ في أذنكِ: " أنتِ لي.".
وغرَّدَ صوتكِ: وأنتَ لي.
فاسترسلتُ: أسميكِ حواء بل أسميكِ حبيبتي ، وأتوِّجُكِ ملكة ً على عرش أفكاري وحواسي وكلّ ما لي.

*


تتالت أيامُ النعيم ِ ونحنُ نسودُ على كل ما حولنا في قصر أبي، وحبّه يغمرنا بفرح ٍ لا ينطق وسلام غير عاديّ. ثمَّ، سافرَ أبّي في رحلة ٍ مفاجئة وأوصاني أن أذكـِّرك بوصيته الغابرة في أن تمتد أيدينا إلى كلّ ما في القصر، إلا دُرْج المكتب في وسطِ غرفةِ المعيشة، لا تمتدُّ أيدينا إليهِ لأنّه لو امتدّت فسوفَ نعاقبُ بالطرد.
أنذرتكِ فلم تنبسي ببنتِ شفة، إلى أن أتت ابنةُ عمّي، تلك الأفعى اللعينة، وراحتْ توسوسُ لكِ أن لا أمانَ للرجال، وأنّي أخفي داخل الدرج رسائل غرامية.
قالتْ:" أحقًا قالَ عمّي لا تمسّا كل حاجيات البيت..!؟"
فقلتِ: "كلّ حاجيات البيت متاحة ، أمّا الدرج الذي في وسط غرفة المعيشة، فقد قال عمّي: لا تمسَّاهُ لئلا تطردا من القصر."
آهٍ حبيبتي، ليتكِ كنتِ تدرين كم تكرهني تلكَ الأفعى بسبب غيرتها من حبِّ أبّي لي. كانت تدبّرُ المكائد تلو المكائد للايقاع ِ بي، لكنّها لم تتمكن منـّي يومًا لأنّي أنا الكلّ. لذلك أتت اليكِ ، أنتِ الجزء المأخوذ منّي، ولم تأتِ لي أنا.
- لن تطردا.
قالت تلك الأفعى اللعينة واسترسلت:
- عمّي عارف ٌ أن في درج ذلك المكتب أوراق تخصّ زوجكِ ، وأنّكِ لو قرأتها، ستعلمين حقيقة آدم.
ورأيتِ أنّ غموضَ ذلكَ الدُرج يستفزُّكِ فاستشطتِ غضبا وعاجلتِ بفتحهِ.
تناولتِ الأوراقَ فقرأتِ وحينَ عدتُ للقصر، ناولتني الأوراقَ فقرأتُ.
انفتحتْ أعيننا فعلمنا أنّنا وقعنا في الفخ الذي نصبته لنا تلكَ الأفعى. غمرنا الخجلُ ونحنُ نقرأ وصية أبّي في أنّ كل ممتلكاته لي ولكِ . عمّا قليل سنقفُ بمشاعر عارية أمامه. يا للخجل..!! رحنا ننسجُ الأعذارَ من أوراق تين التوبة ونصنعُ لأنفسنا مآزرَ من الندم.

*


كنتُ في الحقلِ حينَ تسللتْ تلكَ الأفعى إليكِ. عدتُ فطالعني الشقاءُ على ملامح وجهك. أدركتُ أنّكِ مددّتِ يدكِ إلى الدرج.
فجأة، وقعتُ في دوّامة من الأفكار والهواجس. تذكـّرتُ فترة َ ما قبلَ بزوغكِ شمسًا في حياتي. تذكـَّرتُ وجع الوحدة وغربتي عن نفسي ونوباتِ الكآبة التي كانت تنهشُ صحتي. تذكـّرتُ حاجتي الملحَّة إلى من يؤنسُ أيامي ويشاطرني أحلامي، فمددتُ يدي وقرأت.
آهِ حبيبتي، لقد أخبرتكِ بوصية أبّي، لكنّكِ استسلمتِ لوساوس تلك الأفعى اللعينة. بسهولة ، تمرّدتِ على مشيئة أبي.! لم تثقي يومًا أن لا امرأة في حياتي سواكِ. كانت ظنونكِ بي حالة مَرَضِيَّة. كنتِ دومًا تقولينَ أنّ الشكّ بداية اليقين فأقول لكِ بل الشكّ سوسٌ ينخرُ حبّنا.












5


سمعنا صوتَ أبي ماشيًا في الحديقة عند هبوب ِ ريح ِ النهار، فاختبأنا من وجههِ في وسطِ شجر الحديقة. نادى أبّي:
-آدم أينَ أنت..؟!
قلتُ:
= سمعتُ صوتـَكَ في الحديقة فخشيتُ. لأنـّي خجلٌ منـّكَ اختبأتُ.
قالَ:
-لمَ أنتَ خجلٌ..؟ هل مدَّدْتَ يدكَ إلى الدرج الذي أوصيتـُكَ ألاّ تمسَّهُ.؟
قلتُ:
المرأة التي جعلتها معي هي ناولتني الأوراقَ فقرأتُ.
قالَ لكِ:
-ما هذا الذي فعلتِ.؟
فقلتِ:
•هذي الأفعى غرَّتني فقرأتُ.
وأشرتِ إلى ابنةِ عمّي . فقالَ لها: لأنـَّكِ فعلتِ هذا ملعونةٌ أنتِ. يضعُ الله عداوة بين نسلكِ ونسلي. هم يسحقونَ رأسكِ ونسلك ِ يسحقُ عقبَهم.
وقالَ لكِ: تكثيرًا يُكثرُ الخالقُ أتعابَ حبَلَكِ. بالوجع ِ تلدينَ أولادًا وإلى رجلكِ يكونُ اشتياقـُكِ وهو يسودُ عليكِ.
ثمَّ قالَ لي: لأنـَّكَ سمعتَ لقولِ امرأتِكَ ومدَّدْتَ يدكَ للدرج الذي أوصيتـُكَ قائلا ً لا تمسّهُ، تكونُ الأرضُ ملعونة ً بسببكَ. بالتعب ِ تأكلُ منها كلّ أيام حياتك. شوكًا وحسكًا تـُنبتُ لكَ وتأكلُ عشبَ الحقل ِ . بعَرَق ِ وجهِكَ تأكلُ خبزًا حتـّى تعود إلى الأرض التي أخِذتَ منها لأنـَّكَ ترابٌ وإلى تراب ٍ تعودُ.

*


هكذا طـُردْنـَا منَ القصر. نادى أبّي على الخـَدَم ِ فأحكموا وضعَ منديل ٍحولَ عينيّ وآخر حولَ عينيكِ. انقبضَ قلبي وهم يلقون بكِ داخلَ شاحنة ويلقونَ بي داخل أخرى.
بعدَ ساعات من السفر المتواصل والهواجس، فكـّوا الأصفادَ عن يديَّ. ساروا بي قليلا. ثمَّ، دفعوني بأيديهم من خلفي.
رحتُ أهوي.
أهوي ومعي تهوي ذكرياتُ القصر.
أنتِ .
نوباتُ ظنونك.
الأفعى.
الإغواء.
السقوط في الفخ.
الشقاء.
الندم.

تطايرتْ ذاكرتي كأنّها أوراقُ تين ٍ ذابلة تذروها الرّيح ومعها تبعثرَ سلامُ القلب.

*


منذ انفصلنا جسديًا وروحيًا عن قلبِ أبّي المُحِبّ، منذ استسلمنا لوسوساتِ تلكَ الأفعى فأعلنا العصيانَ على مشيئتِهِ ، وأنا في بحث ٍ متواصل ٍ عنــّكِ.
آهٍ حواء، أينَ أنتِ الآنَ حبيبتي..!!
آهٍ أيتها المعشوقة ُوالعاشقة..!!
العاطفة ُ كرويَّة.
اذهبي غربًا وسأذهبُ شرقـًا .
لا بدَّ يومًا أنْ........................... نلتقي.























6


تخلصتُ من المنديل الذي حجبَ عني الرؤية لساعات. فتحتُ عينيّ فإذا بظلام ٍ دامس ٍ يكتنفني. أغلقتُ عينيّ وفتحتهما ثانية. كانَ النور ضئيلا واكتسحتْ أنفي رائحة ُعفونة.
بحلقتُ في العتمة فإذا بي أرى أجسادًا منحنية تتحرك في كلّ اتجاه، ومنها من كاد انفه أن يلامسَ ترابَ الأرض.
- أين أنا..؟!
حشرجَ صوتي.
لم يجبني أحد.
_ أينَ أنا ..!!
ارتفعَ صوتي بحدّة، فأجابني كهلٌ مرَّ وقرفصَ بالقرب منّي في تلكَ اللحظة:
= أنت هنا في قبضة الشرير.
-ماذا، لا أفهم..!!
= هذي زنزانة كبيرة بحجم كوكب.
-لا أفهم..!!
= إبليس رئيس هذا العَالم.
سيطرَ الرعبُ على نبرة ِ صوتي وأنا أقولُ:
-كيف..؟! أليس سلطان الله أعلى من كلِّ سلطان..!!
= بلى يا ابني.
-إذن..؟!
=الله محبّة. كما تحبُّ أنت ابنك، هكذا يحبُّ الخالقُ آدم ونسله. كما تشتهي أنت الأفضل لابنك، هكذا يريد الله الأفضلَ لكَ ولنسلك ، مع العلم أنّه لا مجال للمقارنة بين محبة الخالق للبشر ومحبة البشر للبشر. أحيانًا يخيَّلُ إليَّ أنّ الله قلبٌ كبيرٌ لا نهائيّ الحجم، يحوي كلَّ قلوب البشر منذ بداية الخليقة حتى المنتهى . سلطانُ الله أعلى من أيّ سلطان، لكنّ آدمَ تمردَّ فاستوجبَ العقابَ.
-قلتَ إنَّ إبليس رئيس هذا العالم، كيف..؟!
= وُضِـعَ العَالـَمُ في الشّرير حينَ وقعَ آدم في الخطيئة.
-كيف، لا أفهم..!!
= في البدءِ، لم يكن مرضٌ أو موتُ أو جوعُ أو أوجاع، حتّى أنّ طعامَ آدم كان من نبات الفردوس، كما جاء في سفر التكوين:
" إنّي قد أعطيتـُكم كلَّ بَقل ٍ يُبْزرُ بزرًا على وجهِ كلِّ الأرض، وكلَّ شجر فيه ثمَرُ شجَر يُبْزرُ بزرًا لكم يكونُ طعامًا."
وَضَعَ اللهُ آدمَ في جنـَّةِ عَدْن ٍ ليَعْمَلهَا ويحفظهَا. لفرطِ حبّهِ لآدم وهو الذي قالَ: " لذتي مع بني آدم"، سخرّ لهُ كلَّ ما فيها. قالَ الله:" نعملُ الإنسانَ على صورتنا كشبهِنا، فيتسلطونَ على سَمَكِ البحر وعلى طير السَّماءِ وعلى البهائِم، وعلى كلِّ الأرض وعلى جميع الدَّبـَّاباتِ التي تدبُّ على الأرض، ومنحه القدرة على تسمية كلّ ما في الطبيعة من حوله، فقد جبلَ الرّبُّ الإلهُ منَ الأرض ِ كلَّ حيواناتِ البريَّةِ وكلَّ طيور السَّماءِ، فأحضرَها إلى آدمَ ليرَى ماذا يدعوها، وكلُّ ما دَعَا بهِ آدمُ ذاتَ نَفْس ٍ حيَّةٍ فهوَ اسمُهُ.
وحينَ رأى آدم أن كل ما في الخليقة اثنين اثنين، تملكته مشاعرُ الوحدة . لقد جعلَ اللهُ آدمَ يشعر بفيمة الاحتياج لأنثى تؤنسُ وحدته وتكونُ لهُ مَسْكنــًا: "فدعا آدمُ بأسماءٍ جميعَ البهائم وطيور السّماءِ وجميع حيوانات البريّة، وأمّا لنفسِهِ فلم يجد مُعينًا نظيرَهُ". أوقعَ الربُّ الإلهُ سباتًا على آدمَ فنامَ، فأخذَ واحدة ً من أضلاعهِ وملأَ مكانها لحمًا، وبنى الربُّ الإلهُ الضلعَ التي أخذها من آدم امرأة ً وأحضرها إلى آدم، فقالَ آدم:"هذه الآنَ عظمٌ من عظامي ولحمٌ من لحمي. هذه تـُدعَى امرأة ً لأنـَّها من امرءٍ أخِذتْ." لذلك يتركُ الرَّجُلُ أباهُ وأمَّهُ ويلتصِقُ بامرأتِهِ ويكونان ِ جسدًا واحدًا.
-والشرير،كيفَ أصبحنا في قبضتِهِ..؟!
= كانت الحيَّة ُ أحيَلَ جميع حيواناتِ البريّة التي عملها الرّبُُ الإلهُ، فقالتْ للمرأة:"أحقـًا قالَ اللهُ لا تأكلا من كلِّ شجر الجنة" فقالتِ المرأة ُ للحَيَّةِ: "من ثمر شجر الجَنـَّةِ نأكلُ، وأمَّا ثمرُ الشَّجرة التي في وسطِ الجنـَّة فقالَ اللهُ: لا تأكلا منهُ ولا تمسَّاهُ لئَلا تموتا". فقالتِ الحيَّة ُ للمرأةِ: "لن تموتا!" بل اللهُ عالِمٌ أنـَّهُ يومَ تأكلان منهُ تنفتحُ أعيُنـُكـُمَا وتكونان كالله عارفـَيْن ِ الخيرَ والشَّرَّ". رأتِ المرأة ُ أنَّ الشّجرة َ جيِّدَة ٌ للأكل ِ، وأنـَّها بهجة ٌ للعيون ِ، وأنَّ الشَّجرة َ شهيَّةٌ للنظر، فأخذتْ من ثمرها وأكلت، وأعطتْ رَجُلهَا أيضًا معَهَا فأكلَ. فانفتحتْ أعيُنـُهُمَا وعلما أنـَّهما عُريانان، فخاطـَا أوراقَ تين ٍ وصنعا لأنفسِهمَا مَآزرَ.
-كيف يعقل أن نتوارث نحن خطيئة لم نقترفها..!؟
= نحن نتوارث نتائج الخطيئة الأولى. ألا تـُوْرثُ المرأة ُالحاملُ لجنينها أمراضها..؟ أن كانت تعاني مثلا من الايدز، ألا يَرثُ الجنينُ الايدز أيضًا..؟!
-لكنَّ رحمة َالخالق وسعُ السَّماواتِ والأرض، فلماذا لم يسامحْ آدم وحواء على تلكَ الخطيئة.؟!
= لأنَّ العقابَ لم يكنْ مفاجئـًا فقد أنذرهما: "لا تأكلا منه ولا تمسَّاهُ لئلا موتـًا تموتـَا". ومع هذا أعلنا العصيان َعلى مشيئته، فوقع عليهما العقاب. أليسَ هو الإله العادل المستقيم الذي ليس فيه لفٌّ ولا دَوَرَانْ..؟.
-كان بإمكانه أن يغفر ..
= عندما يخطئ ابنك ألا تعاقبه.؟! أنت تؤدبه لأنك تحبُّهُ لا لأنك تكرهه..!! تخيّل أنّك تنذر ابنك بعقاب ٍ إن سرقَ مثلا، فيسرق. ألا تترك المحكمة تأخذ مجراها فتحكم عليه وتزجَّ به في السجن..؟! بل، قد تسلّمهُ بنفسكَ للعدالة الأرضيّة بدافع تقويمِهِ. العقاب ليس تعبيرًا عن الكراهية إنما عن المحبَّة. أنت تعاقبُ ابنـَكَ لتأديبهِ وتقويم ِ سلوكِهِ. لو افترضنا أنـّكَ أنذرتَ ابنـَكَ بعقاب ٍ ولم تعاقبه، ستفقد هيبتك أمامه كأبٍّ عادل ٍ جدير ٍ بالثقة.
-أيعقل أن يتركَ الأبُّ المحبُّ ابنـَهُ في السِّجن دونما رحمة.؟!
= من قالَ أنـَّهُ أهمله أو تخلـَّى عنه..؟! لقد أعدَّ الله خطة َ الفداء
قبل تأسيس العالم لأنـّهُ كلّي المعرفة. عرفَ أنّ آدم سيقعُ في التجربة وكانَ الفداءُ الكفاريُّ مُعدًّا مُسبقـًا.
-كيف، لا أفهم.!!
= يا ابني، نحنُ هنا في سجن ٍ كبير ٍ بوسع الكـُرة ِ الأرضيّة، ورئيسُ هذا العَالم هو الشرير، لكنـّنا ننتظرُ المخلّصَ، وهو وحدهُ من يملكُ مفتاحَ هذا السِّجن. قريبًَا سيأتي ليحررنا، يفـُكَّ أسرَنا ويُعتقنا من العبوديّة ويسمينا أولادًا..
-أولادٌ..؟! حاشا لله أن يكونَ له أولادٌ.
= بنيَّ، حين تقولُ أنا ابن القاهرة ، هل معنى ذلك انَّ القاهرة أنجبتكَ. لا..! هذا يعني أنـّك من القاهرة أو تنتمي للقاهرة. هذه ليست علاقة بيولوجيّة إنما علاقة انتماء. هكذا نحن: سنكونُ أولادَ الله أي المنتمون له بالإيمان.

*


انتظارًا انتظرتُ المخلصَ أن يأتي ويحررُني من هذا السَّجن ِ البغيض. انتظرتهُ وصبرتُ له. رحتُ أهيمُ في الشوارع بحثـًا عن حبيبتي حواء وأنا أداري عن العيون الفضوليّة أوجاعَ الفقد. كانَت اللوعة ُ تغمرُ روحي وأنا أجتهدُ أن أخفي دموعًا ظلـَّتْ على مدَى الأيام تنسكبُ بحرقة ٍ لاذعة. أحيانا، كنتُ أقرفصُ تحت شجرة من أشجار الزيتون شاخصًا في اللاشئ ، يحاصرني طيفُ حواء ويـُثـْمِلـُني عطرُهَا.
فجأة، تستيقظ ُ الكلماتُ، تنفضُ عنها الغبار وتتجسد، فأناجي حبيبتي الحاضرة الغائبة:
- أين أنتِ أيتـُّها الأنثى الاستثنائية..؟! تراكِ قريبة منـِّي أم بعيدة..؟! تراكِ في هذا الكوكبِ أم في كوكب ٍ آخر..؟! تراكِ على قيدِ الحياة ِ أم ..!! آهٍ يا غالية، كما أنَّ الطفلَ بعيدًا عن ثدي أمِّهِ لا يهدَأ أو يستريح وأيضًا لا يقنع أو يشبع أو حتـَّى يعيش، هكذا نفسي نحوكِ حبيبتي. بقربكِ راحتي، فأنتِ حياتي غذائي وقوّتي فلا تتأخري في العودةِ إلى صدري.

























المشهد الثاني


1

المستقبل لأولئك الذين يؤمنون بجمال أحلامهم، وحلمي كان جميلا. من النظرة الأولى أحببته، على عكس القول المأثور: الذين أحبـّوا بقوة ، لم يحبـّوا من أول نظرة. بل أكاد أجزم أنـّني من قبل النظرة الأولى أحببته، فقد كان حلمَ كلّ فتيات الجامعة. حين كنا نتجاذب أطراف الحديث عن فارس الحلم، كانت كلٌّ منـّا تصرّح أنـّها تتمنى لها فارسًا كـآدم.

*



على الرغم من أنَّ ّزاوية الحبّ أتت حادّة، إلا أنـِّي أحبـَّبـْـتــُهُ وقررتُ أن أكونَ له الحبيبة الألصق من الأخ. لم يُخـْـفِ عنّي أنـّه فيما مضى كان على قيدِ عشق أنثى استثنائية تحملُ اسمَ:"حوَّاء". أخبرني عن نوبات الغيرة المجنونة التي كانت تعتريها. قالَ إنَّ الحبَّ كالقمر، له وجهان. الغيرة هي الوجه المُظلِم للحبّ. أخبرني عن هواجسها المَرضِيَّة في كونِهِ على قيدِ حبّ مع أنثى ما، وأنّها ظلّت تفرض منع التجول في أفكاره لأيّ أنثى سواها إلى أنْ وقعتْ ضحيَّة َ وساوسِهـَا.
انخدعتْ من الأفعى، ابنة عمّهِ، التي ظلّتْ تدبّرُ لهما المكيدة تلو الأخرى لكي ينفصلا وتنفرطُ حبَّاتُ عقدِ ذلك الحبّ الأسطوريّ. في نوبةِ غيرة مجنونة، تسللتْ تلك الأفعى من ثقب ٍ في جدار ظنون حواء. دخلتْ ثعالبُ الشَّكِّ وأفسدتْ بستانَ العشق ِ. استشاطتْ المسكينة ُ غضبًا وقد صدَّقتْ ادّعاءَ الأفعى في أنَّ آدم على علاقة مع أنثى سواها وأنـّها مسالمة ووديعة أكثر ممّا ينبغي لامرأة أن تكون. أوقدتْ حطبَ الغيرة في دماغ حواء، حيث ساحة المعركة الرّوحيّة، ثمَّ ضربتْ الضربة القاضية:
- عمّي عارف ٌ أن في درج ذلك المكتب أوراق تخصّ زوجكِ، وأنّكِ لو قرأتها، ستعلمين حقيقة آدم.
رأتْ حواءُ أنّ غموضَ ذلكَ الدُرج يستفزُّها فاستشاطتْ غضبا وعاجلتْ إلى فتحهِ.
تناولتْ الأوراقَُ فقرأتْ، وحينَ عادَ آدم للقصر، ناولته الأوراقَ فقرأ هو أيضًا.
انفتحتْ أعينهما فعلما أنّهما وقعا في الفخ الذي نصبته لهما تلكَ الأفعى. غمرهما الخجلُ وهما يقرآن وصية أبّيه في أنّ كل ممتلكاته له ولها. ثمَّ، وقفا بمشاعر عارية أمامه وراحا ينسجان الأعذارَ من أوراق تين التوبة ويصنعان لأنفسهما مآزرَ من الندم.
سارعَ الأبُ بتنفيذِ العقابِ الذي توَعَّدَ آدم بهِ. نادى على بعض الخدم وأمرهم بطردِ الحبيبين ِ خارجَ أسوار القصر وحماية طريق العودة بلهيب ِ السيوف. قامتْ شاحنتان مدججتان برجال ٍ جبّاري بأس ٍ بنقل ِ حواء إلى بقعة ٍ ما بعيدًا عن القصر، ونقل آدم في شاحنة أخرى إلى بقعة ٍ ما بعيدًا عن القصر. كان الفراق الذي دامَ سنوات ٍ عجاف، إلى أن بزغتُ أنا شمسًا في حياة ِ آدم فأنرتُ كلّ خلايا اليأس بشحنات ٍ من الأمل. اجتهدت ُ أن أكونَ له الحبيبة والرفيقة، الحالمة والعاشقة. اجتهدتُ ألا أعاتبهُ على ذاكرة ٍ ليستْ للنسيان. حواءُ كانت عشقـَهُ الأول، أمّا أنا فقد صرتُ رفيقة حلمه، وأمُ ابنتيه: أحلام وأمل.

*



الحبُّ يجعلُ الزمنَ يمضي والزمنُ يجعلُ الحبَّ يمضي. لا بدَّ أنَّ حبَّ حواء مضى من قلبِ آدم لا سيَّما أنـّه منذ انفصالهما عن أبيه، لم يعثر لها على أثر إلى أن وصلته منها رسالة حملتها إليهِ سنونوة ٌ ما واختفتْ هي أيضا خلف التلال. ربّما ، لم يكن هنالك رسالة قط..! ربّما، صنعَ آدم هذا الوهم الجميل لكي يحيا على أمل ِ لقاء، فأنا لم أعثر بين حاجياته على تلك الرسالة، ولم أشأ أن أستفسرَ عنـها كي أتفادى الوقوع في ذاتِ الوساوس القهريّة التي وقعتْ فيها حواءُ راضية ً مرضيَّة. الثقة المتبادلة، كانت وستبقى الأساس الذي بنينا عليه قصرَ حبِّنا. لكن، ظلَّ هاجسٌ ما يؤرقني: ماذا لو عادتْ حواء فظهرت في حياة ِ آدم..!!
























2


يقال إنَّ القلبَ هو الأرض الوحيدة التى لا يمكن أن تطأها قدمُ مغتصب، أمّا قلبي أنا فقد قطفتـُهُ بيديَّ، كما قطفتْ سالومي ابنة هيروديا رأسَ يوحنا المعمدان، وسلمْـتـُهُ لآدم على طبق ٍ من المحبّة المتبادلة والتفاهم.


*



هناكَ بين أروقةِ جمعةِ حيفا، التقينا. كنتُ في طريق العودة إلى الناصرة حينَ اعترضَ آدم طريقي وهو يناولني منشورًا، ألقيت نظرة سريعة عليه فإذا بالعنوان: " يوم الأرض" يلدغني بقسوة فقد تملكني الخجل من التعبير عن جهلي لما تعنيه هذه الكلمات التي صرتُ أسمعها تتردد كثيرًا في الفترة الأخيرة.
صافحني صوته الدافئ الذي امتاز بنبرة الجرأة والإصرار:
-يا آنسة..
= حياة.
-أهلين حياة.
= ميرسي
-أنا آدم .
آسف أنـّني اعترضتُ طريقَكِ....
لكن لا يمكنك ان تغادري قبل مشاركة بقية اخوتك في وقفة الاعتصام بمناسبة الذكرى السنوية الثالثة ليوم الأرض.

على عجل، رحتُ أقرأ ما جاء في المنشور الذي أعلن في الفقرة الأولى عن اعتصام أمام المبنى الرئيسي للجامعة في تلك اللحظات بالضبط. تابعتُ القراءة:


*



يحيي الفلسطينيون في الثلاثين من أذار من كل سنة ذكرى يوم الأرض والذي تعود احداثه لأذار 1976 بعد أن قامت السلطات الإسرائيلية بمصادرة ألاف الدونمات من الاراضي ذات الملكية الخاصة أو المشاع في نطاق حدود مناطق ذو اغلبية سكانية فلسطينية مطلقه وخاصة في الجليل. على اثر هذا المخطط قررت الجماهير العربية بالداخل الفلسطيني باعلان الاضراب الشامل متحدية، ولاول مرة بعد احتلال فلسطين عام 1948 ، السلطات الإسرائيلية.
شكلت الأرض ولا زالت مركز الصراع ولب قضية وجودنا ومستقبلنا، فبقاؤنا وتطورنا منوط بالحفاظ على أرضنا والتواصل معها وكان يوم الأرض أول هبة جماعية للجماهير العربية، تصرفت فيها جماهيرنا بشكل جماعي ومنظم، حركها إحساسها بالخطر، ووجّهها وعيها لسياسات المصادرة والاقتلاع في الجليل، خصوصا في منطقة البطوف ومثلث يوم الأرض، عرابة، دير حنا وسخنين، وفي المثلث والنقب ومحاولات اقتلاع أهلنا هناك ومصادرة أراضيهم. في هذا اليوم، الذي يعتبر تحولا هاما في تاريخنا على أرضنا ووطننا.
معركة الأرض لم تنته في الثلاثين من آذار، بل هي مستمرة حتى يومنا هذا، ولا تزال سياسات المصادرة تطاردنا، والمخططات المختلفة تحاول خنقنا والتضييق على تطورنا في المستقبل، لا بل إننا نمر بواقع مرير ومرحلة معقدة، تكثر فيها التوجهات العنصرية التي تسعى إلى نزع شرعيتنا السياسية وشرعية وجودنا، وليس فقط مصادرة أرضنا.
أعلنت الجماهير العربية، ممثلة بلجنة الدفاع عن الأراضي العربية، أنّ الإضراب الاحتجاجي على مصادرة الاراضي في تاريخ 30.3.1976.

*



انقبض قلبي، أنا المُغيّبةُ عمدًا عن المشهد السياسيّ، تحرسني تعويذة ُ أبي: "امشي الحيط، الحيط، وقولي: يا ربّ السُترة"، وأنا نتاجُ عائلة تأكل خبزها بعَرَق جبينها ولا تتحدث في الأمور السياسية إطلاقا، وأنا الابنة البكر لامرأة كلّما فتحتُ الباب لتتلقفني الحياة تلاحقني توصياتها:" بوسي يدّ الكلب وادعي عليها بالكسْر" .
فجأة لفتَتْ انتباهي ورقة ملصقة على الباب الزجاجي خلف آدم وكان عليها صورة كلب وخط أحمر مائل عريض يشير إلى منع دخول الكلاب للحرم الجامعي.
ارتفعت صرخة مكتومة في باطني: " ترى من هم الكلاب..!".

















3


كان آدم يتحدث إليّ وأنا أواصلُ الاستغراق في لون الأشجار في عينيه، قامته الفارهة، ونبرة الإصرار في صوته الدافئ. راحَ يحدّثني عن يوم الأرض ونبضاتُ قلبي تزداد تسارعًا والعَرق يتفصَّدُ من جنباتِ جبهتي والحيرة تضربُ أوتادا وأوتادًا في رأسي فأدور في حلقات ٍ مُفرغة كلّما حسبتُ أنـّني خرجتُ من واحدة تتلقفني أخرى.

*


كنتُ في المرحلة الثانوية حين واجهني سؤال إلزامي في امتحان المدنيات عن منظمة التحرير الفلسطينية. سَرَتْ قشعريرة في جسدي. أعلنتُ عن أنيميا في مخزوني المعرفي وكنتُ قد أجبتُ عن الأسئلة الأخرى كلّها ولم يبق إلا هذا السؤال الذي انتصبَ أمامي كالصخرة.
شعرتُ بضيق ٍ في التنفـُسّ. تـُراني أسلّم الورقة وأعترفُ بجهلي فتأتي علامتي منخفضة كثيرا بسبب نسبة العلامات المخصصة لهذا السؤال.
الهمهماتُ تتصاعدُ من حولي. الكلّ يتذمَّرُ من هذا السؤال الذي أتانا من قمقم علاء الدين. سمعتُ صديقتي تقول: لا تجيبوا عن هذا السؤال الملغوم. هذه الأوراق ستصل يد (الشين. بيت). مرّة أخرى، دفنتُ جهلي لمعنى الحروف ( شين. بيت) داخل تربة رأسي وصبـَبـْتُ انتباهي على مُدرِّسُ المدنياتِ الذي اقتحمَ حيرتي باقتحامه الغرفة. راحَ يشرحُ لنا معنى التعبير( منظمة التحرير الفلسطينيّة) وأنا أسجل كلماته حرفيًّا. قبل أن يغادر، سلُمته الورقة وغادرنا سويّا.
لم أدرك معنى كون ذلك السؤال ملغومًا إلا بعد شهور، عندما حاولتُ الالتحاق بجامعة حيفا، فاكتشفتُ أنّ اسمي في القائمة السوداء..!هكذا قالت (حانة) تلك المرأة اليهودية، حينَ شكا لها أبي عن الظلم الذي وقعَ عليّ فقامت بالاستفسار عن السبب.
يا للسخرية..!!
تعويذاتُ أبّي وتحذيرات أمي التي كانت كالمنِّ والسلوى، لم تكفل لي الحماية من هذا المصير الأسود. اجتهدتْ (حانة) في الإثباتِ أنـّها مخلصة للعائلة وكانت النتيجة أنهم سمحوا لي بالانضمام لدورة تقوية صيفيّة في اللغة الانجليزية قبل الالتحاق بالجامعة فقمتُ بالالتحاق بالدورة اضطرارًا لا اختيارًا. ثمّ، حصلتُ على إعفاء فوري من الدروس من قِـبـَل ِ مُدرِّسةِ الموضوع. كيفَ لا، وأنا المتفوقة في كلّ مواضيعي الدراسيّة، خاصة اللغة الإنجليزيّة التي عشقتها منذ نعومة ِ أفكاري.

*


حاولتُ أن اشرحَ لآدم سببَ امتناعي عن المشاركة في أيّ نشاط سياسيّ داخل حرم الجامعة، لكنـّهُ لم يمهلني. راحَ يسيرُ أمامي وهو يجذبني إليهِ، كما يجذبُ المغناطيسُ معدنـًا لا ينتمي إلا إليه.






4



قبل أن يغيبَ القمرُ بقليل، كما تدخلُ حبّة َ زيتون ٍ المعصرة، دخلتُ ساحة َالاعتصام وقلبي المثقل بمشاعر متضاربة كادَ يعزفُ سيمفونية العودة، لولا خشيتي أن يُفتضحَ أمري.
خلفَ الأجساد البضّة، تواريتُ. خلفَ نظارتي ذات الزجاج الأسود واريتُ عيني ّورحتُ أراقب تحركات الجميع وقلبي يكاد ينفطر متوجسًا خطرًا ما يتربصُ بالجميع.
وقفَ آدم كالأسد وراحَ يتحدثُ عن سبب الاعتصام. رشقتهُ بنظراتٍ حالمة. لم أسعَ للجْم ِمشاعري المتدفقة. كلُّ العشاق ، في البداية، متشابهون. مع الوقت، يتميزان عن الآخـَرين حسب مدى التقارب بين سماتِ شخصيـَتـَيْهما. أنا أحبّ آدم بسبب التوازن الملحوظ بين سمات الأمومة في شخصيته وسمات الرجولة.
كانَ آدم يتحدث، وهو يرمقني بنظراتٍ حالمة وصوته العميق، الدافئ يغسلُ تعبَ انتظاري. لقد أضاءَ خلايا كياني الداخلي بنور العشق. ها عينايَ تبثانه أشواقي البكر دونما وجل. ها الروحان تسموان، تغادران الجسد، تتلاقيان في فضاء المكان.
فجأة، أبصرتُ أيدٍ تمتدُّ حول عُنق ِ آدم كما الإخطبوط. موجاتٌ من الإهانات والبصق والوعيد انهالتْ علينا وشحنتْ هدوءَ المساءِ بالمرارة والحقد.
شلّنيَ الفزعُ وأنا أبصرُ قطعة معدنية تنزلُ على رأس آدم، الذي استبسلَ في ردِّ ذلك الهجوم الشّرس عنه.
- لاااااااااااا ..!!
صرختُ، واندفعتُ إلى ذلك المارد مفتولَ العضلاتِ وانهلتُ بحذائي بالضربة تلوَ الضربة على رأسه. لكمني على أنفي فانتفض الدمُّ في عروقي. ثمَّ، فرَّ خلف التلال مع اقتحام صفارة انذار الشرطة المكان.
دارتْ بي الدنيا. تمايلتُ وسقطتُ فوقَ العشبِ الأخضر.

*


عندما فتحتُ عينيّ، كانَ قد غابَ القمرْ، وكنا نهبطُ نحوَالبلدة القديمة في حافلة استدعاها رئيسُ الجامعة لنقلنا نحن الطلاب العرب عائدين آمنين إلى بيوتنا، بعيدا عن مكان الاشتباك بيننا وبين مجموعة الطلاب المتطرفين كما وصفهم.
راحَ صوتُ محمود الذي ارتفع من مذياع الحافلة، يشحنُ القلوبَ بالتحدّي:

سجِّل أنا عربي
سلبتَ كرومَ أجدادي
وأرضاً كنتُ أفلحُها
أنا وجميعُ أولادي
ولم تتركْ لنا.. ولكلِّ أحفادي
سوى هذي الصخورِ..
فهل ستأخذُها حكومتكمْ.. كما قيلا؟

إذن.. سجِّل.. برأسِ الصفحةِ الأولى
أنا لا أكرهُ الناسَ
ولا أسطو على أحدٍ
ولكنّي.. إذا ما جعتُ آكلُ لحمَ مغتصبي

حذارِ.. حذارِ.. من جوعي
ومن غضبي
...
..
.

*


هكذا، انتصرتُ على نفسي. انتصرتُ على تعويذة ِ أبي:" امشي الحيط، الحيط، وقولي: يا ربّ السُترة "، وتحذيرات أمّي: " بوسي يدّ الكلب وادعي عليها بالكسْر ".

*


حقًا، الولادة من رحم التجربة تمنحُ مناعة ًضد الخوف وتعززُ الثقة َبالنفس.
اليوم، أستطيعُ أن أعلن أنّني ولدتُ من جديد.


















5


كلعبة الشطرنج، هكذا هي الحياة، بفارق واحد أننا لم نعد ندري مَنْ يحرِّكُ البيادقَ فوقَ رقعة ٍ كانت تسمّى فلسطين. ارتفعَ صوتُ جدّي من الذاكرة وهو يترنم بصوتٍ أشبه بالناي الحزين:

فلسطين.. فلسطين
شو شافت أيام حلوين
أمّا اليوم مسكينة
شو تعبانة وحزينة
ربّي يساعد
ربّي يعين
هالمظلومة فلسطين

*



الحب يجعل الإنسان العادي شاعرا والشاعر مجنونا. رويدًا رويدًا، فجرّ الحبّ داخلي الرغبة في الحياة وفي المطالعة والكتابة وفي الاستماع للأغاني:

" إذا في هالدنيا حبّ غالي، أكيد بيكون حبّي ليك. وإذا في شوق مو عادي، أكيد يا عمري شوقي ليك. لا تصدِّق أعيش في دنيا ،حبيبي انتَ مو فيها."

لفتني قولٌ لأديب ٍعالمي اسمه غابريل غارسيا ماركيز:

- أحبكِ لا لذاتكِ بل لما أنا عليه عندما أكون بقربك.

اكتشفتُ أنـّني أحبّ آدم لذاته ولما أنا عليه عندما أكون بقربه.
فبقربهِ، كنتُ فراشة حالمة تتنقل من وردة لوردة، فتجذب الأنظار لألوانها ورفيفها. كنتُ سنونوة، ولم يكن آدم لي القفص، بل كانَ المدى الرحبَ لأجنحتي. راحَ يحثني على التحليق عاليًا حيثُ النسور وهو يدللني بعبارة: يليقُ بك ِ التفرّد.

*



مرّت الشهور، ونحن صديقان حميمان. كنتُ أتشوقُ للحظة ضعفٍ يسلمني فيها مفتاحَ قلبه وأعدُهُ ألا أكون دليلة التي تكشفُ سرَّ قوته لأحد ولا تغدر به لأيّ سبب كان.

*



على الرابيةِ جلستُ أتأمل بحر حيفا وأداري قلقي بسبب انتهاء السنة الدراسيّة الجامعيّة واضطراري للبقاء في الناصرة، بؤرة الملل، إلى شهر تشرين المقبل.
كنتُ أبني قصورًا من رمال فوق شاطئ الأمل حينَ اخترقتْ رائحةُ عطرهِ أنفي. تراخى فوق العشب ِالأخضر بالقربِ منّي. لم تصبح قصوري فريسة ً لأمواج ِ بحره الهائج. ظلّت صامدة.

- ماذا تقرأين..؟!
= نيتشة.
-آه نيتشة..! رجل القوّة والجبروت الذي وقع في غرام امرأة سلمها ضعفه قبل قوّته.
= تصوّر أنـّه هو الذي قال: عندما تذهب لامرأة اصحب العصا معك..!
-وأنا، أكان لا بدّ لي أن أصحب العصا معي..؟!

ابتسمتُ وأنا أحاولُ أن استدرجه ليحدد نوع العلاقة بيننا:

= كان عليك أن تقطعَ عنقَ القطّ منذ لقائنا الأول.
-حياة.
= نعم.
-أنتِ الحياة بالنسبة لي. أنتِ رفيقة حلمي. أنتِ أنا .

هكذا تدفقَ اعترافـُهُ العشقيّ، في لحظة ظننتها النهاية. كثيرًا ما تخيلتُ أنّي خيط ٌ كبقية الخيطان في نسيج حياة آدم وأنّه لن يلحظ غيابي فيما لو نفيتُ نفسي بعيدًا عن جزيرة أحلامه.
كصدفة ٍ مسكونة بأمواجِ صوتهِ العاشق صرتُ. رحتُ أسبحُ في بحرالعشق، أعلو مع أمواجه وأهبط وأعلنُ لذاتي أنني: "أحيـــــــــــــــــــــَا".
-حياة.

ناداني صوته.

نزلتُ من سقف الحلم وهو يهمسُ في أذني:

-كانت لي حبيبة اسمها حواء.
كانت عشقي الأول وامرأتي.
وافترقنا في ظروف خارجة عن ارادتنا.
بحثتُ عنها طويلا.
بحثتُ في كلّ بقعة محتملة ولم أعثر لها على أثر.

صمتَ.

انبثقَ طيفُها من موقدِ الذاكرة.
انتصبتْ بيننا كأنثى لا من طين إنـّما من مفردات.

نبرةُ صوته، أكانَ فيها حنين ٌ إليها، أم دعوة للنسيان..؟!
أكانتْ هي سبب اعترافِهِ المؤجَّل..؟!

قررتُ أن أنسى ما هو وراء وأنا أقتربُ من حلمهِ لننصهرَ معًا في بوتقة ِ الزمن. سألته:

= ماذا لو عادتْ حواء فظهرت فجأة في حياتك..؟!
-لن تجد إلا الاحترام.
= آدم..!
-نعم..؟
= أحبّك..
-وأنا أعشقكِ يا حياتي.

*


إلى صدره ضمـّني ، وكانتِ المرّة الأولى التي يضمني فيها اليه. شعرتُ أنـّني تلك الضلعة الشاردة التي تعرفُ طريقَ عودتها إلى صدره، حيثُ الحنان، حيثُ الأمان.



















6


قارورة ً في دُرْج ِ الأيام ِ كنتُ، إلى أن مرَّ بي آدم وحرّر من العتمةِ عطري. كان يؤمن بمنطق تنمية أجنحتي. حثـّني على الكتابة وتحرير خواطري من العتمة. رحتُ أقرأ بنهم، فقد اعتقدتُ أنّ وراء كلّ أديب ٍ جيّد، قارئ نهم. بدأتُ أنشر كتاباتي في الصحف، خاصة أنّ تجربتي مع الحياة صارت أكثر خصوبة منذ لقائي بآدم الذي لم يتوانَ عن إثراء مخزوني المعرفي. هذا بالإضافة إلى الخصوبة الأدبية التي حصلت عليها من دروس الأدب المقارن وآداب اللغة الانجليزية ، فقد بدأت أتتلمذُ على أيدي أهمّ الشعراء المعاصرين ك: ألف بيت يهشوع وناتن زخ. رحتُ ألتهم الكتب التهامًا. وأنصتُ في المحاضرات وكأنّي أشاهدُ فيلما مثيرًا. وتفوّقتُ في كلّ واجباتي الأدبيّة الجامعيّة.

استهواني فنُّ القصة القصيرة، خاصة وأنا أمتثلُ لدورة نهائية بعنوان: "كتابة إبداعية"(Creative Writing) والتي تم قبولي فيها، بالإضافة لما يقارب العشر طلاب الآخرين، بناء على مقابلة مع المحاضر الذي مرّر الدورة وكان شرطها الأوحد أن يجيدَ الطالبُ فنَّ الكتابة.
كانت الدورة أشبه ما يكون بورشة عمل إبداعية. قبل كل لقاء، يعطينا مُهمَّة لانجازها. أول لقاء لي معه، كان عندما طلب من كل طالب كتابة كلمة ما على قصاصة ورقة. قام بجمع القصاصات وخلطها، ومرّ كلّ طالب واختار ثلاثة بشكل عشوائيّ. ثمّ، طلب منـّا كتابة قصيدة صغيرة تحتوي هذه الكلمات الثلاثة.شرح لنا أنّ هذا التمرين الأدبيّ يحرر الخيال من الأفكار المُسبقة ويطلق العنان للتخيل.
حصلتُ على الكلمات: شجرة، طير، بكاء.
كتبتُ:

غردّ العصفور
ثمّ بكى.
أمّا الشجرة
فظلَّتْ صامتة.

استهواهُ صمتُ الشجرة، فأخذ يتناقش مع بقية الطلاب عن المضمون الدلالي للقصيدة.
هكذا، تبلوَرَ لدي شغف لكتابة القصيدة القصيرة جدًّا.

أذكر أنـّه حدثنا مرّة عن أنواع الشخصيات في القصة القصيرة. ثمّ، طلب منـّا انتقاء شخصية ما تثير فضولنا فنتابعُ تحركاتها، أقوالها، ردود فعلها ثمّ نكتب قصة ما عنها. قرأتُ على المجموعة قصة "الفستان الأحمر" والتي كتبتها باللغة الانجليزية بناء على طلب المحاضر في كتابة قصة بطلها غير عادي. كانت تجربتي الأولى مع كتابة القصة القصيرة.
سادَ هدوءٌ غريب جو الغرفة وأنا أقرأ، ممّا حفزّني على متابعة القراءة. راحَ هو يسأل الطلاب عن المضمون الدلالي للجملة القفلة: "قررتُ أن أبصق"، والتي عبّرت عن الموقف المتمرد للفتاة الفلسطينية التي واجهت الواقع الطبقي في كونها فقيرة داخل مجتمع يهودي ثري فقررت أن تعلن عن رفضها لهذا الواقع بأقل خطوة ممكنة وهي البصاق.
احتدمَ النقاش. قبل أن أغادر تلك الغرفة المطلّة على بحر حيفا، ناداني المُحاضر، وهو شاعر أمريكي الأصل من خلفية يسارية، وقال لي: أنتِ موهوبة. منذ تلك القصة، راح ينتقيني دومًا لأقرأ نصوصي ويعطي المجال لمناقشتها مع أفراد المجموعة.


كنا نلتقي مرتين في الأسبوع: يومي الأحد والأربعاء مساء. نجلس في دائرة كبيرة. نوزع النصّ المطبوع على جميع أفراد المجموعة، ونقرأ وبعد القراءة يحتدم النقاش الكفيل بإثراء تجربتنا الإبداعية وتقليم الشوائب. والتحقتُ بدورة عن الــ هايكو، تلك القصيدة اليابانيّةِ الأصل والتي لا تتعدى الثلاث سطور وتحتوي على صورتين شعريتين، العلاقة بين الصورة والأخرى، هي سرّ نجاح تلك القصيدة . فتنني هذا الفن، لكونه يتطابق مع شغفي بكتابة القصيدة القصيرة. أدركتُ أنّ قصيدة الهايكو تبدأ من الطبيعة بأشجارها وطيورها وبحارها وورودها وتنتهي بالطبيعة البشرية بخفاياها. مراقبة الطبيعة من حولنا كفيلٌ بإضاءة بؤرة ما داخل طبيعتنا البشرية. ان أردت أن تفهم سرَّ الشجرة ، اذهب اليها. هكذا قالَ المُحاضر. صرتُ أراقب كلّ ما في الطبيعة عن كثب، وأنا العاشقة الأزلية للطبيعة، كي أستنتج شيئا ذا مغزى عن الطبيعة البشرية. كتبتُ الهايكو فأجدتُ الكتابة:

سماءٌ صافية-
طائرة ُ ورق ٍ تطيرُ
أعلى من خيطها


كانت هذه القصيدة القنبلة التي لفتت انتباه كلّ من قرأها. راح الكلّ يناقش المعنى الدلالي للخيط والطائرة. في نهاية الدرس قلت: أنا أرى نفسي هذي الطائرة التي تسعى للتحليق، فترتفع عمدًا فوقَ كل خيط قد يشدّها للأسفل أو يترك لها المجال لتسمو. والخيط هو المجتمع القادر على أن يكبلني بقيوده، أو يدفعني للسمو. من داخل المجتمع أنطلق، يظلّ المجتمع يغذيني بالأفكار والمبادئ فأسمو وأحلّق.

منذ نعومة حبري، كانت نصوصي ملفتة للنظر، تلك التي كتبتها كوظائف جامعية، وتلك التي نشرتها في الصحف المحليّة. بدأتُ أعزز ثقتي بتجربتي الإبداعيّة. رحتُ أخلق عوالم في قصصي القصيرة. أنقّبُ عن شخصيات مسحوقة، غير اعتيادية لأكتب آلامها . صارتْ الكتابة الملتزمة بقضية هي غايتي، بعدما قضيتُ سنوات من طفولتي أكتب الخواطر وأخفيها عن عين الرقيب داخل عتمةِ جارور المكتبة.

ظللتُ أقرأ بنهم وأكتب وأخلق شخصيات يتماهى معها القارئ فتثيرُ فضوله ليعرفَ ما حصل معها من خلال حبكة القصة...
إلى أن جاء يوم، عثر فيه والدي على دفتر مذكراتي الذي كنتُ أواريه وراء كتبي في الجزء الأسفل من المكتبة. جنّ جنونه وانتظر عودتي من الجامعة بتحرّق. كيف لا، وأنا الابنة المسيحية أبًا عن جدّ، التي ستجلب العار على العائلة، بعدما وقعتْ في عشق ِ شاب ٍ مسلم..!!





7



الخوف..!!! هذا الماردُ الذي خرج فجأة من القمقم ليتحداني. هذا المارد الذي إن لم أقوَ عليهِ سيقوى عليّ. ها أنا أعلن العصيانَ على مارد الخوف، أعلنُ أنّي لن أتراجع، بل سأواجهه إلى أن يبدأ بالتقهقر، يصيرُ نملا أسودًا صغيرا، يتوارى داخل ثقوب الكبت.
أنثى الميزان أنا.
أقولُ الحقَّ ولو كان الثمنُ حياتي. ميزاني لا يميل مع ريح المجاملات الاجتماعية وفيروسات النفاق الوصوليّ.
رجلُ الميزان ،هوَ.
سلّمني مفاتيحَ الثقة بالنفس، الجرأة والقدرة على تحدي قـُوى الظلام لكوني أتمّسكُ بالحقّ.
حقـًا، كنتُ سأكونُ أنثى عاديّة، لولا بزوغ آدم شمسًا أنارت حياتي وأشعلت جذوة الأمل في عروقي فساهم في جعلي أنثى استثنائيّة.

*


الغالبية الساحقة من البشر يحيون على هامش الحياة. أتخيلهم كما الجُمَل ِ البسيطة التي لا تتألف إلا من مبتدأ وخبر أو مبتدأ وشبه جملة. أمّا أنا فقد ولدتُ جملة ً مُركبّة لا تحدُّها نقطة، هاربة من قيودِ الإعرابِ أنا، ما سيأتي بعدي من جُملَ معقّدة أهمّ ممّا أتى قبلي.
ها أنا أقف في تحدٍ مع رجل لقنته الأيامُ طقوسًا لن يقوى على التشكيك فيها لكونه ينتمي لمجموعة الجمل البسيطة، فكيفَ أنزلُ لمستواهُ الفكري فأشرح له أنّ الحُبَّ فوقَ كلّ اعتبار.
حينَ خلقَ الله آدم وحواء، أرادهما أن ينتميا إليه لا إلى بَشَر. من هو بولس ومن هو أبولس حتى نتقاتل ، بل ونزهق الأرواح في سبيل معتقداتنا الأرضية. الله برئ من الدمّ الذي يُسفك في كلّ مكان باسم الدين. ألم يعطنا الخالق حريّة الإرادة وحرية الاختيار منذ بداية الخليقة..؟! كان بمقدوره أن يأمرَ آدم بعدم لمس شجرة المعرفة. لكنـّه، يتعامل مع آدم وسلالته برقيّ فهو يترك لنا القرار وحريّة الاختيار لكونه يحترم إرادتنا أفكارنا وقراراتنا ولا يتعامل معنا كماكينات متحركة، إنّما يتعامل معنا من منطلق الرحمة والمحبة فهو إله صالح، إلى الأبد رحمته وإلى دَوْر ٍ فدوْر أمانته.


*


لم أنظر يومًا لآدم على أنـّه مسلم، إنمّا نظرتُ له على أنـّه كِيان فأذهلني نضجُ شخصيته ومواقفه الحازمة. كذلك، لم ينظر لي آدم على أنّني مسيحيّة. لقاؤنا الروحيّ كان أسمى من كلّ قيود، لم يضعها الخالق، إنّما وضعها البشر فكبّلوا أنفسهم بها وباعدت فيما بينهم. وصارت سببا للشجار وسفك الدمّ.
خارجَ قمقم ِ التدّين ومظاهر التقوى، التقينا. جمعنا حبّنا لإله واحد. هذا الإله الذي ما فتئَ منذ سقوط آدم في الخطيئة، وانفصاله الجسدي والروحي عن الخالق، يرسل الرسل ليلتفتوا إليه ويرجعوا لحضنه، لكنَّ البشرَ اقتتلوا على الرُسل، أيهم أعظم، وفاتهم العودة للخالق وتعاليمه لسَّماوية التي تنهى عن القتل وتحثّ على قبول الآخر،المحبّة، التسامح والإنسانية بالمُطلق.
اختلفَ البشر على العطية، ونسوا المُعطي. تقاتلوا على المُرْسَل، ونسُوا المُرْسِل.

*


جميع أفراد عائلتي الصغيرة مسيحيون بالاسم، أو بالوراثة. يظن الواحد منهم أنّ ولادته لعائلة مسيحيّة يضمن له بطاقة العبور لرضا الخالق، بينما تقولُ الآية:" كونوا عاملين بالكلمة لا سامعين فقط خادعين نفوسكم. "( يعقوب 1: 22). وتقول الآية: " انا اريك باعمالي ايماني "( يعقوب 2: 18)، أي لا تتفاخر أنّك مسيحيّ إنما عِش مسيحي فيفتخر الآخرون بك ويسألون عن سبب الرجاء الذي فيك.
جميعُ أفرادِ عائلتي الصغيرة مسيحيون بالاسم، أو بالوراثة..! لم أرَ يومًا أحدً فيهم يصليّ أو يصوم. لا يذهبون للكنيسة إلا في الأعياد. تلبسُ البناتُ الفساتين القصيرة التي تكشف عن مفاتنهن. لم تقرأ احداهن الآية التي تحثّ على ارتداء الثياب المحتشمة:" " وكذلك ان النساء يزيّنّ ذواتهنّ بلباس الحشمة مع ورع وتعقل لا بضفائر او ذهب او لآلىء او ملابس كثيرة الثمن، بل كما يليق بنساء متعاهدات بتقوى الله بأعمال صالحة "( 1 تيموثاوس 2: 9).
يغادرن للكنيسة تحرسهن دعواتُ الأمهات:
- حاولي أن تعثري على عريس بين شباب الكنيسة.
شكت لي إحدى قريباتي باكية بسبب موقف أمّها من عريس مسيحيّ تقدّم لخطبتها فوافقت الأمّ فورًا عليه بسبب حالته الماديّة الجيّدة، رغم عدم وجود أيّ توافق فكري، عاطفي أو اجتماعي بين ابنتها والعريس. يكفي أنّه ثريّ وأنّه سينقذها من حالة العَوَز الماديّ التي تحياها في بيت والدها. قالت أن أمّها تقول لها:
- البنات أكثر من الهمّ ع القلب. البنات أكثر من السَّمـَك في علب السردين. يجب أن تقبلي به زوجًا لكِ.

والأمُ ضحية الجهل فهيَ غادرتْ من بيت أبيها لبيت زوجها. لم تعصرها الحياة ولم تنمّي أجنحتها كي تحلّق مع النسور. دجاجة خنوعة كانت، انتقلتْ من قِنّ ٍ لآخر وهي مشبعة بفكرة أنّ دورها في الحياة يتلخصُ بالتفاني في الطبخ والمسح وإزالة الغُبار. لم تقرأ يومًا كتابًا. لم تشاهد يومًا برنامجًا ثقافيًا، لم تسمع يومًا أنّ الأم مدرسة إذا اعددتها أعددتَ شعبا طيّبَ الأعراق ِ.

جميعُ أفرادِ عائلتي لم يقرَبـُوا الكتابَ المُقدّس يومًا، لأن لا كتاب مقدّس في بيت أيّ منهم.
جميعُ أفراد عائلتي، يجيدونَ طهيَ الطعام الشهيّ في الأعياد، والعزف على العود، وقرع الطبل والرقص، وشرب الكحول حتى الثمالة. أحدًا منهم لم يسمع يومًا ترنيمة أو تأمُلّ أو وعظة. أحدًا منهم لم يحكِ لي يومًا عن الربِّ يسوع الذي لم أعرفه إلا وأنا في المرحلة الثانوية، من خلال دروس بالمراسلة سعيتُ أنا لها، بعدما ضاقت بي الحياة فصرتُ أبحث عن الملجأ الأمين، عن معنى لوجودي.

*


ها أنا أسيرُ نحو الأسد الغاضب، أبّي.
تشلـّني نظراتُ أمّي المرتعبة.
تقوّيني كلماتُ آدم التي انبعثت من الذاكرة:

- إمّا حياة تسرُّ الصّديق أو مماتٌ يغيظُ العدو.

8


هذا الجسدُ المُضْطـَهـَدُ الباحثُ عن فضائه الحر قررَ فجأة أن يخطوَ إلى جلاده بحركات ٍ راقصة كأنـّه نورس يحلّقُ صوب البحر. هذه الذات الثائرة المكبلة قررت فجأة أن تقوم باستدعاء الصورة المعروفة لـ "كارمن" برقصتها الغجرية لكي تنتفض معها على القيود وهي تخطو نحو جلاّدها.

*

لا شيء حقيقي سوى ما هو مرعب. هكذا كتبَ رولان بارت، وهكذا أشعر الآن. الحقائق ترعبنا، تهدد سلامنا ، قناعاتنا وموروثاتنا.
أنا أحبُّ شابًا مسلمًا وأسعى لارتباط مقدّس معه. هي حقيقة عمري، لكنها مرعبة بالنسبة لمن ترعرع على فكرة أنَّ الزواج المختلط: عار.
الناس سواسيّة. نقولها ولا نفكر في مضمونها ولا نحياها.
حين خلق الله عزَّ وجلَّ آدم لم يقل له أنت مسيحي أو أنت مسلم إنّما قال له أنا الله فاعبدني. نحن صنعنا الديانات وجعلناها تفرّق بيننا.


*


- ليس بالخبز وحده أحيا.
قلتُ لأبي. لم يفهم لأنه بالخبز وحده يحيا : يأكل ، يشرب، ينام، يقوم، يكدح ويعود فيأكل ويشرب وينام ويقوم...وتمضي الأيام.
- أنا كِيان. لي مشاعري، أفكاري، قناعاتي التي لا يمكن أن أحيا بدونها. لي إرادة خصّني الخالق بها منذ بداية الخليقة وإرادتي ترفض أن أكون سلعة تـُباع وتـُشترى. أنا أحبّ آدم وهو يحبّني وأرفض أن أتزوج من رجل آخر ما دامت مشاعري مع آدم. هذه خيانة عاطفيّة لا يرضاها لي الخالق ولا انتم .

*



حاولتُ أن أهبط من برج المثقف وأنا أتحدث مع أبّي كي نتفاهم. تملكتني مشاعر الشفقة عليه فهو في حالة لا يُحسد عليها. هو لا ينظر لسعادتي، فعيون "الخفافيش" وألسنتهم تتربص به. ماذا سيقولون عنه..؟! ابنته تزوجت مسلم..؟!
ابنة الجيران فرّت مع حبيبها المسلم منذ فترة. كان أبي مع صديقه على الرصيف حين التقيا بوالد البنت. مدَّ الصديقُ يده للأب " المنكوب"(حسب تعبير أبّي) وهو يقول بحسرة: " لا أعرف، أأبارك لكَ زواجَ ابنتك أم أقدّم لكَ التعزية..!" . أخبرنا أبي عمّا حصل والألم يعتصر قلبه. والآن، ها الخنجر ذاته يُدمي قلبه.
حاولتُ أن أجعل أبّي يفهم أنّني لا أتخلى عن موقفي حتّى لو كان في ذلك حتفي. كنتُ واثقة أنّ أحدًا من لائِميَّ لن يفهمني. كيف لجملة بسيطة أن تستوعب جملة مُرَكبَّة..؟!

*

انتفضَ الدمُّ في عروقِهِ.
انتصبتْ قامته. كجلياتِ الجبّار بدا ، كداود الصغير بدوتُ.
انهال باللكماتِ المُبرحة على صدري.
لن أبكي لأنّه سيستعذبُ بكائي.
أخذتُ أصرخُ بأعلى صوتي لعل الجيران يسمعون رفيفَ الفراشة فيهرعون لتحريرها من هذي الخيوط اللزجة للعنكبوت.
طرقتُ الخزان بقوّة.
لم يرعبني شبحُ الموت.
لم يأتِ أحدٌ من الجيران. لعلهم يفضلون عدم التدخل بين أبّ وابنته. فجأة، وصلَ صديقُ أبّي البيت. صديقٌ تخرّج من السجون وأيدي الزانيات. هرعَ إلى الطابق الثاني لنجدتي. كسَرَ البابَ ودخلَ. كيف له أن يترك الأنثى التي يعشق، والتي لا تبادله الحبّ بالحبّ، بين يديّ الجلاد..؟!

*

في المستشفى، لم أشأ أن أطعن أبّي بالضربة القاضية. ما زلتُ أشفق عليه من موقف لم أتمناهُ له.
قلتُ أنّني وقعتُ من على السلّم. حرروني مع بعض المُسكنات وأربطة قيّدت صدري لتمنع حركته التي تؤدي لآلام مُبرحة.
اعتكفتُ داخل غرفتي وامتنعتُ عن الطعام والشراب والتحدث إلى أحد.
- تشتهون موتي..؟!
دعوني أموت كما تشتهون وابقوا أبرياء من دمّي.

بدأت محاولات اقناعي بمغادرة غرفتي من شتى أفراد الأسرة الذين أعرفهم والذين لم أعرفهم من قبل إنّما أتت بهم حالة الطوارئ في بيتنا فهرعوا لنجدة والدي وتهديدي أو اقناعي بالعزوف عن موقفي.
- لمَ ترفضون المسلم..؟! ما العيب فيه..؟!
= لا عيب فيه.
قالَ خالي المُقرّب جدا من قلبي ومبادئي.ثمّ، أكملَ:
= البيئة مختلفة ، لهذا السبب يكون التفاهم بينكما مستحيلا.


*

وصلتْ عمّتي من خارج البلاد وهي مثقلة بمشاعر الغضب التي صبّتها فوقَ رأسي.
- كيف تفعلين ذلك وأنتِ المثقفة..؟!
أجبتُ:
= تحدثي مع آدم، وإن وجدتِ فيهِ عيبًا ، أعدك أن أبتعد عنه.

دعته لبيتها. تحدثت معه. فــُــتِنـــَتْ بشخصيته. حاولت أن تــُقنع أبّي بالسماح لنا أن نتكلل في الكنيسة، فرفض. حاولتْ أن تقنع أبّي بالسماح لنا بمغادرة البلاد والعيش بعيدًا عن الوطن، فرفضَ.
مرَّ شهرٌ وأنا سجينة غرفتي أنتظرُ منفذًا.
حانَ موعدُ السنة الدراسيّة الجامعيّة. بعد جهدِ ساعة ، نجحت عمّتي في اقناع أبّي بالسماح لي بالعودة للجامعة لكي أنهي السنة الأخيرة وأحصل على شهادة تكفل لي الحياة بكرامة.

*

لم يغمضَ لي جفن.
أطلّ الفجر.
تناهى لسمعي صوت أغنية تسللتْ عبرَ النافذة:

أنا مش إلك
في قفص صغير بدك اياني أكون
أنا بدي طير
وجناحاتي تكون ع وسع الفلك
أنا مش إلك
ولا قلبي إلك

كانوا لا زالوا نيامًا.
ألقيتُ نظرة أخيرة على صورة أبّي المُعلقة على حائط غرفة الاستقبال.
ألقيتُ نظرة على وجهِ أمي الذي أطلّ عليّ من الصورة المصلوبة قرب صورة أبّي.
لأول مرّة، أشعرُ أنّها امرأة ذابلة ، وردة دونما قطرة ندى.
ألقيتُ نظرة على كلّ ما في البيت من حاجيات.
خزنتُ كل الصور في قرص الذاكرة.
تناولتُ كتاب:" أنا أحيا".
فتحتُ باب المنزل.
نسيمُ الصّباح راح ينعشُ قلبي.
أخذتُ قسطًا من الهواء وخبأتُه داخل رئتيّ.
رحتُ أسيرُ بخطواتٍ واثقة نحو الشمس...










9


زهرة ُ عبّادِ الشّمس ِ أنا، أرفعُ رأسي وأحيا، فبقائي في كبريائي.

*


حبّي لآدم ما كانَ زَلـَّة َ قدم ٍ أو قدر ٍ، ولا كان وعكة ً عاطفيّة ً عابرة كما ادّعى البعض، إنـَّما هو قدري الأجمل الذي وأنا أبحثُ عنـّي.. وجدتــُهُ.
قلوبُ الإناثِ كنــَّا فنادقَ متعددّةِ النجوم ِ لآدم، الذي اعتادَ أن يقتحمها بلهفة باحثا عن أنثاه منذ أضاعَ حواءَ، ويغادرها بلا مبالاة متأبطًا حقائبَ النسيان. قلبي أنا كانَ لهُ وطنـًا، عثرَ فيه على الماءِ والهواءِ وفائض ٍمن شـُحناتِ الانتماء.

*


في غفلةٍ عن مارد الألم، صارَ آدمُ قيثارَة، صرتُ لهُ الأوتارَ. صارَ لؤلؤة، صرتُ لهُ المحارَة . صارَ الحبُّ ُ سيمفونيّة يعزفها القلبُ فتسمعها البلابلُ وتحتارْ.

*


ها أنا أمضي إليهِ ممتلئة ً نعمة، منتصبة َ القامَةِ، راضية ً مرضية.
ها "أصالة" ترافقني، عبر مذياع السيارة، بصوتها الفائض ِ أنوثة ً:


معاك رجعت لي تاني حياتي ودنيتي
معاك بعيش حبيبي في الدنيا جنتي
ويّاك شفتِ بعيوني طريقي وسكّتي
ماليش غيرك حبيبي، معاك حاسّة بأمان
وطول ما انتَ معايا مابَخـَفـْش ِ من الزمان..

*


أتاني صوتـُهُ عميقــًا دافئــًا:
- سأعوِّضُكِ عن السنين التي أكلها الجراد.
رشقتــُهُ بنظراتٍ عاشقة ونحنُ نقتحمُ غرفة المأذون نتبعُ خطواتِ يوسف، ابنُ عمِّهِ ، الذي رافقنا لحمايتنا. انقبضَ قلبي وأنا ألهثُ خلفَ خطواته الغاضبة ونحن نغادر المكان وصوتُ المأذون يطاردنا: أنتم تأخذون الدين مطيّة لأهوائكم.
فجأة، أحسستُ أن لا مكان للعصافير بين البشر. أحسستُ أنـَّنا سنهيمُ في الشوارع لأنّ القلوب ستنبذ ُ حبّنا. تناهى لسمعي نبرة ُ الغضبِ في صوت يوسف وهو يوشوشُ آدم: يحلم بدولارات.. لن يحصل عليها.. سنبحث عن آخر...
تحسسَ المسدسَ وهو يقتحمُ صمتَ السّيارة التي راحت تطيرُ بنا إلى بلدة أخرى وعينايَ تراقبان ِ الدكاكين المتراصّة على جانبيّ الشارع، والبشر الذين بدوا كقطعة بازل كبيرة ، أجزاؤها ملصقة دونما انسجام بين القطعة والأخرى. تدفقَ صوتُ رويدا عطية يخفف بحنانه، وأحاسيسها المتفجرّة، حدّة التوتر:

"شو سهل الحكي..
مين اللي بيعرف في قلب التاني شو في ؟!
شو سهل الحكي..
أنا لولا وجوده في عمري.. عمري بينطفي"


لو أنَّ أبي لم يعثر على جواز سفري ويمزقه أربًا إربًا لكنـّا سافرنا إلى قبرص وتزوجنا زواجًا مدنيًا..!!


"لاموني العالم كلها
وقالولي عنه أتخلى
غيمة رح بتمرّ
إن شاء الله..."


ليته أبقى لنا منفذًا للأمل. أغلقَ كلَّ أبواب الحياة في وجهنا ودفن رأسَهُ في الرّمل كما النعامة، كأن لا مشكلة تزلزلُ أرضَ الواقع.

"كلن قالولي مجنونة
لازم تنسيه..."

أكانَ يتوّقع أن أتنازل عن حبّي لآدم..؟ أكان يتوقـَّعُ أن أحيا بقية عمري جثة ً هامدة كأمّي وخالتي وعمتي وجارتي وغيرهن ...!!!

" شو سهل الحكي..!!"


الموتُ أرحم من حياة ٍ بلا معنى . الموتُ أرحم من حياة تبدو كما البحر هادئة لكنـّها تخفي داخلها حيتان القلق والأرق والموت اليوميّ البطئ.

*


هدأ هديرُ السيارة في محطة بنزين فاتجهنا نحو الكافيتريا واتجه يوسف نحو التلفون العموميّ.
عادَ إلينا ببشارة:

- سنرجعُ للحارة.
= لماذا..؟
- هذه رغبة ُ أبيكَ.
- اتصلتَ بهِ..؟!
= نعم. أخبرته بكلِّ التفاصيل. أبوكَ مصرّ على عودتك للحارة.
يقول :" ستكونا في حماية العائلة".

*


ارتجفتُ كعصفور داهمته زخة ُ مطر.
لا بدّ أنّ أبي قد اكتشفَ الآن سرَّ فراري من المنزل.
اتصلَ يوسف بجارنا، صديق أبي، وأخبره بأمرنا وطلب منه أن يكون مع أبي في اللحظات الحاسمة التالية.
آه، كم اخشى أن تكونَ أمّي ضحية َ نوبة ِ عنفٍ حتمًا ستنتابُ أبي.

*


انتظرنا، أنا وآدم وبعض أقربائه والمأذون، أن يصلَ والدُ آدم لنعقد قراننا.
مرّتِ الدقائق بطيئة متثاقلة. مرّت ربعُ ساعة.. نصف ساعة.. ساعة وأكثر.
أخيرًا وصلَ.
هو يعرفني، فقد كان سائقَ حافلة ِ البلد التي اعتادت أن تقلني من المنزل لمحطة ِ حافلاتِ حيفا.

استفقتُ من غيبوبةِ الذكريات على صوتٍ يسألني بإلحاح:
- كم من المهر تطلبين..؟!
= لا أريدُ مهرًا.
-لا يجوز.
باغتني آدم بنظرة، ففهمتُ أنه يحثني على تحديد أيّ مبلغ.
كانَ لسانُ حالي يقول:"لستُ سلعة تباعُ وتشترى وعلاقتي بكَ فوق كلّ الماديات.
حتى وان فشلت علاقتنا، لن أقبَض الثمن."
قالَ أحدُهم: ليكن شاقلا لأجل الاجراءات.
رددتُ باعياء: حسنًا ليكن شاقلا.
اقتربَ آدم من أذني ووشوشني:
-خذي شاقلأ وروحي وانتِ ..
= لا تقلها، ولا حتى مازحًا.

رفعوا ايديهم ليقرأوا الفاتحة.
رفعتُ يديّ وطلبتُ من ربّي أن يباركَ زواجنا وأن أكون لآدم معينًا نظيره في السّراء وفي الضَّراء.

*



جلسنا في غرفة المعيشة، نشاهدُ التلفاز. أخبرني أبوه أنــّه يتحدث اللغة الانجليزية بطلاقة لكونه خدمَ كسائق سيارة في الجيش التركي. لم يبدُ على ملامح أختهِ التي تصغرنا سنّا سوى الامتعاض أمّا ملامحُ أخيهِ الصغير فقد كانتْ مُحايدة.
راقبتُ البابَ المقفلَ خلفي.
لا بدَّ أن تأتي أمُّه في أيّة لحظة.
ما أصعبَ اللقاء الأوّل بيننا.
انتظرتُ طويلا.
لم تأتِ.
- "ربّما هي متوعكة". طمأنتُ نفسي.

*



في الصباح، وأنا أغسلُ وجهي، رأيتها.
وقفتْ خلفي بثوبها الفلسطينيّ الجميل، ومنديلها الأبيض. قالتْ:
- خذي شرفيتك وارجعي عند أمّك.
دارتْ بي الدنيا.
أحسستُ أنّ عصافيرَ كثيرة تهوي فوق رمل ٍ حارق بعدما أصابتها طلقاتُ صيّادٍ محترف.
تمالكتُ نفسي .
هي معركة مفاهيم، أنا رضيتُ أن أدخلها، لذا لا بدّ أن استبسل في الدفاع عن قراراتي واختياراتي . هذه عقليات اعتادت أن تعيشَ وفقَ مفاهيم ومبادئ متوارثة. أيّ تغيير في مفاهيمها يشكلّ خطرًا على كينونتها وبقائها.
= لماذا..؟!
سألتها وأنا أشفقُ عليها من هذا الموقف الذي وقعت فيه دون إرادتها.
على الفور أجابت:
-أمّك تبكي .
فهمتُ أنـّها متعاطفة كأمّ مع أمّي وربما في أعماقها تخشى على ابنها من المواجهة الدامية مع أهلي. برفق ٍ سألتها:
= هل الزواج من ابنك كارثة..؟!
-عودي لأمّك. هي تتألم لفراقك.
= لو تزوجتُ رجلاً آخر غير آدم ستتألم أيضًا، ومع الوقت ستعتادُ فراقي.

*


في صباح ِ اليوم الثاني، قررنا أن نغادر الحارة كي نتفادى منازعاتٍ لا يُجدي الحديث ُ فيها.
نحن لا نسعى لتغيير المجتمع، إنما اضطررنا أن نفرض اختيارنا على المجتمع كي نعيش بكرامة.
توجهنا إلى حيفا وقمنا باستئجار شقة مكونة من غرفة واحدة قرب الجامعة.
هكذا، بدأنا رحلة الشقاء:
نواصلُ تعليمنا الجامعيّ كي نحصل كلٌّ على شهادة ، نعملُ معًا في مطعم قربَ الجامعة لنوفر لنا ما يكفل بقاءنا، ونحافظ ُ على أنفسنا من رصاصة طائشة قد تنطلق من مسدس أبي أو أيّ فرد من أفراد أسرتي.

*



لقد قررنا أن نمشي في الشمس، حتــّى لو اضطررنا أن نجرَّ ظلــَّينا خلفنا. لن يعرفَ القلقُ طريقـَهُ إلى قلبينا، فنحنُ لا نضع شمسَ اليوم ِ تحتَ سحابِ الغدِ. ألم يكتبَ ماردن:
- إذا اردتَ أن تكونَ ناجحًا منتصرًا في حياتِكَ، يجب أن تنظر وتعمل وتفكر وتتكلم كفاتح ٍ،
لا كمَنْ أوشكَ على الهزيمة.























10



سألَ الممكنُ المستحيلَ أينَ تقيم فأجابَ:" في أحلام العاجز". شكرا للتجارب الحياتيّة التي نشلتني من قاع العجز والهزيمة، حررتني من الإحباط ، وسلـّحتني بالقوّة على المواجهة لتحقيق حلم حياتي. شكرًا للأشواك فقد علـّمتني الكثير...
ها الأيام تسقط كحبّات السُّبحة ًحبّة فوقَ حبّة، يومًا بعد يوم. الطريق مظلم وحالك. لكن، إن لم أحترق أنا وتحترق أنت فمن سينيرُ الطريق..؟!


سألني أحد الطلاب في الجامعة:
- ألا تخجلين من الإعلان عن عملك..؟!
= هل العمل عار..؟!
-لكن كلّ الفتيات الأخريات يخجلن من البوح بسرّ كهذا، بل وينكرن ذلك.
= اعتدتُ ألا أخشى الحقائق. أنا أعمل الذي يقنعني ولا يتعارض مع مبدأ الأخلاق، ولا يهمني رأي الآخرين في سلوكي فأنت مهما اجتهدت لن ترضي الآخر.
- لكنك فتاة جامعيّة وتعملين في مطعم..
= نعم، أعمل في مسح الأرض والزجاج وازالة الغبار عن الثريات وتلميعها ، ويعمل آدم في المطبخ، أهذا قصدك..؟! . ما العيب في ذلك..؟! العمل شرف، وما من عار سوى العار نفسه.

*


كان لا بدّ لي ولآدم أن نبدأ من الصفر.
عثرَ آدم على عمل آخر من خلال مكتب توظيف طلاب الجامعة. بدأ يعمل في تنظيف السيارات.
وعثرتُ على عمل آخر في مكتبة الجامعة . بدأتُ أقوم بجمع الكتب المبعثرة هنا وهناك واعادتها إلى أمكانها على الرفوف في أوقات الفراغ.
كي نحيا بكرامة ولا نخور فيشمت منّا القاصي والداني، كان لا بدّ لنا أن نحترق. أمّا الحبّ المتبادل فقد
ظلّ منارة ً تنيرُ لنا طريقنا.

*



ها أنا أصغي للمحاضر بانتباه وأدوّن ما يروق لي من كلامه.
فجأة، يقتحمُ أبي الغرفة .
فورًا، أتكوّر حول نفسي كقطة مريضة.
أصبحَ ألمي استثنائيًا.
أحسُّ بزوغان في عينيّ ودوار شديد.
أتأمل قامته الفارهة.
دموعي تنسكب بحرقة لاذعة.
ها هو يقف كجليات الجبّار على الباب.
نظراته الحاقدة تصطادني.
يده الغليظة تشدّني من خصلات شعري وتسحبني خارج الغرفة ، بعيدا عن النظرات المُرتعبة.
ألمحُ المسدس في الجيب الخلفي لبنطاله..
سيقتلني..
حتمًا سيقتلني...
أنجدوني..
صرختُ بأعلى صوت..
استفقتُ.
قطراتُ العرقِ تتفصدُ من وجهي.
ها آدم على السرير بالقرب مني. يحضنني برفق وهو يهمس بحنان:
-لا تخافي أنا معك.
كطفلة تاهت في الزحام وما أن عثرت على صدر أمّها حتى استكانت، أستكين.
-الكابوس ذاته..!؟
= هو الكابوس ذاته، يتكرر كلّ ليلة منذ شهور.
-الأفضل أن نستشيرَ طبيبا.
= لا داعي لطبيب. إن لم أقوَ على الخوفِ بنفسي سيقوى عليّ.

*



رنّ الهاتف.
كنّا نستمع إلى أخبار الثامنة مساء.
لا أحد يعرفُ رقم هاتفنا.
بحلقتُ بآدم، وقلبي يسأل دون أن يجرؤ على طرح السؤال علنا: تراهُ أبي..؟!
رفع آدم سماعة الهاتف.
راح يتحدث مع مجهول. كانَ التوترُ باد ٍ على ملامح وجهه.
أعاد السماعة مكانها.
-من..؟!
سألته بلهفة، فأجابَ ببرود ٍ مميت:
= الشين بيت.
-الأمن..؟!
= نعم. شيروت بيتحون، أي الأمن.
-ماذا يريدون منّا. نحن لا نتدخل في الأمور السياسية.
= يريدونني في مكتبهم غدا صباحا.

تفجّرت هذه الجملة كقنبلة بيننا. ترى ماذا يخبئ لنا الغد..!!





11


انتظِر ُعودته بتحرّق. "الانتظارُ صخبٌ مبعثه القلق". هكذا كتبَ رولان بارت وهكذا أشعر الآن. قلبي نحلة نزقة تقفز على أغصان الترقـّب. أتناولُ كتابًا لدرويش وأقرأ لعلـِّي أتخلـّص من هذا القلق.

وضعوا على فمه السلاسل
ربطوا يديه بصخرةِ الموتى،
و قالوا : أنت قاتل !

أخذوا طعامَهُ و الملابس و البيارق
ورموه في زنزانة الموتى،
وقالوا : أنت سارق !

طردوه من كل المرافئ
أخذوا حبيبته الصغيرة
ثم قالوا : أنت لاجئ !

يا دامي العينين و الكفين !
إن الليل زائل
لا غرفة التوقيف باقية
و لا زرد السلاسل !

نيرون مات ، ولم تمت روما ...
بعينيها تقاتل !
وحبوب سنبلة تجف
ستملأ الوادي سنابل ..!

*



من قال إنَّ الحياة بدون تحديات، حياة لا يجب أن نحياها..؟! أحيانًا تكونُ التحدياتُ أكبر من طاقتنا على الإحتمال. آهٍ، سقراط ..! لو أنك تدرك كمية التحديات التي واجهتها منذ الشهقة الأولى، لكنت تراجعت عن فكرتك.
تناولتُ الدمية الروسية، دميتي المفضلة.
رحتُ أحررُ دمية ً من جوفِ الأخرى.
كهذه الدمية هي الحياة.
كلما تمكـَّنتَ من دمية، تباغتــُكَ بدميةٍ أخرى إلى أن تنتهي اللعبة.
أخيرًا، لمحتُ آدم.
حين تغيّرتْ إشارة ُ المرور عبرَ الشارع.
صار القلقُ حصانا جامحا مستعص ٍعلى الترويض.
أحسستُ بالرهبة تغمر روحي وهو يتهالك فوق الأريكة.
أشعلَ سيجارة من عقبِ أخرى وراح ينفثُ دخان سيجارته من حولي وهو يرشفُ قلقي.
لم أعد أقوى على الانتظار. رجمته بالسؤال:
-ماذا أرادوا منك.؟!
= أن أعمل معهم.
-تعمل معهم..!
= قال الرجل: "عار عليك أن تعمل في تنظيف السيارات وأنت شاب مثقف.
تعاون معنا، نجد لك ولزوجتك عملا في سلك التدريس".
-ألم تخبرهم أنك لم تعد تجد الوقت لممارسة أي نشاط سياسي في الجامعة..؟!.
= أخبرتهم. لكن الرجل قال:" لا نريدك أن تتخلى عن نشاطك، بل أن تبقى وسط الطلاب لتنقل لنا أخبارهم".
-وماذا أجبته..؟!
= قلتُ له: "أعمل في "الزفت ولا أحتاج الزفت." فجنّ جنونه وسألني: " يعني أنا الزفت..؟!"
أجبته: "هذا مثل."

*



لم تنتهِ ملاحقات رجال الأمن لآدم. ظلوا يتصلون بنا في البيت عازمين على إغوائه بالعمل معهم ، إلى أن أخبر آدم أحد الصحفيين بالأمر فكتب مقالا فضح فيه كل التفاصيل والأسماء، فكفوا عن مطاردتنا.

*



جارتي لا تجيد القراءة والكتابة، عرضوا عليها العمل كمدرّسة في سلك التعليم. ألايكفي رضاهم عن زوجها الذي يتعاون معهم كي تصل إلى أرقى المناصب. طبعا، هم معنيون بمدرّسين ينشرون الجهل في وسطنا العربي، كي نظل في القمقم. وكما يُقال، على كل عربي في الداخل خمسة جواسيس عرب، كلّ منهم مستعد أن يبيع جاره أو قريبه أو حتى ابنه لأجل منصب مرموق.

*



انتهت السنة الدراسية الجامعية بعد رحلة بقاءٍ شاقة. حاولتُ أن أعثر على وظيفة في سلك التدريس، إلا أنّ أبواب وزارة المعارف كانت مغلقة في وجهي. قرأتُ اعلانا عن وظيفة شاغرة فهرعتُ أقابل مفتشة اللغة الانجليزية في حيفا. قابلتني بحفاوة فقد كانت في أمسّ الحاجة لمن تقوم بتدريس اللغة الانجليزية بعدما اضطرت المُدَرِّسَة للتنازل عن وظيفتها بسبب إنجابها المبكر.
بعدما اطمأن قلبي إلى أن الوظيفة صارت مضمونة، قامت المفتشة باتصال هاتفي. امتعض وجهها. أعادت السماعة مكانها. ثمّ، اعتذرت عن عدم تمكنها من السماح لي بالتدريس.
آهٍ أيتها الأبوابُ المغلقة، أين المفرّ..؟!
هنالك وظيفة شاغرة في المدرسة الثانوية في الناصرة.
توجهنا إلى الناصرة.
أخيرا،حصلتُ على وظيفة..! فقد قام رئيس البلدية، المناضل توفيق زيّاد، بتوظيفي فورا، متحديا كل التهديدات.
كان حظي أفضل من حظ الآخرين. ها مُدرّس علم الاجتماع يخبرني أنه حصل على الوظيفة بعدما قامت البلدية بتوظيفه دونما راتب إلى أن ربح القضية في المحكمة التي أعلنت أن ليس هنالك ما يمنع انخراطه في سلك التدريس، طالما المدرسة بحاجة إلى مُدرّس وهو حاصل على الشهادات المطلوبة.

*



مشوارُ الألفِ ميل، يبدأ بخطوة. ها نحنُ نخطو الخطوات الأولى فوق طريق الآلام، مصرين على حمل كل صليب نضطر لحمله لأجل استمرارية هذا الزواج المختلط المُدان بالفشل من قِبل المجتمع والمدان بالازدهار من قبل قلبين عاشقين يؤمنان أن الحياة لا تسلّم مفاتيحها إلا لمن لا يخشى المواجهة.














12

أذهلني هذا الحنين الذي أيقظني، أنا المثقلة بالتحديات، المفخخة بالمواجهات. من قمقم العزلة حرّرني وسيّرني عائدة إلى الناصرة، كعودة الطيور المهاجرة. ها أنا لا أمشي إنّما كسنونوّة ٍ أطير مضمخة بالحبّ. أصافحُ عينَ العذراء، أصافحُ أجراسَ كنيسة البشارة، أصافحُ الوجوه المرهقة، والأزقّة التي أحفظها عن ظهر حُبّ. في وضحِ النّهار أسيرُ، أسيرة َ أشواقي. في وضح الحبّ أسيرُ، أسيرة ذكرياتي. كموجة شاردة أعود إلى بحري، هويتي، ذاتي.
يتقافز بين الضلوع هذا القلب المرهق. يتلو عليّ تلك الومضة الشعريّة التي أعشقها للرائع عدنان الصائغ:


بعد قليلٍ ....
أمرُّ
أدفعُ الحياةَ أمامي كعربةٍ فارغةٍ
وأهتفُ: أيها العابرون
احذروا
أن تصطدموا بأحلامي


فجأة، لمحتُ سيارة َ أبي خلفنا بين السيارات التي اكتظ الزقاق بها.
لا مفرّ أيتها الشقيّة. لا مفر..!!
ما عليكِ إلا المواجهة مهما كان الثمن.!
مرّت بنا سيارة يقودها شاب. كان صوت المذياع صاخبًا.


وجهُكَ فاجأني كالأمطار
في الصيفِ وهبَّ كما الإعصار
والحبُّ فرار، والبُعدُ قرار
وأنا لا أملكُ أن أختار


آه ٍ أيتها المناجل، أهكذا تسبقينني إلى السنابل..؟!
"قلبُ المُحبِّ آمن، تدخله الشمسُ من كلّ الجهات." طمأنتُ نفسي بهذه المقولة وأنا أستمدُ الشجاعة من آدم الذي سار بالقرب منّي وأخذ يحثـّـني على المواجهة.
اقتربتْ سيارة أبي منـّا، حمدتُ ربّي أنّه لم يكن لوحده فقد كان صديقه معه. انحنيتُ، وألقيتُ عليهما التحية عبرَ النافذة الأمامية للسيارة، من جهة صديقه. حدجني أبّي بنظرة حاقدة. لم ينبس ببنت شفة. الازدحام الكثيف للسيارات أمامه منعه كما منعني من الفرار. تابع تقدمه. لحقتُ به وعدتُ فانحنيتُ وقلت:
-كيفك يابا..؟!
رقّ قلبُ الياس فتدخل على الفور:
= يا رجل، هاي بنتك. الدمّ عمره ما بيصير مَيّ. رُدّ عليها .
ثمّ، التفتَ نحونا وطلب منّا أن ندخل السيارة.
دخلَ آدم وتبعته، وتبعتنا أشباحُ الحيرة.
أخذ أبي يحدجنا عبرَ المرآة الأماميّة للسيارة. ثمّ ،انهالَ علينا بالعتاب:
-ليه هربتوا..؟! أنا كان بدي أزوجكم بنفسي..
تركناه يُفرغ كلّ ما في قلبه من أوجاع الذاكرة ونحن محتفظان بالصمت كملاذنا الآمن. توجهنا لبيت الياس وهناك أحضروا أميّ، ومعها حضرتْ الدموع ُ بكامل زخمها، ومعها حضرت الشموع التي أنارت عتمة أيامي، ومن هناك عدنا معهما لحضن العائلة، كسمكتين عاشقتين تعودان للبحر الذي لفظهما.

















13


يجب أن تكون عندي مقبرة جاهزة لأدفن فيها أخطاءَ الآخرين. قد تصدأ قضبان الحياة، ولن تصدأ إرادتي. هكذا رحتُ أقنعُ نفسي وأنا أنوي مغادرة حيفا والعودة للناصرة حيث تنتظرني سهامٌ كثيرة.

*


لم تستملني الماديات يومًا، فأنا الأنثى المعتنقة مبدأ: " خبزنا كفانا أعطنا اليوم". اعتدتُ أن أمدَّ رجليّ على قدر لحافي، كما يقول المثل الشعبيّ. دومًا اكتفيتُ بالقليل لأنّ سعادتي لم تـنبع ممّا في هذا العَالم من مُغريات وتعظـُّم ِ معيشة، إنـّما من تحقيقي لذاتي ، خاصّة ً وأنا أحيا مع شريك حياة اخترته بكامل إرادتي. رفيقُ درب ٍ لم تلوّنه الظروف التي واجهناها معًا، رغم قسوتها. ظلَّ متمسكـًا بذات القيم، المفاهيم والمبادئ التي جعلتني متيّمة ً أزليّة ً لرجولة، فروسيّة، وشهامة ما لمستها بين معظم من اصطدمتُ بهم من رجال، خاصّة ً هؤلاء الأدباء الذين يتشدقونَ بالمبادئ على ورق ومن على المنابر، ويتبرؤون منها خلفَ كواليس الحياة.

*


لم أهتمَّ ا للغد، لانَّ الغد يهتم بما لنفسه. يكفي اليومَ شرّهُ. قرأتُ مقولة أعجبتني فاعتنقتها كمبدأ: "الأمس هو شيك تم سحبه والغد هو شيك مؤجل أما الحاضر فهو السيولة الوحيدة المتوفرة لذلك أصرفها بحكمة".

*


تملكتني حيرة ٌ مـُقـمَّـطة ٌ بالغضبِ وابنة عمّي تلدغني بسؤالها المسموم، وقد جاءت لزيارتنا في حيفا:
-هذه الرفوف، ستأتينَ بها للناصرة..!!
فجأة، اقتحمتْ عبارة الأديب أنيس منصور أفكاري: " لا أعرفُ قواعد النجاح. ولكنّ أهمّ قاعدة للفشل هي إرضاء كلّ الناس."
تأملتُ الثيابَ القليلة المنضدة فوق تلك الرفوف. لم تنتابني نوبة خجل كما توقعتْ هي، كوني لا أملك خزانة للثياب. كانَ مبدأ إنهاء هذه السنة الدراسيّة الجامعية، والحصول على شهادة، في قمّة سلم أولوياتي. ارتضيتُ بالقليل، بل بأقلّ من القليل لاحيا، حتـّى أنني اعتدت أن أتبادل ارتداء ذات بنطال الجينز مع آدم دون أن يشعر أحدنا بالحرج، بل بدفء المشاركة في الأمور الحياتيّة.
أبرقَ وأرعدَ كلامُ أمّي عن ابنة عمّي، التي توجهت لأمي تطلبُ منها ثيابي، بعدما غادرتُ المنزل للارتباط بآدم. إعتصرَ الألمُ قلبَ أمّي وهي تخبرها أنّي على قيد الحياة، وأنـّها يومًا ما ستعيدُ لي كلّ حاجياتي.
حدّقتُ في ملامح وجهها. تراءتْ لي كشرطيّ مرور، يهوى تسجيل المخالفات للمارّة. قررتُ أن أركلَ كلَّ ذكرياتي الأليمة مع هذه المرأة التي أزهرَ وجهُها وهي تتلهفُ لاصطيادي.
ببرود ٍ حادٍ أجبتها:
-بل، سأهديكِ هذهِ الرفوفَ ، عزيزتي.

*


بعدما عدتُ لحضن العائلة، نهشتْ الغيرة ُ قلبَ تلك المرأة التي كانت تتمنى موتي. أخذتْ تنشر الأقاويلَ عنّي. لم يرق لها زياراتي المتكررة لأهلي فعزمتْ على طردي من بيتِ أبي.
وقفَ أبّي صامتًا كأبي الهول.
كان يخشى سطوة هذه المرأة.
صمتُ أمّي أدمى قلبي.
كيف لهذه الدمية أن تطردني من بيتِ أبي..!
انتفضَ الدمُّ في عروقي.
ذهبتْ كلُّ أوراق المبادئ مع ريح تلك اللحظة المَوبوءَة.
كانَ لا بدَّ أن أثأرَ لنفسي، لأمّي ولأبّي من سطوتها.
أمسكتها من خصلات شعرها وسحبتها خارج البيت.
قامتها القصيرة ساعدتني على تنفيذ المهمّة.
أوصدتُ الباب بالمفتاح.
جنَّ جنونها، فهرعت تخبـّط بعنف ٍعلى النافذة .
كانَت المفاجأة قد شلّت الجميع عن الحركة.
حينَ تأكدتْ أنّها لن تنشرَ الرعب في قلب والديَّ، هرعت لعمّي تشكونا له، لكي يأتي بدوره فيبثّ الرعبَ في القلوب التي اعتادتِ الخنوعَ لجبروتهم.













14



في معركة الحياة الصامتة، تعلمتُ أن أكتشف الكنوز المخبأة داخل كياني ، ولا أدع الظروف مهما كانت قاهرة، أن تكسرني. الحياة محطات، منها القاسية ومنها السهلة وعليَّ أن أحتمل كل أنواع التجارب، فالتجربة التي لا تكسرني، تقويني، تصقل شخصيتي، وتبنيني.
على هذه الأرض ما يستحق الحياة، ونحن نحياها مرّة واحدة. لنا حريّة الاختيار في أن نحياها بفرح وابتهاج أو بؤس وتعاسة. أنا قررتُ أن أكون من فئة المبتهجين، لأن الفرح قوّة. قررتُ أن أرفض كلَّ مطبـَّاتِ اليأس التي تعترض طريقي، كي أحيا بسلام ، متصالحة مع نفسي ومع الآخر.
لن أنحني كما الأغصان لرياح النفاق الاجتماعي والغبن السياسي المتزايد في هذه الرقعة من الكون والتي صارت تبدو كحلبة مصارعة بين فرسان وثيران ومتفرجين. هذا ما رحتُ أبتهل به في الغرف الجوفية لروحي، أمّا السؤال الذي ظل ّعالقا في دماغي وأنا ألمسُ عوارضَ أزمة هويّة في كيان كلّ من حولي ، فقد كانَ : "من أنا".

*


كانت إحدى الزميلات، تتحدث في غرفةِ المعلمين عن زيارتها للقاهرة.
غاصَ قلبي بين ضلوعي، وهي تتلوى متذمرًة من موقف إخوتنا المصرين حين سألها أحدهم عن قوميتها، فأجابت: " إسرائيلية".
أمّا مُدرِّسة ُ المدنيات، فقد اقتحمتْ غرفة المعلمين والنقاشُ محتدم حول الانتخابات في إسرائيل، واحتمال فوز نتنياهو. زمّت شفتيها وغادرتْ الغرفة وصدى صوتها يطاردني: "لا يعنيني الموضوع، لا من قريب ولا من بعيد".

*


في إحدى زياراتنا لعمّان، ناولتنا موظفة الاستقبال بطاقات الوصول لتعبئة التفاصيل. احترتُ ماذا أكتب في خانة القومية. تركتها فارغة، فتناولت الموظفة ُ القلم وسجلت: "عرب 48"، وراحت تشكو من الفلسطينيين الذين يعتبرون أنفسهم إسرائيليين.

*


تمّ استدعائي للمشاركة في أمسية شعرية في رام الله. منعني الحصارُ من دخول بلدة فلسطينيّة رغم أنـّي أحمل في دمـّي كريات دمّ فلسطينية.

*


في معبر طابة، تناولتُ بطاقة المغادرة لتعبئة التفاصيل. جمعتُ شتاتَ روحي وأنا أسجل في خانة القوميـّة وعلى بطاقتي وبطاقة آدم وابنتينا أمل وأحلام: "عرب 48."
تناولَ الضابط المصريّ قلمًا وشطبَ التعبير: "عرب 48"، وسجلّ على كلّ بطاقة: "إسرائيلي".

*


قمتُ بإرسال ديواني: " قبل الاختناق بدمعة" لأحد اليهود المحاضرين في قسم اللغة العربية في إحدى جامعات البلاد كما أرسلته للعديد من الشخصيات المهتمة بالأدب. دهشتُ حين وجدت منه رسالة، توقعتُ الحصول عليها من أحبّائي الفلسطينيين الذين يقاسمونني وجع الهويـّة، لكّن أحدًا منهم لم يكلف نفسه عناء الرد على رسالتي بكلمة تشجيع أو حتى تقريع..!
فضضتُ الرسالة بلهفة. رحتُ أقرأ الإطراء الذي افتتح به رسالته وهو يعلن أنـّني شاعرة موهوبة لها بصمتها الأدبية الخاصة ، لكنه اختتم الرسالة بتنويه طعنني في صميم كياني، فقد استنكر عليّ التعبير" شاعرة فلسطينية" كما جاء في السيرة الذاتية في الديوان وكانَ انتقاده كالتالي: أنتم الأدباء عليكم مسؤولية بثّ روح التفاهم والتسامح والسلام .

*


بينما كان آدم يمشي بثقة في بهو فندق في إيلات، هرعَ إليه رجلُ الأمن مرتعبًا وكأنَّ آدم "غرضٌ مشبوهٌ" به متحرك. طلبَ منه الهوية. كانت نظراته توحي أنّ آدم من "فصيلة – ب"، كما يطيب لهم تصنيف عرب الـ 48، وأنّ المكانَ ليس مكانه.
راح آدم يمطره بالتذمر . غادرنا الفندق الذي نزلنا فيه بسبب حصولي على بطاقة إقامة مجانية من المدرسة. منذ تلك الحادثة، أسقطنا من حساباتنا الإقامة في أيّ فندق لليهود.

*


وقفنا نحن الأربعة في باحة مجمّع في تل أبيب. كانت الباحة مكتظة بالذين ينوون الدخول. لم نفهم سبب هذا الازدحام إلا ونحن ننتظر دورنا للدخول ، فقد سمعنا تمتماتٌ تؤكد أن وزيرا يهوديا ما سيقوم بعد لحظات بزيارة المجمّع .
فجأة، اصطادتنا فتاةُ الأمن من بين كلّ الموجودين. طلبت الهوية من آدم، وهي تنظر إليه كأنّه "قنبلة موقوتة".
ابنتي أمل، ذات الخمس سنوات، تشبثتْ ببنطال آدم وهي تتمتم مذعورة:
- بابا لماذا نحن..؟!
التقطَ آدم المهتاجُ غضبًا سؤال أمل، وطرحه على فتاة الأمن:
= تقدري تقولي لبنت عندها خمس سنوات، لماذا نحن..؟!

أعادت له الهوية وهي تعلن بخطواتها المبتعدة عدم مبالاتها بأزمة الهويّة التي نعاني نحن الفلسطينيون منها، في بلد كُتبَ علينا أن نولد فيها، ونحيا هذا الصراع الدامي على ذات بقعة الأرض حيث لا شئ يحرّك خيوط لعبة البقاء سوى منطق القوّة.

*


لا تستطيع فصل السلام عن الحرية، فلا يمكن لأحد أن ينعم بالسلام ما لم يكن حرًا.
قرأتُ هذه الجملة، وخلدتُ للنوم.
































15



الكتابة، هذا الوجعُ السرمديّ ، صارت لي بطاقة هوية أفتخر بها وأجدها وسيلة للبحث عن الذات فقد أتاحت لي المجال لطرح العديد من الأسئلة الوجوديّة:


أما آنَ لي أن
احرّرَ من قارورة العطر
... جسدي
أحرّر من توابيت القبيلةِ
... وجعي
أحرّر من مشنقة الغبَن
... عُنُقي
ومن مرايا الوهم
... وجهي
لأبحثَ عن صوتي
في ثرثرة النّوارس
لأمواج البحر
وأرسم بطاقة كِياني
في وشوشة الورق
لأمواج الحبر ..!!


رحتُ أردد في الغرف الجوفيّة لكياني أنّي لا أكتب كي أقاتل نيرون إنـّما أكتب كي: "أكون". لستُ طبيبة نفسية ولا باحثة اجتماعية لأقدم الحلول لمشاكل حياتية عادية أو أزمات مصيرية مستعصية كأزمة فلسطين. أنا كاميرا متجولة، تلتقط الصور وتلقي الضوء عليها بشكل موضوعيّ دون أن تطرح الحلول. قراري في أيّ المشاهد ألتقط هو قرار اختياري ينبع من ملامح هويتي الأدبيّة الملتزمة. رحتُ أطرح الحجارة الصغيرة في بئر ماء راكد، فتتولدُ الدوائر التي تحثّ القارئ على التفكير في الأزمة المطروحة وفي حلولها:

الى متى
يظلّ الإنسانُ الصادقُ
ضميرا مستترا
وتظلّ الأقزام
المشبّهة بالأفعال
تنصب وترفع
ما تشاء
متى تشاء ..!!


أكتب لأن الكتابة هي التي انتقتني ولم أنتقيها. ولدتُ وولدتِ الكتابة معي من ذات الرحم، رافقتني الرحلة منذ الشهقة الأولى. كانت العينَ الثالثة التي أرى من خلالها الأحداث وأقيّم الشخصيات. كثيرا ما كنت أغبط نفسي على هذه النعمة لكونها تمنحني الشعور اليقينيّ أنني شريكة في عملية الخلق الإبداعي، وأنّ الأمومة جزء من كياني الأدبّي، فالنصّ نصيّ وأنا المسئولة الأولى عن تفرده. هي عملية تشبه ولادة الأبناء، لكن لا مسؤولية للأم فيما يخصّ المولود البشريّ ، أمّا النصّ الأدبيّ فهو مسؤوليتي الأساسية وهو الجلاد الذي إمّا أن يجعلني أرتقي أو يأمر بنفيي من ساحة الإبداع.

كثيرا ، ما أرهقتني الكتابة لكونها الظلّ الذي يأبى أن يفارقني، أو النحلة التي تظلّ تطن في رأسي، وأحيانا تؤرقني وترهقني وتسلبني الهدوء النفسي فأظل متحفزة متوترة إلى أن أتمخض النص وأضعه في مذودِ الإبداع.

كثيرا، ما استيقظت على ومضة جاهزة أو فكرة جاهزة فكنت أسارع لتدوينها قبل أن تتوه مني. كثيرا، ما داهمتني الكلمات في أوقات حرجة: وأنا أسوق السيارة أو وأنا أقوم بتدريس طلابي أو وأنا في زيارة عائلية. كثيرا ما أحرجتني واضطرتني للانزواء جانبا لأكتب ما تمليه عليّ. كثيرًا ما ألقيتُ عليها يمين الفراق ، فكنتُ أعتزل شهورًا عن الكتابة ، وكانت تطاردني وتقدّم لي شتّى الإغراءات الأدبيّة كي أعاود الكتابة . بعد صيام ٍ طويل ِ الأمد عن الكتابة، صيامٌ يتخلله نهمٌ غريبٌ لالتهام الكتب، فقد آمنتُ أنّ وراء كلّ أديب جيّد، قارئ نهمٌ، تأتيني الكتابة ُ بلون آخر من ألوان طيفها، فتقعُ كلُّ أسوارُ الصَّدِّ بيني وبينها واستسلم طوعًا أو اضطرارًا للوحي الجديد المبتكر.

هنالك من يعتبر أنّ الكاتب الجيّد يجعلك إما تفكر أو تحلم، وأنا قررتُ أن أجعل قارئي يفكر ويحلم معًا. كلما حاولت اللغة ، كانت تباغتني باحتمالاتها. كلّما منحتها اهتمامي، كانت تمنحني المزيد والمزيد من المفاجآت اللغويّة كالصُّـور الشعريّة والعبارتِ المبتكرة كعبارة:
" أحبّك بالثلاثة" وعبارة: "العاشرة ُ عشقا"، أو " آتيكَ راضية ً مرضيّة" وغيرها الكثير من العبارات التي طاب لي أن أسميها بيني وبين نفسي: "عباراتٌ حياتيّة".

الكتابة فعلُ ارتقاء، والكتابة فعل بقاء. هي جنوني كما أنا جنونها. قالوا : "إذا أردت أن تعرف شعباً فاذهب إلى فنونه" . على مر العصور، ظلّ الشعر يزوّد المجتمع الإنساني بمعنى الوجود، والقدرة على لمس جوهر حياتنا. أصبحت الكتابة من أحد المكونات الأساسية للهوية الحضارية لكل أمّة: جوهر نصيّ للذاكرة المشتركة، الخيال، الأحلام، والقيم التي تخلق حضارة ما وتجعلها متفردة. صرتُ أعجبُ كيف يمكن للبشر أن يمرّوا في هذه الحياة دون أن يقرؤوا كتابًا..؟! أليست المطالعة نعمة خصّنا بها الخالق عن دون المخلوقات.؟! لا أستطيع أن أتخيل الحياة دون كتب ، كما لا أستطيع أن أتخيلها جميلة لو خلت من البحار والأشجار والطيور، ولا أستطيع أن أتخيلها أحادية اللون، فما أجمل فكرة الألوان.

الكتابة هي أداة ُ البحثِ في التجربة الإنسانية وهي تمنحنا الفرصة لنعيد اختراع الحياة وأن نغيّرها وقد يصل التغيير على ورق لدرجة تزوير الحقائق، ففي لحظة الإشراقة الأدبيّة: كل شيء جائز. النهر يتدفق ، ولا مجال لكبحه أو تحديد مساره. حتّى الأديب نفسه، يصاب بالذهول من النص النهائيّ الذي يحصل عليه بعد كلّ عملية خلق للكلمات تبدأ بفكرة أو ومضة أو صورة شعريّة أو بذرة صغيرة لا تلبث أن تنمو فتصبح شجرة وارفة.
تأتي لحظة الإشراقة الأدبيّة كما البرق، دون أن تخطط لها، دون أن تعرف متى وأين، دون أن تستأذنك. تصبح أنت عينــًا ثالثة حساسّة تدأب على التقاط كل تفاصيل الحياة كالأحداث والصور والأقوال والأفعال. تخزّن في الذاكرة أنماط من الشخصيات. تقرأ ، وتلتقط من كلّ مجال القليل من المعلومات او الخبرات الحياتية لتـُغني مجال المعرفة لديك. حين يتكاثف كلّ هذا المخزون، تمطر كما السُحب المشبعة، لكن حروفا على ورق. تتحوّل الصور التي التقطها من الطبيعة، لصور شعريّة. تتجسد الشخصيات التي خزنتها في الذاكرة، كشخصيات ٍ أدبيّة تسيّرها حبكة ُ القصة أو الرواية.

يتساءل الروائي انطونيو تابوكي: ما الإلهام حقا..!؟ فيقول: إنه ذلك الصوت، الذي هو أنا بطبيعة الحال، لأني معتاد على التخاطب مع نفسي بصمت، وبجمل حقيقية كاملة. تكون المسألة في البداية أشبه بحلقة كهربائية مقفلة. ثم يبدأ التحوّل والانقسام، او حتى الفصام، بيني وبيني. فيروح هذا الصوت الداخلي، صوتُ الشخصية، يرتدي نبرة ً ليست تماما نبرتي، كأنه صوتي وليس صوتي في الوقت نفسه. انه نوع من السكيزوفرينيا غير المؤذية ويجب أن أتفاوض مع هذا الصوت وأن أخلق مسافة بيني وبينه لكي أفسح له أن يتكوّن بمعزل عني. آنذاك، عندما أتيح لهذا التميز أو لهذه المفاضلة أن يتجسدا، تنفتح الحلقة وتتحول مسرحًا. ثم، أشرع أستضيف تدريجيًّا على خشبة هذا المسرح أصواتـًا أخرى، من كل نوع ولون، فتنطلق القصة. أجعلُ هذا بحارا، أُلبــِسُ ذاكَ معطفـًا جلديـًّا، أدبّر للثالث زوجة، وهكذا دواليك: تقع الأصوات على الورقة وتبدأ الرواية.

قد يتهمني البعض بالنرجسيّة، هذه التهمة التي وُصِم بها الأدباء على مرّ العصور. لمَ لا..؟! إن لم يدهشني النصّ الذي أكتب ، أنا قبل قارئي، كيف أضمن أن يلمسَ قلبه ويصله وهو في كامل اللهفة للغوص في المحيطات التي أعرضها عليه..؟!


شاعِرَة ٌ
مَاهِرَة ٌ، مَاكِرَة ٌ
مَنْ يَجدُهَا..؟!
ثمَنُهَا يَفـُوُقُ اللآلِئِ
كـُلـَّهَا.
بـِهَا يَثِقُ قلبُ قارئِهَا.
لـَهُ ..
لا تصْنـَعُ إلاّ
الدَّهْشَة َوالبَهْجَة.
هِيَ.. كـَسُفـُن ِ التـَّاجـِر ِ،
مِنْ بَعْيدٍ..
تـَجْـلِبُ رُؤَاهَا.
تـَقـُومُ، إذِ الغـَسَقُ قـَريبٌ
تـَتـَأَمَلُ الأ فـُقْ.
ثمَّ، تـَمـُدُّ يَدَيْهَا إلى المِغـْزَل ِ
وَتـَنـْـسِجُ...
مِنْ حَرير ِ الحُلـُم ِ ..
قـَصَائِدَهَا.
لا تـَخـْشـَى بَرْقـًا وَلا رَعْدَا،
فـَقـَصْرُهَا مُؤَسَّسٌ عَلى .. الأَلـَقْ.
يَقـُوُمُ قـُرَّاؤُهَا ..
وَيُطـَوِّبُونـَهَا،
النـُّـقـَادُ ..
فـَيـَمْدَحُونـَهَا.

*

كـَثيرَاتٌ ..
حَاوَلـْنَ اللـُّغـَةَ
نـَثـْرًا وَشِعْرَا
أَمـَّا أنــَا..
العَارفة ُ سِرَّ
رَحِيــِق ِ الزَّهْرَة..
فـَفــُـقــْـتُ
عَلـَيـْهـِـنَّ جَمِيعًا.


منذ نعومة حبري، اعتنقتُ مبدأ:

اللسّانُ الذي
لا يستطيعُ
أن يقول: "لا!"
ليس لسانَ
إنسان ٍ


والأديبُ هو لسانُ الأمّة وضميرُها، لذلك:



النصَّ الجيّد
لا يصنعه إلا
صعلوكٌ صغير


وكما يقول المثل الأسباني القديم: "لا تقترب من العظماء كي لا تصاب بالخيبة..!"، فالعديد من الأصوات تجيدُ فنّ التنازلات التي تؤدي لمجاملات وتكفل للأديب الانتهازيّ الوصول إلى المنابر والى بقع الضوء الساطعة، والكاميرات التي تجيد التقاط الوجوه المطلية بالألوان والمختفية خلف أقنعة النفاق الاجتماعيّ والأدبيّ. ويظل هؤلاء الانتهازيون يتشدقون بالمبادئ والمثل العليا، غير آبهين بالطرق الملتوية التي رفعتهم لأبراج المجد الوهميّ الزائف الذي لن يسجله التاريخ، بل سيودي به إلى مزابل التاريخ.

أحيانا تتجسدُ الكتابة في خيالي كأنثى ،أسمعُ أنينها : أما كفانا مجاملة للأسماء الصدّاحة التي نجدها ونقرؤها في كل مكان، وتستقطب اهتمامات النقاد والكتاب دائماً، بينما نتجاهل الإمساك بمواهب واعدة نظيفة وصادقة ، لا بد ستحمل في يوم ما مسؤولية الكلمة التي أردناها شريفة ونظيفة وواعية.
كم ديوان شعر نزفتُ وكم قصة قصيرة ورواية كتبتُ، ولم أحظّ بلفته تليق بي كأديبة، شاعرة أو روائيّة. لماذا..؟ لأني لا أساوم على كرامتي كالأخريات. الغالبية الساحقة ممن يكتبن حصلن على "جائزة الإبداع السنوية" التي تقدمها الدولة كتكريم للأديب على مستواه الأدبي وتتيح له فرصة التفرغ للكتابة، إلا أنا وثلة من الأدباء الأنـقياء الذين لا يساومون على كرامتهم ، والذين بدأوا يقيـّمونها لا كجائزة: "إبداع"، إنما كجائزة :" إقلاع" ، فما أن يحصل أحدهم (أو إحداهن) على الجائزة التي يقدّم في سبيلها شتّى التنازلات، ويجري في سبيلها شتى الاتصالات، ويقيم شتى العلاقات، حتّى يختفي عن الساحة الأدبيّة. مع الرّيح يذهب، كأنّ أديبــًا لم يكن..!

رحتُ أصعد السلم درجة درجة، وأنا أقنع نفسي أن الذين يتسلقون إلى القمّة فجأة، لا بدّ أن يهبطوا فجأة. ما من أديب وُلدَ في القمّة، كلّنا نخطو في ساحة الإبداع خطوة خطوة، والبقاء للذي يخطوها بثقة لا تدع له المجال للسقوط ، مع أنّ الفشل هو مجموعة التجارب الحياتية التي تسبق النجاح، إلا أنّ الفشل في ساحة الإبداع، قد يطرح الأديب خارج حلبة التنافس.

لم يأتِ تقيمي كأديبة من أيّ ناقد لكوني لا أعتنق المجاملات السخيفة. تقييمي الموضوعي، جاء دومًا من عدد قرائي الذي زاد على الألف قارئ لكل نصّ أدبيّ أطرحه على الشبكة العنكبوتيّة. تقول الأديبة هيفاء بيطار في مجموعتها القصصيّة التي تحمل ذات العنوان: "يكفي أن يحبّك قلب واحد لتعيش"، ومن وحي هذه الأديبة الجميلة بدأتُ أقول: "يكفي أن يحبـَّني قارئٌ واحد ٌلكي أكتب وأكتب".
يقال: لا نبيّ في وطنه. وأقول: تقيمي الحقيقي الموضوعي يأتي من قارئي لا من النقاد الذين اعتادوا المجاملات، والنظر إلى ماكياج الأديبات بدل نصوصهن، وربما الصفقات الماديّة الخفاشيّة المتداولة: أكتب عنّي، وحدّد الرقم الذي تشاء على ورقة الشيكات أو المنصب المرموق الذي تشاء. أليست هذه الأوضاع غير الموضوعيّة والتي تسمح للأقزام بالارتقاء الوهميّ، هي ما يمنع أمّة عريقة كأمتنا أن تصل إلى الجوائز العالميّة كجائزة نوبل للأدب، وتبقى العديد من الأصوات المبدعة بحقّ مطمورة ً في طين التجاهل المتعمَّد..؟

دوما شعرتُ أنّي في حلبة سباق. أسيرُ ببطء القواقع، وتمرُّ بي قوافل من الأرانب السريعة العدو، الوصولية، الانتهازية. مع هذا، أظل أسيرُ الهوينى فالعبرة لمن يصل أخيرا للهدف: وهدفي أنا، كان وسيبقى، أن أترك ولو بصمة ذات قيمة على رقعة الإبداع وأكون خيطا ولو صغيرًا لكن متفردًا في نسيج الكتابة الإبداعية العالميّة.














16



أمرتنا فتاة ُ الأمن بالانتظار خلف الحاجز وراح الشاب الواقف بالقرب منها يحدج كلّ من في سيارتنا بالنظرات من خلف الزجاج الأسود لنظارته الشمسية ومن خلف زجاج الناظور. ككل ّ مرّة نعبر بها الحدود من طابة المصرية إلى بيوتنا أتساءل: ما الذي ينظر إليه هذا الشاب..؟ تراه ينظر إلى ملامحنا إن كانت تشي أننا فلسطينيون، أم أنّه يحتاج أن يقرر إن كنّا مواطنين صالحين حسب المفهوم الإسرائيلي، فالمواطن الفلسطيني الصالح أو من حمل لقب "عرب 48" هو ذلك المواطن الأبكم أخرس أعمى. أم أنّه يتفحصُّ هويتنا من ثيابنا، فالمرأة المُحَجبّة خطرٌ على أمن الدولة، وكذلك الحامل لأنّ حملها قد يكون خدعة كما حصل مرّة مع أخت زوجي الحامل فاقتادوها إلى غرفة خاصة للتأكد من كونها فعلا حاملا.
اقتربت الفتاة بزيّ الجنديّة منّا لتسأل إن كنا نجيد العبرية كي تبدأ بالتحقيق معنا وعيناها تتنقلان من فرد إلى آخر وهي تطرح السؤال تلو السؤال وجواب النفي ذاته يتكرر مع كلّ سؤال:
"هل قابلتم أحدا، تكلمتم مع أحد، سمحتم لأحد أن يكون معكم في السيارة، أعطاكم أحد هدية لإيصالها لإسرائيل، معكم سلاح أو لعبة على شكل سلاح؟ هل كانت السيارة في كراج، هل اقتحمت السيارة بهدف السرقة، هل قام أحد بترتيب حقيبة سفركم...".
طلبت منّا أن نترجل فنقوم بنقل جميع حاجياتنا إلى صناديق بلاستيكيّة كبيرة. أمطرها آدم بموجة غضب حتما لن تفلح في إنقاذنا من جحيم المرور عبر الحاجز الكهربائي وتمرير كلّ حاجياتنا على الآلة الفاحصة وكلّ المفاجآت التي تنتظرنا.
قام الحاجز الكهربائي بإصدار طنين متتابع حاد حينَ مررت من خلاله.
أمطرتني فتاة ُ الأمن ِ بنظرات ٍ حاقدة كأنها تتهمني أني قنبلة موقوتة.
أشرتُ إلى إسوارة ذهبية صارت بعدَ الحمل والولادة أصغر من حجم يدي.
حاولتُ أن أتخلص منها لكن هيهات.
نادتْ الفتاة على رجل أمن أعلى رتبة منها فحدجني بنظرة ثاقبة وأومأ لها أن تأخذني إلى غرفة صغيرة جدا عن يميننا، ما لبثت الفتاة أن اقتادتني إليها . ساورتني مشاعر الخجل في أن تطلب منـّي خلع ملابسي. شعرتُ بارتياح لأنها لم تفعل. أخذتْ تمرر ذلك القضيب الكهربائيّ فوقَ جسدي وفجأة سألتني:
- معك سلاح!
= لا.
عادتْ تمرره فوق جسدي. وأنا اتأففُ وأتلوّى سرّا ولا أجرؤ على التفوه بكلمة كي تعتقني سريعا من هذا الجحيم.
فجأة، طعنتني بسؤال وذلك القضيب الأسود يتوقف قرب خاصرتني اليُمنى، وكأنّها باغتتني:
- ماذا يوجد هنا.؟!
= لا شئ.
احتفظتُ برباطة جأشي وهي تتابعُ تمرير ذلك القضيب الأسود فوق كلّ خلية من خلايا جسدي. أخيرًا، حررتني.
كان آدم يمطرهم بوابل من التذمرّ وابنتيّ تعلنان صمتًا عن اشمئزازهما من الموقف المتكرر كلّما عبرنا حاجز أمنيّ.
كان يقول بامتعاض:
= دوما تعلنون لنا أننا مواطنون من الدرجة الثالثة ..!
طلبَ منه الشاب المرتدي زيّ جندي أن يباشر بوضع الحقيبتين وبقية الحاجيات فوق الشريط الكهربائي المتحرك. مرّت حقيبة ُ ابنتيَّ بسلام ثمَّ مرّت الحقيبة الحمراء الكبيرة والتي أحتفظُ فيها بحاجياتي وحاجيات آدم.
فجأة، ترك الشاب شاشة المراقبة أمامه وهرع إلى الحقيبة الحمراء التي استقرتْ في قبضة يدي. بادرني بسؤال فيه نكهة التخويف:
- أنتِ قمتي بترتيب حاجيات هذي الحقيبة..؟!
كانت التمثيلية الفاتنة أن يُوقعني أسيرة الرعب وكأنـّه اكتشف شيئا داخل الحقيبة يهدد أمن الدولة. ببرود أجبتُ:
= نعم أنا. افتحها وتأكد بنفسك أنها ليست ملغومة."
-متأكدة.
= ألم تمرّ الحقيبة أمام كاميراتكم؟ هل وجدت فيها شيئا؟
- فيها سلاح..؟!
= عن أي سلاح تتحدث...؟!
نحن كنا في رحلة استجمام وأنتم أفسدتم علينا استجمامنا.
لمحتُ خلفه رفوفًا عليها أوراق للشكوى، تعلن عن ديمقراطية الدولة لكلّ عابر حدود.
خطرت على بالي فكرة، فهرعتُ أقول:
= حسنا، هات ورقة الشكوى تلك من على الرّف خلفك، أريد أن أقدّم شكوى.
لم ينبس ببنت شفة ولم يأبه لنغمة التهديد في كلامي. نظر إليّ بتهكم كأنّي نحلة تتصدّى لأسد.
كنت منفعلة ً وأحسست أني أكاد أختنق، لكن لسان حالي كان يقول: "لمن نشكو سارق الكرم..!".
هرع إلينا موظف آخر أعلنَ بصرامة:
- خذوا الحقيبتين وانتظروا في الصالة ريثما يتم فحص السيارة.

*


جلسنا في الصالة ننتظر، وأعيننا تراقبُ اليهود يعبرون عائدين بسياراتهم " للوطن" كما تعبر العصافير من مكان لآخر دونما معوّقات، بينما نحن عالقون في هذه الصالة كأننا قنابل بشرية موقوتة. كلّ حركة محسوبة علينا. إن اتجهنا لرمي شيء ما في سلة القاذورات تهرع إحدى فتيات الأمن لفحص السَّلة، وإن اتجهنا للمراحيض تلحق بنا وتتفحص كلّ زاوية في المكان، وإن خرجنا للشرفة تطاردنا نظراتها وتراقب كلّ حركة نأتي بها. ثمّ ، تأتي لتتأكد من سلامة المكان.
قررنا أن نمتنع عن الحركة. جلسنا نشاهد التلفاز ونحن نتمتع ببرودة المكيّف الهوائي، ونشرب عصيرَ برتقالٍ طازج اشتريناه من كافيتريا الرجل اليهوديّ. بدأت النشرة الإخبارية بخبرعاجل اقترن بصور حيّة من مكان الحَدَث.
ها أطفالٌ يُطلقون ستة ُ آلاف طائرة ٍ ورقيــّة عبّروا من خلالها عن حرمانهم من الحريـّة داخل قفص عصافير ٍ كبير ٍ اسمُه :"غزّة"ِ، وما أكثر أقفاص السلطة الفلسطينيّة.
ها هم يُعبّرونَ عن مأساة شعب محاصر بالحواجز الأمنية ونصف رجاله بل أكثر أسرى في المعتقلات الإسرائيلية.
ها أطفالُ غزة بطائراتهم الورقية يحصلون على رقم قياسي في كتابِ "جيينيس".
يا للسخرية المريرة!!
يا للسياسات المُزرية!!

شعبٌ محاصرٌ لا يجد منفذا للهواء والماء وكسرةِ خــُبز يشغله أن يُدوَّنَ اسمُهُ في كتاب جينيس ؟!


*


ها أنا أشهقُ وأزفرُ وأطلقُ مليونَ صرخة:
" آخ يـــَا زمن ".

*


وصلنا البيت في منتصف الليل منهكين من سفر ساعات. أغلقنا النوافذ وأسدلنا الستائر وخلدنا للنوم.
في تمام الساعة الثالثة فجرًا، سمعنا خبطًا على باب المنزل كأنّ أحدا يقرعُ طبولَ الحرب.
شقّ صوتٌ عتمة ُتلك الليلة:
-افتح الباب. افتح الباب..!!
فتحنا الباب فإذا بعدد من أفراد رجال الأمن برفقة قوة من الشرطة قد داهمت المنزل لتنفيذ أمراعتقال آدم مدعين أن الاعتقال يأتي لأسباب أمنية.
























المشهد الثالث

1


هربتُ من حصار نظرات رفيقاتي وأنا أبتلعُ دموعًا تعوَّدتُ طعمها المرّ منذ ذلك الفـِراق الأسطوريّ بيني وآدم. لم أتمكن من جمع شتات حلمي وأنا أسترخي تحت شجرة الزيتون
الوارفة في الحديقة، فقد تناهَتْ لسمعي كلماتُ أغنيةٍ من مذياع سيارة توقــَّفَتْ خلفَ سور دير الراهبات.
أحسستُ روحي كحبّاتِ رمّان ٍ تنفرطُ حبّة ً حبّة فوق العشب الأخضر مع كلمات الأغنية:


ليش الحبّ الأوّل
ما بيرضى يفارقنا
بيرجع من الأول
على الماضي يفيــِّقـنــا..!؟

نكبر مهما كبرنا
بيرَجعنا صغار
بيصير يذكرنا
يرمينا بالنار
وبنارُه بيحرقنا.. بيحرقنا..


ارتفعَ هديرُ موتور السيارة. تداخلَ مع الكلماتِ التي راحت تخبو شيئا فشيئـًا، وتغيبُ مع غيابِ شمس هذا المساء:

صوت في هَــ الليالي من الماضي بيندَه لي
بيسرقني من حالي، من بيتي، من أهلي...

*


لقد قررتُ أن أستأصلَ الحبَّ من ذاكرتي، بعدما أضناني البحثُ عن آدم. توجهتُ إلى رئيسة دير الراهبات وتوسلتُ إليها أن تأذنَ بانتمائي لهنّ فضمتني إلى صدرها بحنان وراحتْ تمسِّد شعري بأناملها الرشيقة وهي تستمع لقصة ذلك الفراق الأسطوريّ عن آدم. ثمّ، ناولتني الكتاب المقدس وهي ترنو إليّ بأمومة قائلة:
- ماذا ينتفعُ الإنسان لو ربحَ العالمَ كلّه وخسرَ نفسه.

*


قررتُ أن أشيّعَ الذاكرة إلى مثواها الأخير كي أحيا دونما أوجاع، لكنّها ظلـّت تطاردني بأشباحها المتمردة كلـّما خلوتُ إلى نفسي. كانت ذاكرتي وآدم المنّ والسلوى الذ َيـْن كانا غذائي وعزائي كلّما نسجتْ عناكبُ الوحدة خيوطها من حولي .
اعتدتُ أن ألجأ لشجرة الزيتون هذي حين أحتاج أن أحلم. أسترخي تحت أذرعها الحنونة فتؤرجني الذكريات. أستدعي آدم، فيتجسدُ أمامي. يضمني إليه. يعاتبني على تلك الغيرة الأنثويّة السقيمة التي أودت بنا إلى هذا الفِراق اللعين.
أتابعُ تفكيكَ الصور المُركبّة المخزونة في الذاكرة،وأعيدُ تركيبها كما أشاء. أتفنن بإزالة ِ الغبار عن أوراق ِالأحداث. أدمنتُ الابتهال كي ألجمَ خيولَ الحنين ِ من الانفلات في براري الشوّق. أدمنتُ قراءة الكتاب المقدّس الذي وجدتُ فيه عزائي الرّوحيّ.

*


كم سنة مرّت وأنا أنتظرُ معجزة تأتيني بآدم..؟!
شعري الشائب يشهدُ على طول انتظاري.
دموعي التي لا تنفكّ عن الانسكاب ِ تشهد على حُرقة ِ انتظاري.

-آدم، حبيبي أين أنت..!؟

انطلقتْ من صدري هذي الصرخة.
شقت سكون المساء.
تداخلت مع قرع أجراس المكان.
حملها نسيمُ المساءِ بعيدا بعيدًا..
خلفَ أسوار دير الراهبات..
خلفَ التلال..
خلف البحار..
خلف قضبان الذاكرة..
وبقيتُ وحدي..
عالقة هنا كحبّةِ التفاح الخضراء الأخيرة على شجرة الصّبر.









2


رأيتُ رجالا كالخفافيش يطاردون آدم، يقبضون عليه. يحتجزونه داخل غرفة ضيقة.
تمتد أناملٌ كثيرة حول عنقه.
تضغط.
يصرخ.
تضغط بشدّة.
يصرخ من قحف رأسه.
استيقظ.
قطرات العرق تتفصد من كل خلية في وجهي.
ألهثُ بإعياء.
أبحلقُ في السرير المجاور لي.
أختي تريز نائمة، ربما تحلم بالملائكة وتهتف في سرّها: يوم الربّ قريب.
حدّقتُ في الآية المصلوبة على الحائط فوق رأسها:

(في العالم سيكون لكم ضيق، ولكن ثقوا: أنا قد غلبت العالم. يوحنا 16: 33)

وآية أخرى في إطار آخر:

(ادخلوا من الباب الضيق لأنه واسع الباب ورحب الطريق الذي يؤدي إلى الهلاك وكثيرون هم الذين يدخلون منه. متى 7: 13).

آه يا رب، ما أضيق الباب الذي دخلتُ منه..!
آه يا رب، ارحمني من هذا العذاب، من هذا الانتظار المرير، من مشاعر الغربة، من الوحدة، من حنيني إلى آدم..!

هرعتُ إلى غرفة المعيشة كي لا أتسبب في إزعاج تريز. تهالكتُ فوق الأريكة. تناولتُ جريدة ملقاة فوق المنضدة المستديرة. رحتُ أقلب الصفحات ببرود.
فجأة، اعتقلت انتباهي صورة آدم..!! ظننتُ أنـّني أستحضر آدم من الذاكرة كعادتي. جذبتُ الجريدة إليّ وحدقتُ فيها.
بلى، هو آدم..!!!
غريبٌ أمر هذي الجريدة. من أتى بها إلينا..!!
نحن منقطعات عن العالم الخارجي. لا يشغلنا سوى التعبّد ورضا الربّ عنا، أمّا الأمور الأرضية فليست ضمن مجال اهتمامنا.
إجتهدتُ في أن أكبحَ جماح نبضاتِ قلبي المتسارعة.
حدّقت في آدم.
ملامحه لم تتغيّر كثيرا. ما زالَ يملك حضورا طاغيًا يأسر القلب.
ما زالت عيناه تتدفقان ِ حنانــًا ورجولة.
ابتسمتُ وأنا أتأملُ الشيبَ الذي غزا شعره، فقد صرنا متعادلـَين في اكتساح أعراض الشيخوخة أجسادنا.
نقلتُ نظراتي إلى عنوان المقال، الذي لم يستقطب انتباهي كما صورة آدم التي قررت أن أنتشلها من الصفحة وأحتفظ فيها تحت وسادتي كي تكون لي عونًا في أيام قحط العاطفة.
أخذتُ أرتجفُ كعصفور وقع في مصيدة، وأنا أقرأ الحروف التي انتصبتْ أمامي كما المشانق:



اعتقلت الشرطة الإسرائيلية فجر اليوم، الخميس، الناشط آدم.
كان عدد من أفراد "الشاباك" وبرفقة قوة من الشرطة قد داهمت منزل مخول قرابة الساعة الثالثة من صبيحة اليوم الخميس لتنفيذ أمر الاعتقال.
علم موقع عــ48ـرب أن الشرطة قامت بالعبث بمحتويات منزل عائلة آدم ومصادرة عدد من المحتويات ومصادرة هواتف نقالة بالإضافة لمصادرة الحواسيب التابعة للعائلة والحواسيب النقالة.
أكدت حياة ، زوجة آدم، نبأ اقتحام المنزل بشكل همجي، وقالت: بعد أن داهموا منزلنا في الثالثة صباحا قرابة إلـ 18من رجال الشرطة وما يسمى "بالشاباك" أجروا عملية تفتيش شاملة، وصادروا عددا من المحتويات منها حواسيب العائلة".
كما أشارت إلى أن عناصر أجهزة الأمن رفضوا التعريف عن أنفسهم، وقاموا بإبعادها عن آدم، ومنعها من التحدث معه. وأضافت أنها أصرّت على رؤية أمر الاعتقال مما اضطرهم بعد ربع ساعة إلى عرضه، مدعين أن الاعتقال يأتي لأسباب أمنية.



هوت الجريدة من يدي، ومعها هوى قلبي واعتصرني الألم.
يا للضيق الذي لا يحتمله عقل بشري.
هو الحلم الذي أيقظني من سباتي قبل قليل..!
آه آدم، لقد أحسست بك قبل أن تصلني أخبارك.
آه آدم..!
أيعقل أن تكون الآن معتقلا وأنا هنا ممنوعة من الاقتراب منك..!
تراهم يمارسون معك أساليب التعذيب والترهيب؟؟
لا بدّ أن أعرف أخبارك. في أي معتقل أنت..؟!
لا بدّ أن آتي اليك لأكون لك عونا في الضيق...!
لكن كيف أغادر هذه الصومعة، كيف..؟!









3


*هؤلاء الطغاة
أصحيحٌ يا ربي
أنـَّهم مروا من بين أناملِكَ الشفيفة
وتحمـّلتهم..؟!


هكذا رحتُ أتساءل بصمت وأنا أفكر في وسيلة تتيح لي مساندة آدم في هذي الأزمة، بل هذا الصراع الدامي الذي وقع في دوامته كما تقع حبّة زيتون في معصرة أو فراشة في خيوط ٍ لزجة لأحد العناكب.
قررتُ وأنا أحاولُ ترتيب أفكاري المبعثرة وضبط مشاعري المضطربة كما أمواج بحر في صباح يوم عاصف، أن أبحث عن مصدر أستقي منه المعلومات عن آدم قبل أن أغادر المكان، لأني حين أعود إلى مسرح الحياة الصاخب، حيث الصراع بين الشّر والخير، حيث البقاء للأقوى، لن أتمكن من التقهقر والعودة إلى هذا الملجأ الآمن.
أخبرتُ تريز عن هواجسي، فهي المقربة إلى قلبي، وهي مستودعٌ آمنٌ لأسراري منذ قادتني خطواتي الشّريدة إلى هذا المكان.
همستْ في أذني:
-عليكِ بكمبيوتر الأم رئيسة الدير.
= أخشى لو أخبرتها بالحقائق أن تمنعني من مغادرة الدير.
- ستقدّم لكِِ النصائح لكنها لن تمنعك. هي إنسانة متفهمة جدا.
= لكن، ماذا يفيدني أن أخبرها أني عثرت على آدم وأنا أجهل أين هو وكيف أصل إليه.
-أنتِ تجيدين تشغيل الكمبيوتر، فقد تفوقتِ علينا جميعا في دورة الحاسوب التي تلقيناها منذ شهور.
= حسنا..!؟
-سنطلب من ماما مريم أن تسمح لكِ باستخدام الحاسوب للبحث عن معلومات قد تساعدك في العثور على آدم.

تبادلنا ابتسامة رضا وأنا أرنو لتريز بمحبة أخويّة وأردّدُ ما قفز للذاكرة من آياتِ الكتاب المقدّس:


* من بدء الخليقة ذكرًا وأنثى خلقهما الله.
من اجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته، ويكون الاثنان جسدًا واحدًا.
أذًَا ليسا بعد اثنين بل جسد واحد، فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان.

*


سمحت لي الأم مريم باستخدام ذلك الجهاز الصامت، فجر اليوم التالي. لم يغمض لي جفن طوال الليل، كما أنـّي لم أتململْ في سريري لئلا تصحو أختي تريز وتغضب مني فتمتنع عن مساندتي . الشيطان شاطر وأنا لا أجهل أفكاره. دوما يسعى لزرع بذور الخصام بين البشر، لكنه مهما زرع من بذور في تربة حياتي، لن يحصدَ إلا الهزيمة.
أخيرا، قرعتْ الأجراسُ معلنة ًعن فجر يوم ٍ جديد. نهضتْ تريز بخفّةِ فراشة. ارتديتُ ذلك الثوب الأبيض، وأخفيتُ شعري الشائب خلف المنديل الأبيض. اتجهنا ويدي في يدها، للصلاة في الكنيسة . صار آدم محور ابتهالاتي. ركعتُ أمامَ المذبح. رفعتُ يديَّ النحيلتان نحو السماء، وأخذتُ بخشوع ٍ أبتهلُ:


في اسم الآب والابن والروح القدس، إله واحد آمين.
شكرا يا رب لأنك إله صالح، إلى الأبد رحمتك، وإلى دور فدور أمانتك.
شكرا يا رب لأنك أبو الرحمة وإله كلّ تعزية.
عند كثرة همومي في داخلي، تعزيــَاتــُكَ تلذذُ نفسي.
شكرا يا ربّ لأنك إله عظيم: عظيمٌ في غفرانك، عظيمٌ في تحريرك، عظيمٌ في شفائك، عظيمٌ في محبّتك.
محبّة ٌ أبدية ٌ أحببتنا، من أجل ذلك أدَمْتَ لنا الرّحمة.
شكرا يا رب لأنك معي لا تهملني ولا تتركني.
شكرا يا ربّ لأنك لا تتغير ولا يعتريك ظلّ دوران. أنتَ هوَ هوَ، أمس واليوم وإلى الأبد.
شكرا يا ربّ لأننا نستطيع أن تأتي إليك كلّ حين، وأنا أتقدم من عرش النعمة أطلب رحمة، أنالُ عونًا في حينه.
يا رب، ها أنا أضع " آدم" أمام عرش نعمتك. أسألك أن تغطيه بدمّك من رأسه حتى أخمص قدميّه.
أسألك أن ترفعَ عنه كلّ ضيق.
أسألك أنْ تحامي فتنقذ، تعفو فتنجي.
قلوبُ الملوكِ كجداول مياهٍ بين يديك.
يا ربّ، من لي سواك ألجأ إليه ليخفف وطأة هذه الأزمة عن آدم، ويفكّ أسره.
مكتوبٌ عنـكَ أنـَّـكَ تسمعُ أنــّاتِ الأسير.
أنتَ قلتَ: *كل ما تطلبونه حينما تصلون فآمنوا ان تنالوه فيكون لكم.
أعلن في اسم الربّ يسوع المسيح أنّ آدم نجا من هذه الأزمة.
أسألك في اسم الرب يسوع المسيح أن تسهل طريقك قدامي، كي أعثر على معلومات قد تقودني إلى آدم.
مباركٌ اسم الرب كلّ حين.
كلّ من طلبوا وجهك استناروا ولم يخجلوا أبدًأ.
قد كنتُ فتى وشختُ، ولم أرَ صدّيقًا تــُخليَ عنه.
لا يخزى منتظرو الربّ.
* يفرح جميع المتكلين عليك.إلى الأبد يهتفون وتظللهم.ويبتهج بك محبو اسمك. لأنك أنت تبارك الصدّيق يا رب.كأنه بترس تحيطه بالرضا.
أرفع هذه الصلاة في اسم ربّي ومخلصي يسوع المسيح.
أثق أنك إله ٌحيّ تسمعُ وتستجيب.
آمين ثم آمين.




------------

•ومضة للشاعر عدنان الصائغ، بعنوان: "علامة التعجب !!"
•انجيل مرقس10 : 6-9
•إنجيل مرقس11: 24
•مزمور5: 11-12



























4


"سنرجع يوما إلى حــُبــّنــا،
ونغرقُ في دافئات المنى.
سنرجعُ مهما يمرُّ الزمان،
وتنأى المسافاتُ ما بيننا".
هكذا رحتُ أدندن ، كما اعتدتُ أن أفعلَ مع كل غروب وأنا أسترخي تحت شجرة الزيتون، أحلمُ بالعودة إلى فردوس العشق، حيث لم يكن في الكون سوانا أنا وآدم، أوّلُ عاشقــَيـْـن في سفر الحياة. كم كانَ وما زال يـُطربني أن أستبدل كلمة " حـَيــّــنـا" بكلمة " حـُـبـّـنــا".

*


ككلّ فجر، راحتْ شاشةُ الحاسوب تنفلشُ أمامي ، كأنَّ الحياة تستقبلني بحفاوة وتدعوني لأقتحمها من أوسع أبوابها. سارعتُ بطباعة اسم "آدم" في محرّك البحث ، فاذا بي أعثر على المقال التالي:



بعد 16 يوماً من التعتيم الإعلامي وحظر النشر، وحظر الإعلان عن حظر النشر، تمَّ الكشف أمس عن قضية اعتقال الشخصية البارزة لدى فلسطينيي الـ 48، آدم ، بشبهتيّ «التجسس والاتصال بعميل أجنبي »، خطوة يراها الفلسطينيون تصعيداً ممنهجاً ضد الفلسطينيين لمنع التواصل مع العالم العربي والحد مِنْ نشاط مَنْ يفضح سياسة إسرائيل.

سمحت محكمة الصلح الإسرائيلية في بيتح تكفا أمس بالنشر الجزئي عن اعتقال آدم.
وقالت الشرطة، في بيان مقتضب، إن آدم مشتبه بـ «مخالفات أمنية خطيرة وقضية تجسس والاتصال بعميل أجنبي ».

آدم ، (50 عاماً)، يعدّ واحداً من نشطاء العمل الأهلي في الداخل، ويرأس جمعية "العودة" الأهلية العربيّة ، وله نشاط جماهيري واسع على الصعيد العام. قالت زوجته، السيدة حياة ، إن الشرطة الإسرائيلية اعتقلته يوم الخميس الماضي ، حين وصلت قوات كبيرة إلى بيتهم في الثالثة فجرًا، وأجرت تفتيشاً دقيقاً وعاثت في حاجيات المنزل فسادا أمام عينيّ ابنتيهما أمل وأحلام، مع منع ثلاثتهن من الحركة داخل المنزل .
ولا يزال آدم ممنوعاً من لقاء محاميه أو أحد من أفراد أسرته حتى هذه اللحظة. أكدت السيدة حياة أنّ ما يجري يندرج ضمن الملاحقة السياسية نتيجة لنشاط زوجها في فضح السياسة الإسرائيلية.

ورأى محامي المعتقل، أن الشبهات المنسوبة لـ آدم أصبحت في الآونة الأخيرة بمثابة تهم جاهزة يمكن تلفيقها ضد أي ناشط سياسي وحقوقي له علاقات مع العالم العربي ومع الحملة الدولية لمناهضة ممارسات إسرائيل. وأضاف: « إنَّ المحاكم الإسرائيلية تضفي شرعية على السواد الأعظم من نشاطات الأجهزة الأمنية".

كما وقال النائب زحالقة، لـ(الأخبار): «يبدو أنّ المؤسسة الإسرائيلية بدأت تفقد أعصابها، وتعتبر أي تواصل مع العالم العربي خطراً على أمنها. لا يمكن فهم ما يجري إلا في إطار ما قاله رئيس الشاباك الاسرائيلي بعد الحرب على لبنان وهو أن ما يجري في صفوف الفلسطينيين في الداخل هو التهديد الاستراتيجي على إسرائيل كدولة يهودية. وعندما تعرّف المخابرات بأن العمل السياسي الذي يتحدى الصهيونية، والحدود التي ترسمها إسرائيل بأنه تهديد استراتيجي فهي تلاحق الشخصيات الوطنية». وأضاف زحالقة: «لقد فشلوا في السابق وسيفشلون الآن». وتابع: « آدم معروف بعمله الوطني السياسيّ وإسرائيل تعمل طيلة الوقت لإضفاء بُعد أمني على هذا النوع من العمل السياسي».

هذا وقد كان وَقـْعُ القضية قاسيا على الجماهير الفلسطينية في الداخل، إذ تصدّرت عناوين المواقع الإلكترونية ونشرات الأخبار التلفزيونية.

ومع اقتراب المساء، شهدت مدينة حيفا تظاهرة شارك فيها المئات، وقفوا على جانبي الطريق، ورفعوا صور آدم. وكانت الهتافات عالية، يسيطر عليها الغضب وسط حضور طاغٍ للشرطة الإسرائيلية التي وقفت على الجانب الآخر للشارع. طالـَبَ المتظاهرون بوقف الملاحقة السياسية للقيادات العربية، وهتفوا من أجل تحرير الأسرى، وصمود آدم في التحقيق.

وفي مقدمة المتظاهرين، ظهرت زوجة المعتقل، السيدة حياة، التي أكّدت أن آدم يملك القوة الكافية للتصدّي لمثل هذه الشُبهات المجحفة.

وحملت السيدة حياة ملصقاً بصورة زوجها، كتب عليه بالأسود والأحمر «الحرية لأسرى الحريّة»، بينما رفعت ابنته أحلام لافتة ضخمة برتقالية كتب عليها «أطلقوا سراح آدم»، ورفعت ابنته أمل لافتة بعنوان: " كلنا آدم ، كلنا أسرى"


*

رحتُ أستمع لحديث السيدة حياة، عن ظروف اعتقال آدم، بفضول أنثوي ولوعة مكبوتة.
نشبتْ نيرانُ الغيرة في قلبي.
كم مرّة أكدَّ آدم لي أن لا امرأة في نبضه سوايَ..؟!
" أنتِ لا سواكِ" كان يكررها بثقة ِوشهامةِ الفرسان.
" أنتِ لا سواكِ" كان يرسمها أيقونة على جناح نورس.
"أنا سيّد الرجال"، لا أرتمي في أحضان امرأة إلا حبيبتي، ومع أوّل فرصة ارتمى في أحضان امرأة أخرى. بينما، انعزلتُ أنا عن الكون، وعشت غريبة في دير" راهبات مريم المجدلية"، لأحتفظ بهِ نبضا طاهرًا نقيًا يمدّني بكريات العشق الوهمية، فينعش قلبي، وأحيا على ذكراه.

*


هي في جمالِ زهر البنفسج، أمّا أنا ففي جمال الطيور، وهو يعشقُ الطيور وتغريدها وأجنحتها.
كم مرّة أخبرني أني سنونوة وأنـّه لي المدى. كم مرّة أخبرته أنــّه لو كان عينــًا، أكونُ له الدمعة، ولو كان وردة أكونُ رحيقها، ولو كان بحرًا أكون حوريته.
هي في جمال الندى، أمّا أنا ففي جمال القديسة ريتا ، تلك الجوهرة الفريدة ذات القلب الذهبيّ،
التي نذرت حياتها للتقوى والتقشف بعدما ذاقت من الآلام ألوانها وصادفت الشاق المستحيل في حياتها ، فلم تيأس ، بل تسلّحت بالصبر والصلاة ، بالإماتة والتقشف ، فذلّلت العقبات الجسام وانتصرت على الباطل، غير هيّابة بما أحاقَ بها من آلام مبرحة.

*


غصتُ بمهارة أنثوية داخل أمواج عينيها.
بدتْ لي كأنثى عَمَلية اعتادت على ركوب ِأمواج الحياة والتصدّي لها، بينما أنا
أنثى رومانسية أهوى التقوقع داخل قـُمـقـُم ِ أحزاني. أهوى رثاء الذات. أجترُ الذكريات كما جمل الصحراء.
هي تنظر للمستقبل بينما أنظرُ أنا كامرأة لوط للماضي. لا أتقدم للأمام وأنسى ما هو وراء.
منحنية َ الهامة، مهزومة ً، أمشي.
بينما، تمشي " حياة" منتصبة القامة، مرفوعة الهامة. في كفـّها قصفة ُ زيتون ٍ وعلى كتفها نعشها.

*


شيئا فشيئا، دبّت مشاعرُ التسامح في عروقي.
هي أنثى استثنائية.
لمَ لا يقع آدم في حبّها بعدما فقد الأمل من العثور عليّ.
هو رجلٌ، والرجل لا يستطيع أن يصومَ عن الزواج حين يفقد شريكة حياته، فهو يحتاجُ معينا نظيره، بينما تستطيع الأنثى أن تتدبر أمورها من غير شريك حياة.
هذا فضلا عن أنّ (العاطفة)هي المحرك الأساسي لعقارب قلب المرأة، بينما (الرغبات)هي المحرك لنبض قلب الرجل.
قلب الأنثى كقلب العاشقة النقيّة "أفروديت"، لا يتسّع إلا لحبّ احد ٍ كبير يعصفُ بها ويتركها أسيرة حلاوته مدى الحلم.
أمّا قلب الرجل، فهو كقلب "راسبـُتين".
ياه كم هو كبيــــــــــــــــــر ومخاتل.!
إنّه يتسع لحبّ كلّ نساء الأرض..!!

*


رحتُ أبحث عن مقال آخر يروي هذا الظمأ المزمن لمعرفة أخبار حبيبي آدم.
عينايّ منشدّتان إلى شاشة الحاسوب وكأنــّهما ممغنطتان.
كلّ الوجوه التي مرّت بي ،من آدم لحياة لأمل لأحلام للمحامي، للجيران، لكثيرين غيرهم، بدأت تعشش في ذهني.
ها أنا أسمعهم كأننّي أسمع جوقة موسيقيّة واحدة، تدندنُ بصوتٍ خافتٍ واحد،
راح يزدادُ صخبًا شيئا فشيئا وشاشة الحاسوب تأتيني برغيف خبز آخر من صنع أتون الحياة:


إذا الشعبُ يومًا أرادَ الحياة
فلا بدَّ أن يستجيبَ القدر


























5


أنظر وجهي في المرآة الكبيرة المصلوبة على الحائط المقابل، بينما يعمل الحاسوب في البحث عن مقال آخر عن آدم .
منذ متى لم أنظر وجهي في المرآة..؟!
منذ متى وأنا معتقلة عاطفيا في هذا الدير..؟!
هم اعتقلوا آدم داخل سجن وجوديّ أمَّا أنا فقد اعتقلتُ نفسي داخل سجن وجداني.

أنظر وجهي في المرآة.
أراني.
في عينيّ آدم أراني.
آه آدم..!!
أيّها الطفل الأنانيّ الذي يظن أنّه محور الكون وأنّ كلّ الإناث يدرن حوله كما تدور الأرض حول الشمس..!
أيّها الطفل النرجسيّ الذي يسعى للاستحواذ على قلوب كل العذارى كي يثبت لحبيبته أنـّه الرجل الحلم، وأنها حظيت بسيد الرجال.
أيّها الطفل ، الذي يظنّ أن الإناث كما الألعاب كلّها في متناول غروره. يمتلكها متى شاء، ويقذفها في أتون الفِراق متى شاء، كأنها ماكينات لا تتألم.

*


أعادني المقال الذي ظهر على شاشة الحاسوب إلى أرض الواقع. نفضتُ عنّي ضبابَ الشرودِ ورحتُ اقرأ:



علم مراسل موقع بكرا المتواجد مع المتظاهرين المنددين بالاعتقالات السياسية لنشطاء الجماهير العربية في محكمة بيتح تكفا، أن المحكمة مددت الآن اعتقال الناشط آدم لـ 5 أيام إضافية على ذمة التحقيق، وذلك حتى يوم الاثنين القادم، لمواصلة التحقيق معه في التهم الموجهة له وهي الاتصال بعميل أجنبي والتجسس ، وفق ما أفادنا به المحامي حسين حسنين وكانت الشرطة طلبت تمديد اعتقال آدم لـ 12 يوما لكن المحكمة رفضت الطلب وقامت بتمديد اعتقاله لـ 5 ايام فقط.

إبعاد زوجة آدم وابنتاه خارج المحكمة!

وفور إعلان تمديد الاعتقال حاول افراد عائلة آدم، زوجته وابنتاه، الدخول إلى قاعة المحكمة لرؤية والدهم الذي لم يتح لهم رؤيته منذ 12 يوما، فما كان من أفراد الشرطة إلا أن دفعوا أفراد العائلة خارج مبنى المحكمة.

وكان نشطاء عرب ويهود بدأوا بالتظاهر أمام محكمة بيتح تكفا منذ ساعات الصباح ، احتجاجا على الملاحقات السياسية، التي تنتهجها حكومة إسرائيل ضد المواطنين العرب في الدولة تزامنا مع مثول المعتقل آدم في المحكمة المذكورة لتمديد اعتقاله لاستكمال التحقيق معه في الشبهات المنسوبة إليه بالتجسس الخطير والاتصال والتخابر مع عميل أجنبي.

هذا ويتواجد أعضاء كنيست عرب من جميع الأحزاب وبعض رؤساء البلديات والمجالس المحلية العربية في موقع الحدث.

وقد رفع المتظاهرون خلال المظاهرة شعارات منددة بحكومة إسرائيل وسياستها، وطالبوا بالإفراج عن جميع المعتقلين خاصة، آدم. ورفعوا شعارات أهمها: "كفى للملاحقات السياسية" و "الحرية لأسرى الحرية".

كذلك، هتف المتظاهرون هتافات نددوا فيها بسياسة الحكومة وأجهزة المخابرات، جاء فيها: "حرية حرية لسجناء الحرية" و "ما بنهاب وما بنهاب إسرائيل دولة إرهاب" و "إسرائيل دولة شرطة" وهتافات وطنية أخرى.

*


آه آدم..!!
هم اعتقلوك ليختطفوا منك كينونتك العربيّة، ليسرقوا أرضك التي هي قدسك والتي هي مهد البشرية، لكن شبّه لهم. شجرة البرتقال تعرف غارسها. شجرة الزيتون تعرف غارسها، وزهرةُ الصّـبّار، مهما اقتلعتها يد الاحتلال، تعود وتعلن للملأ عن وجودها.
آه آدم..!!
هم اعتقلوا الجسد، أمّا الروح فلا يقدرون عليها. ألم يقل الربّ يسوع المسيح:" لا تخافوا ممن يقتلون الجسد، أمّا الروح فلا يقدرون عليها"..؟!
ها روحك ترفرف الآن من حولي. تخبرني أنّي أجمل النساء. ببشرتي التي أكل عليها الدهر وشرب، أنا جميلة. بشعري الكستنائيّ الذي اكتسح الشيب أغلب خصلاته، أنا جميلة.
بعينيّ ، اللتان فقدتا بريقهما العسليّ حين أدمنتا صنع الدمع المرير.. أنا جميلة.
آه آدم..!!
ها أنا أسمعك ، كما كنت في الفردوس ونحن نخطو بين الشجر نقطف ما طاب لنا من ثمر، تترنم: " الذي يعرف حبيبتي ينحني ويصلي لإله في العيون العسليـّة"
آه آدم..!!
بين عينيّ وعينيك ، بندقيــــــــة، فكيف أجتاز كلّ الأسوار الشائكة، والنار والحصار وأعبر إليك كي أعودَ ضلعًا في صدرك، فتكون نهاية هذا الشّر الذي استشرى في قلوب البشر، ونستعيد الفردوس الأوّل..!!





6



يومًا بعد يوم، رحتُ أتابع قضية آدم في المواقع الإلكترونية والألم يعتصر قلبي وأنا أشهد على
التعامل غير الإنساني مع زوجته وابنتيه اللاتي مرّت شهور وهن ممنوعات عن مقابلته وجها لوجه، فقد كان التواصل بينهم عبر حواجز زجاجية والكلام عبر هواتف يتم مراقبتها، وعدد الزيارات لا يتجاوز المرة أسبوعيا بشرط أن يتم الاتصال هاتفيا بموظف السجن لتعيين لقاء، ولم يُسمح لأحد سوى من ذوي القرابة الأولى بزيارته في السجن لمدة لا تتجاوز النصف ساعة ومن خلف حاجز زجاجي، ومُنعت عنه الكتب ومُنع من الحصول على ثيابه أو أيّ شئ من حاجياته، حسب ما جاء في الصحف الإلكترونية.
اشتكت السيدة حياة من عدم تسهيل فرص اللقاء بآدم، حيث كانت تضطر أن تنتظر ساعات،
خارج القضبان، رغم أن ساعة اللقاء محددة مسبقا، محتملة الجو الحار الخانق، إلى أن يسمحوا لها بالدخول.
كانت الرسائل وسيلة الاتصال الوحيدة بين آدم وزوجته، كما جاء على لسانها، والتي كان محددًا عدد صفحاتها وعدد مرات استقبالها. لذا كان كل منهما يكتب للآخر بحروف صغيرة كي يتسنى له أن يكتب آكثر. صرّحت حياة أنّها كانت تكتب لآدم عن كل ظروف حياتها خارج القضبان مع ابنتيها، بكل تفاصيلها الصغيرة، حتى أنها كانت تصف له البراعم الجديدة على زهرة الفل في حديقة المنزل كي لا يفقد إحساسه بالمكان.
كانت تناضل مستبسلة من أجل إطلاق سراح آدم، متنقلة كما النحلة من منبر لمنبر لفضح المؤامرة التي تهدف لكسر معنويات زوجها ونتف ريش جناحيه.
هذا وأعلنت السيدة حياة أن آدم تعرض لتعذيب نفسي وجسدي فور اعتقاله، تم خلاله انتزاع الأقوال التي وضعوها هم في فمه، وتم التحقيق معه مدة ساعات متواصلة وهو مقيد اليدين خلف ظهره، مسمّر فوق مقعد أطفال، غير آبهين بقامته الممشوقة وكلما انتهى طاقم من التحقيق معه، يأتي طاقم آخر لاستبداله.

*


انهمرت الدموع من عينيّ.
شعرت بغصّة في حلقي وضيق في صدري، كأنّ الشّعب الهوائية أخذت تضيق والهواء لا يمرّ عبرها.
شعرتُ أنّ الحياة َ سجنٌ كبيرٌ، وأنّ الإنسانَ تحوّل إلى جلاّدٍ لأخيه الإنسان.
توجهتُ إلى المرناة وأشعلتها .
أخذت أنصتُ بخشوع للمرنم وهو بثقة المنتصر يردد:


ضاقتِ الدنيا قصادي
واتقفلت الأبواب
لكن إنتَ يا ربّي فاتح
ليــَّا أعظم باب.

أنت يا ربّ الحياة
ومعاك طوق النجاة
ابنك لو منــّك تاه
أبدا مش رح تنساه

*


أخذتني خطواتي لشجرة الزيتون، فاستلقيتُ فوق عشبِ تربتها الرطبة.
أخذتُ أتساءل ووجه آدم يترنحُ أمامي:
هل شدّة المحن تصنع الرجال، كما قال ريتشارد نيكسون..؟!
"نحن شعبٌ لم يختر قضيته، إنما قضيته هي التي اختارته".
هكذا صرّحت السيدة حياة. وأردفت:
"المتفائل إنسان يرى ضوءا غير موجود، والمتشائم أحمق يرى ضوءا ولا يصدّقه. نحن الفلسطينيون صرنا جميعنا متشائلين، كما كتب الأديب إميل حبيبي. لسنا متفائلين ولا متشائمين. صرنا نعرجُ بين الفريقين، مع أننا شعب يحبّ الحياة. من فينا اختار هذه الأزمة المصيرية التي وقعنا فيها، كأننا حبات زيتون، تقطفنا أيدي الاحتلال، وعلى بساط القمع والاضطهاد تلقينا، ثم تجمعنا، وداخل معصرة العنصريّة تقذفنا.".

*


ما هي الحياة، وما جدواها..؟!
راح السؤال يتصاعد كما بخور الكنائس من حولي.
أهي قصة يرويها أبله، مفعمة بالضجيج والصخب، وليس لها معنى، كما يدّعي شكسبير..؟!
أهي مثل البصل، قشرة تحت قشرة ولا شيء في النهاية إلا الدموع، كما يدّعي الأديب أنيس منصور..؟!
أم هي طفلٌ ينبغي ملاطفته حتــّى ينام، كما يدّعي فولتير..؟!

إنّ الورطة التي وقع فيها آدم جعلتني أعتنق فكرة "شاتوبريان" أنّ الحياة تمرُّ سريعًا ولكنها تثقل في مرورها، كما بدأتُ أتفق مع "اتيان راي" في قوله:
(أصبحَ الخوفُ من الحياة شرًّا أكثر انتشارًا من رهبة الموت).

*


أخبروا نابليون يومًا أنّ جبال الألب شاهقة، تمنع تقدّمه، فقال: يجب أن تزول من الأرض.
وقال الرب يسوع المسيح: إن كان لديك ذرّة إيمان تستطيع أن تنقل جبال، أي بقليل من الإيمان تستطيع أن تتغلب على أضخم مشكلة، حتى وإن كانت شاهقة كالجبال.
ها أنا أقول بإصرار:
من أنت أيها الجبل العظيم، أمامي أنا، بنت الربّ، تصيرُ سهلا.
لكن، ماذا لو أني لم أعثر على آدم..؟!
ماذا لو استقبلتني حياة بعِدَاءٍ ملموس..؟!
أين أذهب إن لفظتني الحياة..؟!
الحياة بما فيها من معتقلات، وأسلاك شائكة، واحتلال، وشرور من صنع البشر..... أمامي.
الدير بما فيه من أمان وسلام وطمأنينة ورجاء..... خلفي.
إن قررتُ أن أفتح باب الحياة وأقتحمها ، لن أتمكن من التقهقر، فالباب سيُغلقُ كما باب الفردوس.
رحتُ أسترجع في ذهني تلك الأقوال المشجعة التي درستها في مادة الفلسفة، مع إحدى الراهبات، وأتقنتُ حفظها غيبا:
ليس النجاح سوى القدرة على الانتقال من فشل إلى فشل دون أن تفقد حماسك(1).
إذا فكـَّر كلّ من الناجح والفاشل في مشكلة ما فإنّ الناجح يفكر في الحل، بينما يفكر الفاشل في المشكلة(2).
أنا لن أفكر في المشكلة إنّما في الحلّ.
أنا أفكر، إذن أنا أحيا.
أنا أحيا لأني أحبّ آدم، وحين تحبّ تبدأ بالسير عكس مصلحتك الشخصية.(3)
لم تعد مصلحتي الشخصية تشغلني، إنّما تستحوذ عليّ فكرة أن أكون بالقرب من آدم.
لم تعد راحتي الشخصيّة تشغلني، إنـّما يشغلني أن يدرك آدم أني بحثت عنه، وأني حاربتُ طواحين الهواء من أجل الوصول إليه كي أكونَ له عونا في الضيق.

*


حين يمرُّ الحبّ بنا، لا يعودُ أيّ شيء كما كان،(4) قد مرّ الحبّ بقلبي وصرتُ أسيرته.
الحبّ الذي يستعصي على النسيان، يستعصي أيضًا على التكرار.(5)
سأعود الآن للدير وأخبر الأم مريم أني سأغادر غدا للبحث عن آدم.
أعظم خطأ يرتكبه الإنسان هو الخوف من الوقوع في الخطأ.(6)
وأنا لم أعُد أخشى الخطأ.
لقد بدأتُ حياتي بالغيرة العمياء.
كنتُ أغار على آدم حتــّى من خيالي إذا لامس خيالـَهُ على الأرض.
بدأتُ حياتي بالشكوك وها أنا أنتهي إلى اليقين.(7)
يقينٌ أنّي من آدم ولن أكون لسواه ، لذلك سأتحدى كلّ العقبات التي تقف في طريقي للعودة إليه.
كلمة ُ مستحيل لا توجد إلا في قواميس المجانين.(8)
إلى صدره الدافئ سأعود، بين ضلوعه سأختبئ ، لتعزفَ الطبيعة ُ سيمفونية العودة، ويعمّ الفرح والسّلام الإلهي.
سيفتحُ الفردوسُ أبوابه، لتستقبلَ الملائكة بحفاوة آدم وحواء الذ َيـْن ِ كانَ زمنـُهما زمنَ الحبِّ الأوّل.




------------------------
1- تشرشل
2- أبراهم لينكولن
3- برنارد شو
4- غادة السّمان
5- غادة السّمان
6- ألبرت هوبارد
7- بيكون
8- نابليون

7



الطريقُ للحرية، طويلٌ طويل.
ها أنا أطلُّ على المدينة من قمة الجبل، حيث أيدي الراهبات تلوّح لي بالوداع الأخير، وعبراتهن ترافقني كالظلّ مع ابتهالاتهن .
كلّ شيء من هنا يبدو ضئيلا، ضئيلا: الناس، الأشجار، السيارات.
من أقصى أقطاب الشوق ِ، آتيك يا آدم.
من أقسى أشواكِ الفِراقِ، أتحررُ لآتيك أيّها الرجل الحلم الذي يملك " مفتاح الماستر" لأبوابِ قلبي.

*


سألتُ سائق سيارة الأجرة أن يقلّني إلى مركز المدينة. استوقفتنا شارةُ حمراء، فلفتَ انتباهي طفلٌ يمسك بيد أبيه ويده الثانية تمسك بإحكام بطائرة من ورق، تتمايل في الفضاء الرحب.
فجأة ارتفع صوتُ المذيع في النشرة الإخبارية:



يسود في المحافل الدبلوماسيّة في البلاد، الاعتقاد والقناعة بعدم وجود أدلّة ملموسة تربط آدم بلائحة الاتهام الموجـّهة ضدّه. هذا ما أفادت به إحدى المراقبات العاملات في الإتحاد الأوربيّ، والتي شاركت في العديد من وقائع جلسات محاكم آدم.
اتضح من الشهادات التي تمّ الاستماع إليها، بحضور محامي الدفاع، أنها تفنّد أقوال النيابة، وتؤكد موقف آدم الذي ينفي كافة التهم الأمنية المنسوبة إليه.
إفادات الشهود أمام المحكمة، وفحص الحواسيب الأرضية والنقالة وثلاثون ألف مكالمة هاتفية من قبل مختصين، زعزعت ادعاءات مركزيّة في لائحة الاتهام وعمّقت علامات السؤال حول اتهامات محوريّة كانت موجهة ضد آدم، بحيث أنّ إفادات الشهود جاءت لتبطل بشكل قاطع ادّعاءات النيابة والتهم المنسوبة لآدم، كما بيّنت أنَّ النيابة لا تملك أي دليل ملموس قادر على توريط آدم في التهم الموجهة إليه.
أكدّ محامي الدفاع أنّ كلّ هذا جاء ليعزز القناعة بانّ المحاكمة ليست إلا محاكمة سياسيّة.
هذا وسيتواجد في الجلسة الأخيرة للمحكمة، والتي ستعقد في تمام الساعة العاشرة اليوم في محكمة الصلح في حيفا، مراقبتان من الاتحاد الأوربيّ ومندوبة عن السفارة الهولندية في البلاد ، وسيرافق جلسة المحكمة العديد من الشخصيات الشعبية والناشطين في العمل السياسي والاجتماعي، وأعضاء كنيست عرب.

قام المذيع بالاتصال بأحد الشخصيات للتعقيب على الموضوع فقال:



لست خائفا ولكنني قلق .
ما يجري اليوم يؤكد الجملة التي ارددها دائما وهي : ما زلنا نخوض معركة البقاء !
اثنان وستون عاما وما زلنا نخوض المعركة نفسها .
المؤامرات ما زالت تحـَاكُ والأحلام السيئة ما زالت تراود العنصريين.
بناة دولة إسرائيل ومؤسسوها غرسوا فكرة "الترانسفير" وأورثوها للقادة السياسيين وللقادة العسكريين جيلاً أثر جيل .
نحن سكان البلاد الأصليين ما زلنا شوكة في حلوقهم، وقطعة زجاج في حناجرهم ولن نكون الهنود الحمر .
ما زلنا نعيش التحدي الكبير وأمامنا أيام صعبة وقاسية.علمتنا التجربة بل التجارب أن نتحدّى ونصمد و نكتب ملحمة البقاء كما فعل آباؤنا. هذه المعركة لا نقودها وحدنا، فهناك قوى يهودية عقلانية تخوض وإيانا المعركة ضد الفاشية. هذه المعركة سنخوضها في الكنيست، وفي الجامعات، وفي أماكن العمل، وفي الشوارع، وفي الساحات وفي كل مكان. سنبقى في هذا الوطن الصغير، سنبقى منغرسين فيه ، فترابه يعرفنا و أشجاره تعرفنا وصخوره كذلك . نحن نحبه، ونحن حجارة الوادي . وهل في هذا شك ؟ وهل في هذا عيب..؟! نحن هنا . هنا باقون .. باقون. باقون..

*


سألتُ سائق السيارة إن كان يعرف مكان المحكمة التي تمّ ذكرها في النشرة الإخبارية، فأجابني بالإيجاب. هكذا، بدأتْ السيارة تسير بنا إلى المحكمة وقلبي يتدحرجُ ككرة مطاطيّة خارج جسدي والعرق يتفصد من كل خلية من خلاياي، ودماغي يعملُ بنشاط مُفرط ولسانُ حالي يقول:
كل إنسان يتعذب في هذه اللحظة في أي مكان هو صديقي...(1)

*


كانت باحة المحكمة فارغة حين وصلت فتأكدتُ أنّ الجلسة قد افتـُـتِحَتْ .
على باب المحكمة سألتني الجندية :
- إلى أين.
لفتَ انتباهي ملصقٌ على زجاج الباب خلفها عليه صورة كلب مع إشارة ممنوع الدخول.
أجبتها باقتضاب:
= محكمة آدم.
طلبتْ منّي وضع جميع حاجياتي في سلة صغيرة مرَّرَتها داخل جهاز أمني، وأشارت لي أن ألحق بها جانبا. راحت تمرر أناملها فوق جسدي . حينَ حررتني تناولتُ صليبي ومحفظتي ومضيتُ إلى قاعة المحكمة.
بحثتُ عن آدم.
داخل قضبان خلية صغيرة كان جالسًا ، يحيط به ثلاثة من الجنود.
تسمرتُ مكاني.
قفزَ للذاكرة مشهد الفراق المصيري بيننا، حين عصبوا عينيّ وألقوا بي في شاحنة قذفتني في الشتاتِ ، بعيدا عن نبض ِ آدم.
قفز للذاكرة كلّ ذلك العذاب الذي عانيتُ وأنا غريبة هائمة في شوارع لا تعرفني، أبحث عن أثر قد يوصلني لآدم.
قفز للذاكرة ذلك الدير الذي آواني وكان الملجأ الآمن لي ولأحلامي الشريدة.
فجأة، التقت العينُ بالعين.
تلاقتْ الروحان في فضاء المحكمة.
رفرف القلبان.
تعانقتْ النظراتُ طويلا إلى أن أشاح آدم وجهه عنّي ليرد على سؤال وجهه له قاضي المحكمة.
أخذتُ أتفحصّ من حولي.
أبصرتُ السيدة حياة وابنتيها . بدت وجوههم مطابقة لما رأيت في الملفات الصوتية في الحاسوب.
كان التوتر بادٍ على ملامح كلّ الوجوه.
غبتُ في دوامة من الذكريات وعيناي تتتبعان كلّ حركة يأتي بها آدم، وهو يلقي عليّ نظرة بين الفترة والأخرى.

*


أعلن القاضي قراره بالسجن المؤبد على آدم.
تجمدّت الدموع في عينيّ.
انتفضَ آدم واقفَا والأصفادُ في يديه، وهتفَ بنبرة ٍ واثقة:
- لا يأس ولا إحباط ولا تراجع عن الصّمود والإصرار والتحدّي والإرادة الحُرَّة.
غابَ صوته خلفَ الباب الذي أ ُغلق بعدما اقتاده جنديان خارج المحكمة.
سارعَ الصحفيون بتسجيل رد فعل حياة، التي وقفتْ شامخة كما شجرة السنديان وهي تقول:

- القرار كان متوقعا على خلفية العنصرية المتفشية في إسرائيل. لكن لن ننكسر . معنوياتنا مرتفعة، فالسجن ليس نهاية القضية . قد يسجنون الجسد أمّا الأفكار والمبادئ والحقوق الشرعيّة فمستحيل أن يتم سجنها أو طمسها.
لن يحدد لنا أحد معنى حياتنا. وظيفة التاريخ أن يمشي كما نـُملي. قوّة الحياة حاسمة دائمًا وتشدّنا، كذلك النضال من أجل الحرية والتحرر.

*


نفضتُ عنـّي كل أوجاع الذاكرة.
مضيتُ إليها، وإلى صدري ضممتها. دون أن تنبس إحدانا ببنت شفة، عرفتني.
ها نحن، موجتان متجانستان في بحر حياة صاخب.
آدم، القاسم المشترك بيننا، غائب عن كلتينا، حاضر بكثافة في القلب.
حاضرٌ في أفكارنا كما البرتقال والزيتون والزعتر.
حضنتُ أمل وأحلام، واحدة عن يميني والأخرى عن يساري ورحنا نسيرُ خارج أروقة المحكمة، وحياة تلحق بنا بخطوات ثابتة.

*


أبصرتُ أيدٍ تقرع الخزان بإصرار.
أبصرتُ مثلثًـًا قاعدتـُهُ فلسطينيو الـداخل وأحدُ ضلعيهِ المتساويـَيـْن فلسطينيو الشتات والثاني فلسطينيو الضفة.
ثمّ، أبصرتُ أربعَ يرقاتٍ تتخبط داخل شرنقةٍ واحدة، كلّ تتحولُ إلى كائن ٍ آخر، قادر على أن يحدّق في وجه النكبة.
ها الفراشاتُ الأربعة لا تسيرُ على رؤوس اليأس، إنـّما تنطلقُ حُرَّة ً في فضاءِ وطن ٍ محتلّ.

*


ليس الآتي أشبه بالماضي من القطرة بالقطرة، كما قال ابن خلدون.
الماضي مثخن بالجراح.
الآتي منذورٌ للزغاريد والنشيد والأفراح وأجراس العودة .

*


حين لمحتنا العيون المحتشدة في ساحة المحكمة، والتي كانت ترفع الشعار ذاته:

"تستطيعُ العيش معي، يا ابن عمي ، لكن لا تستطيع العيش مكاني". (2)

ارتفع صوتٌ واحدٌ كما الرّعدِ من كل الحناجر:ׁׂ


(3)كأننا عشرون مستحيل
في اللد والرملة والجليل
هنا ..
على صدوركم باقون كالجدار
وفي حلوقكم
كقطعة الزجاج
كالصبار
وفي عيونكم
زوبعة من نار
هنا ..
على صدوركم باقون كالجدار
ننظف الصّحونَ في الحانات
ونملأ الكؤوس للسادات
ونمسح البلاط في المطابخ السوداء
حتى نسلّ لقمة الصغار
من بين أنيابكم الزرقاء
هنا..
على صدوركم باقون كالجدار
نجوع .. نعرى .. نتحدى
ننشد الأشعار
ونملأ الشوارع الغضاب بالمظاهرات
ونملأ السجون كبرياء
ونصنع الأطفال .. جيلا ثائرا .. وراء جيل
كأننا عشرون مستحيل
في اللد والرملة والجليل
إنـَّا هنا باقون
فلتشربوا البحرَ
نحرسُ ظلَّ التين والزيتون
ونزرعُ الأفكارَ كالخمير في العجين
برودة الجليد في أعصابنا
وفي قلوبنا جهنم حمرا
إذا عطشنا نعصرُ الصخرا
ونأكل التراب إن جعنا ..
ولا نرحل
وبالدم الزكي لا نبخل .. لا نبخل .. لا نبخل
هنا ..
لنا ماض ٍ .. وحاضر .. ومستقبل
كأننا عشرون مستحيل
في اللد والرملة والجليل
يا جذرنا الحيّ
تشبث
واضربي في القاع يا أصول
أفضل أن يراجعَ المضطهـِدُ الحساب
من قبل أن ينفتل الدولاب
لكلِّ فعل ٍ :- …
إقرأوا
ما جاء في الكتاب





--------------------
1- غادة السمّان
2- سميح القاسم
3- توفيق زياد





-----------

• تنويه لا بدّ منه:

لقد قدّمت لي الحياة أغلب أحداث هذه الرواية، فهي أحداثٌ حقيقيّة من واقعنا كفلسطيني الداخل.
مع هذا، لا يمكن الإشارة للشخصيات على أنها شخصياتٌ معينة، فهي خليطٌ من هذا وذاك وتلك، أتت لتخدم حبكة الرواية.

ريتا عودة
26تشرين الأول 2010




----------


سيرة ذاتية


ريتا عودة
شاعرة وقاصّة ومترجمة
من مواليد النـّاصرة
29-9-1960

* حاصلة على شهادة اللقب الأول في اللغة الانجليزية والأدب المقارن.
* تقوم بتدريس اللغة الانجليزية في المدرسة الثانوية البلدية في الناصرة.
* حصلت على المرتبة الأولى في مسابقة لكتابة قصيدة الهايكو على مستوى العالم.
* حصلت على المرتبة الأولى في مسابقة "الهيجا" على مستوى العالم.
* تملك موقعا على الشبكة الإلكترونية: http://ritaodeh.blogspot.com
* تمت ترجمة نصوصها إلى العديد من اللغات عبر شبكة الإنترنيت.

صدر لها :
(الضغط على اسم الديوان ينقلك الى الديوان)



ثورة على الصّمت-1994
1994 - وزارة الثقافة والمعارف- الناصرة


*مرايا الوهم
1998- المدرسة الثانوية البلدية –الناصرة


*يوميات غجرية عاشقة
2001 – دار الحضارة – القاهرة


* ومن لا يعرف ريتا
2003- دار الحضارة – القاهرة


*قبل الإختناق بدمعة
2004 - دار الحضارة – القاهرة


*سأحاولكِ مرّة أخرى
بيت الشعر الفلسطيني - رام الله- 2008


*أنا جنونك-مجموعة قصصيّة
بيت الشعر الفلسطيني - رام الله- 2009





مجموعات الكترونيّة:

بنفسجُ الغربـــَة 2008-رواية قصيرة

طوبى للغرباء-رواية قصيرة-2007


سيمفونية العودة 2010-رواية




SIGN MY GUESTBOOK
رأيـــُكَ يـَهمـُّــنــــِي


0 comments:

إرسال تعليق