أهلا بك في مدينة أحلامي !





ريتا عودة- شاعرة وقاصّة ومترجمة من مواليد النـّاصرة 29-9-1960 * حاصلة على شهادة اللقب الأول في اللغة الانجليزية والأدب المقارن. * تقوم بتدريس اللغة الانجليزية في المدرسة الثانوية البلدية في الناصرة. * حصلت على المرتبة الأولى في مسابقة لكتابة قصيدة الهايكو على مستوى العالم. * حصلت على المرتبة الأولى في مسابقة "الهيجا" على مستوى العالم. * تملك موقعا على الشبكة الإلكترونية: http://ritaodeh.blogspot.com * تمت ترجمة نصوصها إلى العديد من اللغات عبر شبكة الإنترنيت. صدر لها : ثورة على الصّمت-1994 1994 - وزارة الثقافة والمعارف- الناصرة *مرايا الوهم 1998- المدرسة الثانوية البلدية –الناصرة *يوميات غجرية عاشقة 2001 – دار الحضارة – القاهرة * ومن لا يعرف ريتا 2003- دار الحضارة – القاهرة *قبل الإختناق بدمعة 2004 - دار الحضارة – القاهرة *سأحاولكِ مرّة أخرى بيت الشعر الفلسطيني - رام الله- 2008 *أنا جنونك-مجموعة قصصيّة بيت الشعر الفلسطيني - رام الله- 2009 مجموعات الكترونيّة: بنفسجُ الغربـــَة 2008-رواية قصيرة طوبى للغرباء-رواية قصيرة-2007 سيمفونية العودة 2010-رواية




أريدُ أن أحيَا

أريد أن أحيا:
أن أستيقظَ مع الفراشاتْ لأهيم على وجهي في الحقول،
ساعاتٍ وساعاتْ
أن أشاركَ المزارعين
في زرع بذور الأمنياتْ

أريد أن أحيا:
أن أصغي لصوت قطرات المطر
وهي تُعمِّدُ العشبَ والشجرْ
أن أفاوضَ الطيورَ على أجنحتها،
والناياتِ على نغماتها.


أريد أن أحلّقَ أعلى من النسور
أريد أن أغني أفضلَ منَ العَنادل وشتَّى أنواع الطيورْ

أريد أن أنتهرَ جرادِ الظلام
وكأنبياء العهدِ القديم
أدعو للوئامِ بين الأنام

أريدُ أنْ أفعلَ أشياءَ كثيرة عديدَة،
ولكنَّ صوت طلقاتٍ ناريَّة بعيدَة
يشوِّه كلَّ أحلامي



‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقد - عدنان كنفاني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقد - عدنان كنفاني. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 22 يوليو 2009

قراءة نقدية في: "محكومون بالأمل" للأديبة ريتا عودة


قراءة نقدية في: "محكومون بالأمل" للأديبة ريتا عودة


في الحقيقة لا أمتلك أدوات الناقد المتخصص ، لكن لا أشك في كوني قارئا أمتلك أدواتا قرائية أستطيع أن ألج بها إلى عوالم السرد الماتع ..
من خلال العنوان ( محكومون بالأمل ) استطيع أن ألج للنص من كونه حالة عامة لا خاصة ، رغم أن السرد يتكلم بلغة المفرد ، سؤال يتراود في ذهني ، من هم المحكومون ؟ . هؤلاء المحكومون بأمل وألم متربصون بحاكم وحكم ، قد يكون الحاكم منصفا وقد لا يكون ، وقد يكون الحكم منصفا وقد لا يكون ، والمحكومون في حالة ترقب للأمل المتأتي من الحكم والحاكم معا .
من خلال النص : اللعب على كلمتي ( الأمل ) و ( الألم ) ، كمفردتين لامستهما لعبة لغوية تسمى ( القلب ) ، من خلال قلب وضعية حرفي الميم واللام ، ومع القلب اعترى المفردتين تغير عظيم في المعنى ، فحين يطول الأمل بالنفس يتحول إلى أنقاض تتسرى ألما فيها ، الكلمات المتقاطعة التي تعبر عن مدى الفراغ ، والفراغ بأنواعه المتباينة يولد نفس الحالة القهرية مع فارق نسبي قد يكون بسيطا وقد يكون عظيما ، إلا أنني ألمس فراغا عاما يتمثل في شخصية القصة ( هشام ) ، وبانتقاله من حل الكلمات المتقاطعة التي تنقل بطلنا إلى تقاطعات روحية تتسبب في طفو صور تمثل جانبا أليما لديه ، ينتقل إلى واقع آخر يناقش فيه فراغا عميقا في بحثه عن وظائف شاغرة ، كسب لقمة العيش التي تمثل الهاجس الأكبر للبطل سدا لأعين ترمق يديه أملا في ما يشبعها وألم من الجوع التي يمتد بين عروقها ، ومن الفشل الذريع الذي يخرج به بطلنا يلقي بالصحيفة حين يشتم رائحة عفنة مصدرها الزيف الماثل بين يديه متمثلا في صحيفة .
الخروج من بوابة الزيف : النافذة التي يبحث بطلنا عنها ، وكأنها تتمثل أمامي هروبا من صراع النفس مع الذات / المجتمع / الحياة ، هروب إلى المحيط الذي يمثل الحقيقة المحضة أمام بطلنا ، الطبيعة التي تمثل امتدادا لكينونة الإنسان ، بياض الثلج ، أسراب السنونو ، والانتقال إلى العوالم الأكثر بساطة متمثلة في أطفال يلعبون بالثلج ، يبنون رجالا منه ، يصرخ بعمق أن هؤلاء هم المحكومون بالأمل ، من هم ؟ إنهم الأطفال الذين لا تعنيهم أمور تمثل الحياة بزيفها وألمها ، ليعلن انه ومن على شاكلته هم المحومون بالألم .
العودة إلى الحلم المشوب بالحسرة : ينقلنا هشام إلى عوالمه الطفولية ، لقطات سريعة تمر عبر ذاكرته الطفولية ، المدرسة .. المنزل .. الأم ، عودة إلى حالة خاصة يسترد في غفلة الجميع حياة فائتة يمحو أو تزيل ركاما من عذابات . الحدث يتماهى في الحفرة التي تمثل حالة هرب ذريع ، على امتداد جسده كانت الحفرة ، ألقى بجسده وراح يخفيه قليلا قليلا حتى اخفاه إلا راسه ، الشمس التي يحاول بطلنا استرداها وكأنها الحقيقة الغائبة ، والحفرة المتعلقة بالأرض والانتماء إليها تمثل الانسلاخ من حالة الانتظار إلى اتخاذ القرار ، فلون الجسد بلون التراب ، ولون التراب يمثل الانتماء الحقيقي ، الارتفاع حالة من السمو والخروج من الممكن إلى المفترض ، والعلو هي سمة طبيعية للنفس الإنسانية ، حالة الارتفاع تمثل الطيران ، والتحليق صفة للنفس حين يقيدها قيد أعظم ، ورغم ذلك فالارتفاع مشروط بعدم ذوبان الصمغ الذي يثبت جناحي الطائر المحلق ، والتحليق كشف للزيف الماثل وتعرية للحقيقة المفروضة فرضا . نبش الحفر ونهر الأم لبطلنا من عودته إلى عادة طالما استمتع بها لأنها تمثل النافذة المشرعة أمامه للانتقال من الألم إلى الأمل ، حتى لو كان الانتقال زائفا والنافذة وهمية إلا أنها تمثل حالة تنكشف فيها الحجب التي تستر الحقيقة . شعرت بحرف ( القاف ) ، تخيلته ، نطقت به وكررت نطقي له ، كانت لقطة استملحتها وشرعت في الغوص في ثناياها ، العقاب الماثل أمامي والعفو الماثل أمام البطل ، كلاهما عنوانان لأمنية تنتاب الجميع .
انتقال أخر إلى نافذة حقيقية لا تمثل النافذة الأولى ، وكأن الأولى عبور للماورائيات ، والثانية تمثل العودة إلى الواقع ، ورقات ثلاث ، للامل .. للألم .. ورقة ثالثة فارغة تنتظر إما أن يخط هو عليها أو أن يخط الآخر المنتظر عليها ، وتكرار يلازمني للخواء الذي ينتاب المعدة .
رجل الثلج الذي عبر امامنا في لعب الأطفال في زاوية من السرد ، يعبر أمامنا من زاوية أخرى ، في الزاوية الأولى كان مجرد رجل ثلج يعبر عن لعب أطفال محكومين بالأمل ، أما في الزاوية التي نقلنا إليها البطل كانت تعبر عن أمل تحول إلى ألم ، فهنا رجل الثلج يمثل للمحكوم بالألم ذلك العربي الذي غض طرفه عن حال أمة تعاني أيما معاناة ، يعبر عن وطن سليب فرطت فيه شعوب تتصل معه بدين ولغة وانتماء .
نهاية ساخرة ، تعلق في ذهني ألف صورة وصورة للحياة التي يعيشها أولئك المسلوبون ، حياة بائسة يتربع على عرشها أمل كسيح وألم فصيح ، ضحكة اولى على جرج وطن سليب ، ضحكة ثانية على ضياع هوية ، ضحكة ثالثة على ( رجال الثلج ) المتقوقعون في خارطة الوطن العربي ، ضحكة رابعة أضيفها إلى الضحكات الثلاث على حاكم حكم أن الحق للظالم على المظلوم .


القاص السعودي – العباس معافا
2004







محكومون بالأمل
ريتا عودة



كلمة "ألم" مكوّنة من ثلاث حروف أفقي، يقابلها كلمة "أمل" من خمس حروف عامودي. أكدحُ ذهني. اللعنة على هذي الكلمات المتقاطعة! إنّها تستحوذ على أفكاري وتستنفذ كلّ طاقاتي. تتزاحم الكلمات في رأسي تتضافر لتتقاطع صورا على صفحة الذاكرة. أحبسُ أنفاسي. أتنهدّ. أنتقلُ لصفحة الإعلانات عن وظائف شاغرة. ربما يحالفني السعدُ اليوم فأعثر على لقمة تكفيني سدّ عوز عائلة تتعلّق بعنقي كحبل المشنقة. تطاردني رائحة عفونة . ألقي بالصحيفة فوق الأرض. أعود فأتنهدّ وأبحثُ عن نافذة .
***
يستهويني منظر الثلج وهو يتساقط بخفّة كأنّ أسرابا من الطيور خلعت عنها ريشها ونثرته في الفضاء. يستهويني صخب الأطفال وهم يركضون حُفاة ً تحت الثلج دونما شكوى، يتنافسون على بناء رجال من الثلج .
هؤلاء هم المحكومون بالأمل...! نحن المحكومون بالألم ..!
تحرّكَ الحنينُ داخلي إلى مرتع الطفولة، إلى أيدٍ صغيرة تتسابق لتصطاد العصافير من أعشاشها فتزجّ بها بفرح داخل الأقفاص الصغيرة وتروح ترقبها بفضول، وشيئا فشيئا تذبل اللهفة حين تدرك أن العصافير لا تغرد إلا على شجر .
***
ألقيتُ حقيبتي المدرسيّة فوق عتبة المنزل. الباب موصد. لمحتُ والدتي وأنا في طريق العودة من المدرسة تدخل الجامع بخطوات
مُتثاقلة. لا بُدّ أن أنتهز بضع دقائق لأستردَّ الشمس في عروقي. خلعتُ حذائي وواريتُ جواربي المثقوبة في أقصى نقطة منه. طفقتُ أنبشُ حفرة على طول جسدي النحيل داخل تلال الرمل.
ببرود هبطتُ داخلها . طمرتُ جسدي حتى عنقي. الشمس في منتصف الحلم وأنا بحاجة للدفء .أغمضتُ عينيّ ورحتُ ارتفع. هكذا سأبقى في ارتفاع دوما. لا أخشى إلا أن يذوب الصمغ عن جناحيّ وأنا أقترب من الحقائق برشاقة. تمطّى ظلّ قربي وارتفع صوت ينخر ضميري:
- هشام ....؟! عدتَ لنبش الحفر ...؟
امتدّت ذراعاها نحوي لتنتشلني من مرتع أحلامي. ارتعدتُ . سقط منديلها المبرقش فوق يدي. بانت ضفيرتها الشائبة. تلوّى فستانها الأسود المطرّز بقطب فلاحيّة بالية وهي تنحني لتنتشلني من الحفرة. انحسر فمها عن أسنان متهالكة.
- يا قلبي لمَ تهوى المشاكسة ... !؟
كالمعتاد جاء حرف القاف رخيمًا مضمخا بالنبرة الفلسطينيّة التي تطرب قلبي. جحظت عيناي. تراها تعفو عنّي هذه المرّة أم ستعاقبني.؟! قالت بحنوّ وأنا انتصب كشجرة نخل في جنتها:
- يا صغيري، هيا إلى طشت الماء .
طفقتُ أتهادى بفرح أمامها كجندي مشاة ٍ في يومه الأوّل.
***
نظرتُ عبر زجاج النافذة. الشمس محتجبة منذ سنوات. سأنتهز بضع دقائق لأستردّها في عروقي. فتحتُ الباب برويّة وخرجتُ. في السماء غيوم متلبدة. في القلب ثلاث ورقات. ورقة للأمل وأخرى للألم , أمّا
الثالثة فما زالت تحمل بياضها.
رحتُ أتناول الثلج وأكدسّه كومة فوق كومة. سأبني رجلا من ثلج. هذا الذي طالما راودني في صحوي ومنامي ووهبني قصفة حبق تُعطّرُ عفونة شتاتي فتجعل للمنفى طعم وطن. أشرقت ِ الشّمسُ في عروقي. سأضع له عينين من خرز ،أذنين من خشب، وفم من صوّان. سآتيه كلما اشتدّت وطأة الغُربة على قلبي. ها هو كما دوما تخيلته، رجل من ثلج.. !
***
_ هشاااااااااااام !!
حاصرني صوتها وكأنّه الماضي المستمر. وقفتْ قربي مذهولة ً. تارة ً تتأمل رجل الثلج وأخرى تتملّى ملامح وجهي. تراها تراني مشاكسَا بعد مرور أكثر من عشرين سنة على أعراض الطفولة..؟!
انتصبَ الرعبُ ككوز من الصبّار في جوف حنجرتي. ابتسمتْ برقّة.
حاصرني حنانها من شرقي إلى شوقي:
- يا ابني ألم تكبر على اللعب بأعصابي..؟!
تحرر قلبي من قبضة الرّهبة. قهقهتْ بصخب. أصابتني العدوى.
قهقهتُ..
ههه .. على جرح وطن سليب .
هههههه... على ضياع هُوية .
ههههههههه ... على رجال من ثلج على امتداد خارطة الأوطان
العربيّة. ههههههههههههههههه.



2004

قراءة في قصة "أنا جنونك"لريتا عودة بقلم الأديب عدنان كنفاني


ريتا عودة .. إبحار في تجربة القصّ- قراءة في "أنا جنونك"


ريتا شاعرة خرجت من ثوب الموازي، لتخطّ درباً رصفت أرضيته بصدق الحروف.. ونثرت في فضائه سحر
المفردات، وطوّرت تفاصيل الحدث فامتزج برحيق لغة ممتطية أجنحة سنونوات.. فاستولدت من القصيدة قصيدة..
شاعرة ملأت كلماتها بعذب موسيقا.. فأطربت دون أن تلتزم رتماً أو قافية.. بل جعلت الروح تنطق، تتبدّل على أوتار النسمات.. تارة دافئة.. وتارة باردة، لكنها كلّها صدى أنات موجعات، وزغاريد فرح، ترسم لوحة الأنثى بريشة رهيفة.. تستكين حدّ الانهيار.. وتتمرّد حد الثورة.. فتحسبها.. تتمناها تكون بين ذراعيك.. تنبض بك، وتنثر مفرداتها بين يديك.
هذه ريتا عودة التي عرفتها شاعرة..
هنا.. على عتبات إبداع جديد، تشقّّ بعنفوان المعرفة، وذات الدفق الصادق، عتمات الأحداث فتغمرها بلغة الموسيقا ذاتها. تبلّل جفاف الحزن، فيأتيك على أجنحة غادرت مداراتها اللحظة، وحملتك معها إلى عالمها القلق.
يبدؤك العنوان (أنا جنونك.! ) أليس عنواناً إشكالياً.؟ أيّ جنون هو.؟ وأيّ محرّض هو.؟ بل أيّ الجنون الجنون.؟ فتُبحر قبل أن تبحر في النص، ترسم خطوط الوعي فتداهمك الكلمات فتفشل في تركيز الحدس..
ولأنها تدرك قبل أن ترتكب جنون الكتابة أن شكوكها أوهام.. يبدأ وقع المونولوج بـ "أنا جنونك.!" وهذا الـ أنا في خطاب اللاوعي هو ذلك الآخر الساكن في كلّ واحد منا.. يبثّنا الشك، والهم، والصفاء، والقلق.. الـ أنا ترفض وتتمرد.! والآخر الحقيقي يتسلّق المفردة ويبني عليها برج وهم.. تأتي "أنا جنونك" في مبتدأ الكلام تعترف الكاتبة أنها شبح جنون قبل أن تلج بحر الكلام، وتهدم سلفاً برج الإقصاء، ورغبة الابتعاد، وبذور الفتنة.. فينتصر الرويّ..
هل هي قصّة.؟ خاطرة.؟ بوح.؟ اعتراف.؟ ألم.؟
ربما كلها في آن تحت عنوان إشكالي. وعبر مونولوج يتقن فنّ الحوار، لم يكفّ عن الخوض في فعل السؤال بين قلب ينبض بالحب، وخوف من فقد هذا الحب.. بين براءة في رجاء إخلاص ليس له حدود. ورغبة مشروعة في مطلق التملّك، وبين متاهات رعب في تسرّب هذا الرجاء.. وبين.. وبين، تتواصل الأسئلة.. ويتواصل الرفض.. ويسمو عبق الكلام. (لست الأمير الذي سيأتيني بفردة حذاء على قدّ أحلامي) يأتي الموروث ليكرس فعل التمنّي.. أليست رومانسية مسافرة إلى أقصى حدود الشفق على أجنحة عاشقة حتى النخاع.؟
ومن تراه يملك تلك الحقيقة المطلقة.؟ ومن يملك القدرة على الإقناع بلا حدود وتوطين الهدأة في قلبٍ قلق.؟ تقف الذات بعد رجفة السؤال لتقول بهمس راجف (ذابَ ثلجُهَ، فتدفّق خارج الغرفة) الثلج يذوب يصير ماء يتسرّب عبر شقوق ولا يعود إلى شكل.. لماذا إذن تعود الأسئلة.؟ ومِن "أنا جنونك.؟" (صرختُ بها ثانية إياكِ أن تصدّقي) (صرختُ ثالثة إياكِ يا مجنونة إياكِ.. إياكِ)
فهل ينتصر الجنون على الحسّ.؟ وإلى متى يواصل الجنون ركوب العجلات الضبابية.؟ ويوشك الجنون "أنا جنونك" وهو يرمي آخر سهم في وجه الحب رفع راية استسلام (بسطتُ أصفادي حول دماغها في محاولة مستبسلة للجمها عن الاستماع لصوته) محال أن يُكبّل صوت الحقيقة.. محال أن يلفظ القلب من مخر عبابه وسكن.. وعلى أنقاض المونولوج بين أناها وجنونها تهبط هادئة راسيات الأمل، وتستكين على هدأة قرار (وقعتُ أنا كورقة خريف صفراء.. وغبتُ عن الوعي)
في نقطة النهاية هذه تعيدُ الكاتبة فتح الأبواب على رؤى إشكالية كثيرة.. إذ ما معنى أن تغيب عن الوعي.؟ هل هو استسلام لحب متمكّن.؟ أم هو وجع صدمة.؟ قصّة أم خاطرة أم اعتراف أم قصيدة.؟ ربما كلها في نصّ حمل كثير تكثيف، والتقط بليونة نبض حالة مكانها في كيان، وزمانها مطلق، تخرج عن شروط القصّ لتدخل في صميم القص.. حفنة هواء في راحة يد.. وهل أصعب من الإمساك بهواء.؟
"أنا جنونك" قصة باذخة بطيوف حداثة حقيقية متكئة على عوامل تكثيف كان يمكن أن تتكثّف أكثر، وكان يمكن أن تنفتح أكثر، وكان يمكن للكاتبة أن تثريها بكثير أحداث، وكثير دفء لو أعملت فيها اهتماماً أكثر. لكنها أتت هكذا تعلن بأن روح الشِعر متى تخلّل قصة بعث في جفافها نسيمات جمال..




الأديب عدنان كنفاني
2004





أنا جنونك
قصة قصيرة للأديبة ريتا عودة



لغطٌ غير اعتيادي في الداخل ، سيّرني إليه . رأيته واقفا متكئا كتمثال من ثلج على حائط وهي ممدّة على الأريكة مقابل نافذة مطلّة على بحر وكلاهما يلوكُ الكلمات:
- هذا لا يمنع أن ..
*لستَ الأمير الذي سيأتيني بفردة حذاء على قدّ أحلامي.
- آتيك ِ بالنيل والبحر والهرم لو ...
*أنا في انتظار أمير ليس له وجود إلا في خيالي لذلك هو حتما ليس أنت...
- من انتِِ لتتعالي عليّ..!
* أنا......؟!
................................ أنا جنونـُك .



***


ذابَ ثلجه فتدفق خارج الغرفة ، غمر في طريقه الزهور فأورقتْ وجرف كلّ الحَصى والطحالب فاخضرّت الحقول.
استبدّتْ بي رغبة جامحة لتحذيرها. قفزتُ إلى رأسها ورحتُ أنصِتُ لتسارع أفكارها. استوت على عرش الوحدة وراحت تتلذذ باحتساء خمرة عشقها:
( الغبيّ ! متى يدرك أنّهُ ليسَ جملة اعتراضيّة في رواية عشقي بل هو العُنوان. الحلم لا يتكرر مرّتين وهو حلمي. هو حلمي. هو حلمي.)
تقززٌ مرير سرى في عروقي. يا لها من بائسة. يجب أن أحذرها لئلا تخور إزاء اغراءاته العبثيّة. بسرعة وسوستُ لها:
"استيقظي من أوهام الرومانسية يا صغيرة فالحبّ فكرة لا تتحقق. بذرة طريّة لكنها لا تنمو. هيّا، احصلي على اكتفائك العاطفي من ذاتك. دللّي نفسك بنفسك. أشتري لك الهدايا التي تشتهين أن يباغتك بها عاشق. اروي أنوثتك بكلمات: (يا عمري، يا عشقي ..). لا تنتظري النقاء من رجل. يا لقلبك ! بسرعة صفحتِ عن آثام حبيبك الأوّل الذي برع في اعترافاته العشقيّة لك أنّكِ سيّدة أحلامه وأنّكِ حبّه المستحيل وأنّكِ أفروديت وإنَّ وأنّ ولكنّ وليتَ ولعلّ إلى أن بدأتِ تئنين حين استيقظتِ وأنتِ في ذروة انبهارك بهِ على نفاذ صلاحيّة الحلم. يا لقلبك! أهكذا تصفحين بسهولة عن عبلى وليلى وسلمى اللاتي خرجن بغتة ًمن قبعته ، كلّ تطالب قلبه بحقها من الميراث ، كلّ لوّثت حلمك الوردي بآمالها."



***


شئ ما التصق برأسها .
* ألو ..
- يا مجنونة أحبّك ِ..
غفتْ كلماتهُ في حضن أحاسيسها كما تغفو في حضن ورقة. صرختُ من قحف رأسِها: " إياكِ أن تصدقي ..! "
استمرَ الترنيمُ الرّوحيّ :
- أنتِ لي ..
صرختُ بها ثانية : "أياكِ أن تصدّقي..!".
- "أنتِ جنوني .."
تراختْ خلاياها..
صرختُ ثالثة ً:" إيــَّاكِ..!!".
استرسلَ هو:
- " أنتِ اشتعالُ الفكرة ووهج الإبداع. أنتِ العشق والعشقُ أنتِ. أنتِ أنا وأنا أنت. أنت وأنا مسوّدةُ حبر ٍ واحد وروح واحدة. تعالي. لا تخافي . أدخلي روحي .أشعلي في كل خُطوة مصباحًا ، وفجرّي كتابة ً على جسد الحنان يا حناني. تعالي . كوني جنوني. إيّاكِ ألاّ تكوني...!"
كان يشدّ قلبَها إليهِ كالحاوي الذي يسحبُ المناديل الملونة من قبعته السحريّة ببراعة حرفيّة .
راحَ قلبُها يزقزقُ:
( تبّا لكَ. لمَ نسفتَ الأسلاكَ الشائكة، الأسوار والجنود من حول جنون الأنثى في عروقي.! أخبرني كيف سأتفنن الآن في إخماد اشتعالي.!)



***


بسطتُ أصفادي حول دماغها في محاولة مستبسلة للجمها عن الاستماع لصوته لكنّها ضغطت فجأة ً وبقوّة على صدغها. ثمَّ، وقفتْ وسارتْ باتجاه الحديقة. أوْرَقتِ الزّهورُ واخضّرَتِ الحقول.
وقعتُ أنا كورقةِ خريف صفراء في مهبّ حبّ عاصف. وغبتُ عن الوعي .



***


تمّت وبالأحرى بدأت في :

9-1-2004